وسط استياء روادها.. بلدية الجزائر تهدم معلم ”السكوار“ ذاكرة المبدعين (صور)

وسط استياء روادها.. بلدية الجزائر تهدم معلم ”السكوار“ ذاكرة المبدعين (صور)

المصدر: كمال بونوار – إرم نيوز

أزالت السلطات الجزائرية، حديقة عريقة في قلب عاصمة البلاد، على نحو أثارغضبًا من خطوة يراها مراقبون مساسًا صريحًا بروح وذاكرة معلم يمتدّ إلى 136 عامًا خلت.

وظلّت الساحة ”الممحية“ ملتقى أجيال من الفنانين والمبدعين الجزائريين، والعرب، والعالميين على مدار عقود.

والأمر يتعلق بساحة عتيقة صمّمها المهندسان المعماريان الفرنسيان، تشارلز فريديريك شاسيريو، وجاستن بونسارد، على الطراز الباروكي الجديد، بجوار ما كان يسمى قديمًا ”أوبرا الجزائر“.

وأنشئت هذه الحديقة بسواعد الجزائريين زمن الاحتلال الفرنسي القديم، وافتتحت مساء  29 أيلول/سبتمبر 1853، وأطلق عليها المحتلون مسمى ”بروسون“، وهي تسمية ظلت قائمة إلى غاية استقلال الجزائر في الخامس من تموز/يوليو 1962، قبل أن تحمل الساحة اسم الفنان المسرحي الجزائري الشهير محمد التوري (نوفمبر 1914 –   أبريل 1959).

من هنا مرّ سرفانتيس وشابلن 

ظلّت ساحة ”محمد التوري“، المحاذية لميدان بورسعيد، محجًا لقوافل من المبدعين كانوا يأتون للعزف والرسم والنحت وعروض مسرح الشارع، وإلقاء الشعر وكتابة النصوص والسيناريوهات.

كما برزت الساحة كرمز للمعارضين الذين لطالما أتوا إلى مجلس التوري، ليصدحوا بآرائهم ويسهبون في انتقاداتهم غير آبهين بسطوة المصادرة التي كانت تتفتت على أعتاب الساحة، ما جعل الأخيرة شاهدة على مغامرات الأديب الإسباني الشهير، ميغل دو سرفانتيس، وملاذًا احتضن السينوغرافي الجزائري العالمي الراحل، عبد القادر فراح، ونجم السينما الصامتة، شارلي شابلن.

وتميزت ساحة ”محمد التوري“ خلال الخمسة عقود الماضية، كملتقى لعدد هائل من طلائع الجيل الجديد في الجزائر، ما عزّز تموقعها كفضاءٍ مفضلٍ للتعبير الحرّ والاحتجاجات، حيث احتضنت الكثير من الاعتصامات والوقفات السلمية، كما شكّلت متنفسًا للمدافعين عن سجناء الرأي.

ويبدو أنّ هذه الساحة ”السحرية“، أزعجت من يسمون في الجزائر، حرّاس المعبد، فقام هؤلاء بسلسلة أشغال انتهت بإزالة الساحة وتحويلها إلى محض ”ممرّ“، في استفزاز لرواد المكان الذي أضحى كئيبًا راكدًا معتّمًا يشكو لأبناء التوري، ”جريمةً دُبّرت بليل“، على حد تعبير العم سليمان، الذي يقترب بثبات من عتبة المائة عام.

والمثير بحسب يونس، عمار، أحمد، زينب، وسيد علي، وهم من سكان حي القصبة الشعبي المطلّ على الساحة، أنّ قرار إزالة الساحة النابضة برائحة الذاكرة وعبق المخضرمين، تمّ بقرار إداري للمسؤول الأول عن محافظة الجزائر، عبد القادر زوخ، وجرى تنفيذ المخطط دونما استشارة أو إبلاغ السكان الذين فوجئوا بحركة غير عادية لأشهر داخل الساحة ”المغدورة“ التي جرت تغطيتها بصفائح حديدية سميكة لإحباط أي اختراق.

تمويه وتعتيم 

وعلم موقع ”إرم نيوز“ من مسؤول طلب عدم الكشف عن هويته، أنّ من أمر بالقضاء على الساحة هو محافظ الجزائر الذي جسّد أمرًا فوقيًا بـ ”شطب“ الساحة، بمبرر ”منع التجمهر“، بيد أنّ الشقيقين، عبد الرحمن، ويوسف، يتساءلان بألم: ”وما ذنب أشجار النخيل المغتصبة؟“.

وعبر ”مراوغة“ و“تمويه“ بمنظور السكان الغيورين، عمدت السلطات إلى التعتيم على ”ساحة التوري الراحلة“، وجرى تنظيم حفل موسيقي بحضور جمهرة من الوزراء والمسؤولين احتفاءًا بإعادة فتح الساحة المجاورة ”بورسعيد“ وافتتاح أربعة تماثيل نصفية لأعلام المسرح الجزائري، وجرى تسويق ذلك كـ ”حدث هام“.

واللافت في زمن تتغنى فيه الحكومة الجزائرية بـ ”التقشف“، أنّ كلفة ”المخطط“ بحسب عبد الحكيم بطاش (مسؤول محلي)، زادت عن 16 مليار سنتيم (في حدود 950 ألف دولار)، وهي قيمة موصوفة بـ ”الضخمة“ وتزيد من استنزاف الجزائريين وفاجعتهم بفقدان ساحة ”التوري“ التي صارت من الأطلال.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com