مجتمع

تونس.. الأوضاع الاقتصادية "تنسف" عادات رمضانية
تاريخ النشر: 06 أبريل 2022 12:20 GMT
تاريخ التحديث: 06 أبريل 2022 14:15 GMT

تونس.. الأوضاع الاقتصادية "تنسف" عادات رمضانية

أمام واجهة محل لبيع الحلويات في العاصمة تونس، تقف "مريم" مصحوبة بابنتها وهي تجول ببصرها في أصناف الحلويات المعروضة وتحدق في لافتات الأسعار التي تعلو أطباق

+A -A
المصدر: إرم نيوز

أمام واجهة محل لبيع الحلويات في العاصمة تونس، تقف ”مريم“ مصحوبة بابنتها وهي تجول ببصرها في أصناف الحلويات المعروضة وتحدق في لافتات الأسعار التي تعلو أطباق الحلويات، ثم لا تلبث أن تنصرف نحو محل آخر عسى أن تعثر على بضاعة أقل سعرا.

”لم يترك لنا هؤلاء الذين يمسكون بالسلطة في البلاد الفرصة لننعم بشهر رمضان الكريم و لنحافظ على العادات والتقاليد التي تربينا على ممارستها جيلا بعد جيل“، بهذه الكلمات تلخص المرأة الخمسينية، التغييرات الجوهرية التي طرأت على نمط عيش التونسيين في شهر الصيام.

وتضيف: ”اليوم أصبحنا نبحث فقط عن سد الرمق بعد يوم الصيام، تبدو العادات الحميدة التي ميزت سهرات وليالي الشهر المبارك في طريقها إلى الزوال بسبب غلاء الأسعار وتردي أوضاعنا المعيشية“.

وتتابع مريم: ”رمضان شهر الخير والعبادة والتسامح، ولكنه مناسبة تجتمع فيها العائلة على مائدة واحدة وقت الإفطار وخلال السهرة، يبدو أن العامين الماضيين قوضا الكثير من العادات والتقاليد التي كبرنا معها، لا ندري ما سبب ذلك تحديدا ولكن من المؤكد أن التونسيين ضاقوا ذرعا بغلاء المعيشة“.

تسببت الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها أغلب التونسيين، فضلا عن انتشار فيروس كورونا وما أفرزه من تداعيات على نمط الحياة، في نسف الكثير من العادات والتقاليد في شهر رمضان.

فيما انعكست ظاهرة ارتفاع الأسعار وفقدان المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية بشكل مباشر على موائد الإفطار.

ويولي التونسيون عناية كبيرة لرمضان، حيث يشهد ظواهر اجتماعية من بينها تبادل الزيارات أو ما يعبر عنه باللهجة العامية ”اللمة“ وهي أن تشترك عائلتان أو أكثر في تناول طعام على مائدة واحدة وقضاء السهرة بشكل جماعي.

وتبدو عادة ”اللمّة“ في طريقها للزوال تماما مثل ظاهرة إقامة موائد الإفطار الجماعية التي يستفيد منها عدد من العائلات المعوزة وذات الدخل المحدود، بسبب تراجع القدرة الشرائية وشطط أسعار الكثير من البضائع.

وأفرز ذلك انخفاضا في معدلات الانفاق وانعكس على ظاهرة تبادل الزيارات العائلية وإقامة الموائد الخيرية.

ويرى عادل البكوش وهو رب عائلة، يعمل موظفا في القطاع الخاص أن ”ارتفاع الأسعار بشكل جنوني في أول أيام الشهر المبارك دفع أغلب التونسيين إلى مراجعة نمط استهلاكهم واعتماد شتى أنواع التقشف للضغط على النفقات“.

ويضيف: ”لم يعد المواطن متوسط الأجر الشهري قادرا حتى على سداد نفقات مقتنياته الأساسية، فما بالك بالحديث عن اقتناء الحلويات وإقامة سهرات عائلية وتوزيع حلويات شعبية يتم إعدادها في المنزل أو اقتناؤها من محلات خاصة“.

من جهته، يشير لطفي الرياحي رئيس المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك إلى أن ”الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها تونس والتي استفحلت خلال العامين الأخيرين نسفت الكثير من العادات الاستهلاكية، وأفقدت الكثيرين الرغبة في إحياء الكثير من التقاليد وذلك في ظل البحث فقط عن تأمين القوت اليومي والحاجيات الأساسية“.

ويقول الرياحي لـ“إرم نيوز“: ”لم يعد التونسي يستهلك المواد الباهضة مثلما كان ذلك قبل سنوات، أصبح المواطن يسعى فقط لتوفير العناصر الأساسية لتأمين مكونات طبق الإفطار، هذا يضاف إلى تراجع مؤشر الترفيه“.

ويضيف: ”ظاهرة التزاور بين العائلات تراجعت بشكل ملحوظ باعتبار أن المواطن يبحث عن مائدة إفطار بتكلفة أقل، كل هذه المؤشرات ناجمة عن الأزمة الاقتصادية“.

ويشير إلى أن ”المنظمة تعمل على إرشاد المستهلك وتوعيته وتوجيهه لاتباع نمط استهلاكي غير مكلف وذلك في ضوء الأزمة الاقتصادية الخانقة“.

وبجانب تغيير الكثير من العادات الاستهلاكية التي دأب عليها التونسيون خلال شهر رمضان، تراجعت ظاهرة التزاور بين العائلات في تونس وهي عادة كانت راسخة خصوصا خلال هذا الشهر.

كما فرضت الإجراءات الوقائية بسبب انتشار فيروس كورونا منذ العام 2020، والخوف من تفشي العدوى بالفيروس، التزام العائلات بالمكوث في بيوتهم وتجنب الخروج.

بدوره، كشف حسان موري، الأستاذ المتخصص في علم الاجتماع أن ”شهر رمضان هو شهر ديني واحتفالي في الآن نفسه وأن عديد الظواهر أصبحت بمرور السنوات راسخة في حياة التونسيين مثل التزاور أو ”اللمة“ ورفع سقف الإنفاق على أطباق جديدة يقتصر إعدادها على الشهر الكريم“.

ويضيف موري في تصريح لـ“إرم نيوز“: ”لكن كل تلك الظواهر مرتبطة أساسا بالاستعداد المادي والاقتصادي، وفي ظل ما تشهده المقدرة الشرائية للمواطن من تدهور واضح فمن الطبيعي أن تغيب كل المظاهر الاحتفالية وأن تتغير العادات الاستهلاكية“.

وتابع: ”المجتمع التونسي، وحتى المجتمع المغاربي بشكل عام هو مجتمع تكافلي قائم على التكافل والتضامن وعلى الهبة (الهدية) وذلك لتقوية الروابط الاجتماعية“.

ويزيد: ”خلال الشهر الكريم تسعى العائلات التونسية إلى تقوية تلك الروابط عبر موائد الإفطار الجماعية وعبر تبادل الزيارات والهدايا“.

ويختم قائلا: ”يبدو أن تغير الأوضاع المادية واستفحال الأزمة الاقتصادية انعكس مباشرة على عادات كانت راسخة ومميزة في رمضان ونسف أغلب الظواهر الاحتفالية“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك