منوعات

احتيال مُقنع لكسب المال.. ظاهرة التسول تنتشر في تونس خلال رمضان
تاريخ النشر: 11 أبريل 2022 11:45 GMT
تاريخ التحديث: 11 أبريل 2022 14:10 GMT

احتيال مُقنع لكسب المال.. ظاهرة التسول تنتشر في تونس خلال رمضان

على رصيف أحد الشوارع الكبرى بوسط العاصمة تونس، يفترش "حسن" قطعة من الورق المقوى ويجلس متكئا على ذراعيه، واضعا أمامه بطاقة تحمل صورته وإشارة إلى إعاقته، ومنديلا

+A -A
المصدر: تونس - إرم نيوز

على رصيف أحد الشوارع الكبرى بوسط العاصمة تونس، يفترش ”حسن“ قطعة من الورق المقوى ويجلس متكئا على ذراعيه، واضعا أمامه بطاقة تحمل صورته وإشارة إلى إعاقته، ومنديلا وضعت فوقه قطع نقدية كثيرة، ثم لا يلبث أن يحرك يديه باستمرار كما لو أنه يريد إظهار إعاقته للمارة من ذلك الشارع.

تعوّد حسن أن يقصد مدينة تونس كل صباح ثم يتخذ من أحد الشوارع مكانا له لممارسة التسول، واستدرار عطف المارة وإظهار الحالة الرثة التي يبدو عليها، وتضخيم الإعاقة الجسدية التي يعاني منها لجمع المال وتوفير قوت يومه.

تبدأ رحلة حسن وهو في الأربعينيات من العمر، في الصباح الباكر عندما يركب الحافلة قادما من منطقة ”دوار هيشر“، إحدى المناطق الواقعة غرب العاصمة تونس، وينزل في منطقة ”الباساج“ بقلب المدينة، قبل أن يقصد المكان الذي تعود أن يمكث فيه شبه ممدد لاستجداء المارة وطلب بعض النقود، مستعملا عبارات تعود الجميع سماعها، ”راني معاق، حويجة لربي على رحمة والديكم.“..وهي أساليب تعود المتسولون في تونس ترديدها لإثارة الشفقة وإظهار الفاقة الشديدة التي يعيشونها.

رفض حسن في البداية الحديث لـ ”إرم نيوز“، لكنه تحدث باقتضاب عن حاجته الشديدة للمال ليتمكن من تجاوز نوائب الدهر ومغالبة الأوضاع البائسة التي يعيشها منذ أن جاء إلى الدنيا في أسرة تعيش أشد درجات الخصاصة والفقر.

الفقر وفقدان السند

ينتمي حسن إلى عائلة وفيرة العدد، ومنذ ولادته وهو يعاني من إعاقة جسدية، كان الوحيد بين إخوته الذي يشكو تلك العاهة، وأمام نشأته في بيئة فقيرة ومعدمة، لم يكن أمام ذلك الشاب من حل لتوفير قوت يومه سوى التسول والعيش على ما يجود به المارة من قطع نقدية، حسب ما قال لـ ”إرم نيوز“.

ويضيف: ”الإعاقة التي أعاني منها هي السبب الرئيسي وراء لجوئي لهذه الطريقة للعيش، فضلا عن الأوضاع الاجتماعية السيئة جدا وفقدان أي سند عائلي بإمكانه أن يكفل لي عيشا كريما“.

ويرفض حسن تقديم مزيد من المعلومات حول المبالغ التي يغنمها من امتهانه التسول بصفة يومية، ولكن عديد المصادر تقول إن الدخل اليومي للمتسول يختلف من مكان إلى آخر، فالجلوس في الشوارع الرئيسية بوسط العاصمة تونس يدر مالا أكثر من البقاء في مناطق أخرى.

أما المكوث أمام أبواب المساجد أو ركوب وسائل النقل العمومية فيوفر للمتسولين أيضا عائدات مالية تصل أحيانا إلى 40 دينارا يوميا، أي ما يقارب 1200 دينار في الشهر الواحد ( 400 دولار تقريبا) فيما تؤكد مصادر أخرى أن مداخيل المتسول الواحد في تونس تفوق ذلك المبلغ بكثير.

ويتوزع الآلاف من المتسولين في العاصمة تونس وعدد من المدن الكبرى، بعضهم يجوب الشوارع ويعتمد غالبا أسلوب الإيهام بالمرض مع الاستظهار بوثائق كبطاقة الإعاقة أو وصفات لأدوية طبية والسير باستعمال العكاز.

أما البعض الآخر فيجد ضالته في وسائل النقل وعادة ما يتظاهر ممارسو هذا النوع من التسول بفقدان البصر أو بالحاجة إلى علاج أبنائهم وتوفير علبة من الحليب لأبناء رضع في كفالتهم.

عصابات منظمة

وتعتمد مجموعات أخرى منظمة، على استغلال الرضع والأطفال للتسول والحصول على المال، إذ كثيرا ما كانت تصطحب إحدى النساء رضيعا أو طفلا في هيئة رثة تثير شفقة المارة وتستعطفهم العون، لكن مصادر أمنية في تونس ألقت في السابق القبض على نساء يصطحبن أطفالا لا توجد أية روابط قرابة دموية معهم؛ وذلك لاستغلالهم في التسول.

وقال مصدر من الهيئة التونسية لمكافحة الاتجار بالأشخاص لـ ”إرم نيوز“، إن الهيئة تسعى منذ إنشائها في 2016 إلى مكافحة ظاهرة استغلال الأطفال والرضع من أجل ممارسة التسول، مشيرا إلى أن ذلك يندرج ضمن جريمة الاتجار بالبشر التي يجرمها القانون التونسي والدولي على حد السواء.

وأضاف المصدر، أن ”تقرير الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص تضمن الإشارة إلى ضرورة التصدي لذلك النوع من التسول، وهناك بعض القضايا التي أحالتها الهيئة على النيابة العامة في تونس وأصبح الملف بين أنظار الأجهزة القضائية“.

وكانت الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص أعلنت عن وجود نحو 300 طفل يمارسون التسول في الشوارع.

وعادة ما يتم استقطاب هؤلاء من قبل عصابات متخصصة ومنظمة تنشط في التسول عبر استغلال الأوضاع المادية والاجتماعية والعائلية الهشة للأطفال القصر أو غياب السند العائلي (طلاق الأبوين أو وفاة أحدهما أو وجود أحدهما في السجن).

وتتزايد ظاهرة التسول في تونس خلال المناسبات الدينية، خصوصا خلال شهر رمضان، أو يوم الجمعة، باعتبار أن أغلب المتسولين يرابطون أمام المساجد وينتظرون خروج المصلين بعد أداء الصلاة لطلب ”صدقة“ أو ”حاجة على رحمة الوالدين“ فيما يتجمهر آخرون في الأسواق ويرتاد البعض الآخر المقاهي والمطاعم وفضاءات الترفيه من أجل هدف واحد وهو جمع المال.

ويجرم القانون ”39“ من المجلة الجزائية في تونس، استغلال الأطفال في التسول، أما الفصل ”171“ فيشير إلى أنه ”يعاقب بالسجن لمدة 6 أعوام كل من يستخدم في التسول طفلا سنه أقل من ثمانية عشر عاما ويرفع العقاب إلى ضعفه إذا تم الاستخدام في شكل جماعي منظم“.

استغلال الأطفال

وكشف مصدر من وزارة الشؤون الاجتماعية، أن أجهزة السلطة في تونس وضعت ظاهرة التسول وخاصة استغلال الأطفال والقصر في ممارسة ذلك النشاط على رأس الظواهر الواجب مكافحتها، وذلك من خلال تكثيف عدد المراكز التي تستقبل الأطفال المعرضين للاستغلال أو المشردين في الشوارع.

ويوجد في تونس ثلاثة مراكز للإحاطة والتوجيه الاجتماعي تعنى بصفة خاصة بالأطفال وتستقبل كل الأشخاص الذين لا عائل ولا مأوى لهم والفاقدين للسند المادي والمعنوي والأشخاص الذين يعيشون أوضاعا اجتماعية صعبة التي تستدعي الرعاية، وقد استقبلت هذه المراكز أكثر من 500 طفل في آخر 3 سنوات، بحسب مصادر من وزارة الشؤون الاجتماعية.

كما تشرف فرقة مختصة في تونس تسمى ”فرقة وقاية الأحداث“ ومهمتها انتشال الأطفال من خطر الاستغلال والاتجار بمختلف أشكاله والتنسيق مع الهياكل التي تُعنى بحماية الطفولة، لتعقب الأطراف المتورطة في استغلال الطفل لممارسة التسول.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك