أول مقهى في سوريا موظفوه من المصابين بمتلازمة داون‎ (صور)

أول مقهى في سوريا موظفوه من المصابين بمتلازمة داون‎ (صور)
لا تقتصر الصعوبة على عملية دمجهم في المجتمع، بل في حثّه على تقبلهم كذلك.

المصدر: أ ف ب

يقدّم الشاب عبدالرحمن المصاب بمتلازمة داون الأكواب للزبائن مع ابتسامة عريضة، فهو يعمل في مقهى في دمشق ينفرد بتوظيف أشخاص من هذه الفئة التي ساهمت الحرب السورية في تهميشها.

بجمل قصيرة ومتقطعة، يعرب عبدالرحمن (21 عامًا)، وهو يضع قبعة على رأسه ويرتدي مريولًا رمادي اللون، عن فرحه بالعمل الذي يقوم به.

ويقول لمراسلة وكالة فرانس برس: “بالتأكيد أنا سعيد”، قبل أن يعدد أنواع المشروبات التي يقدمها للزبائن من “قهوة ونسكافيه وشاي وعصير”.

يمازح عبدالرحمن كل من حوله ولا تفارق الابتسامة وجهه، وهو ينتقل من طاولة إلى أخرى، على غرار نحو 16 شابًا وشابة من دمشق وريفها يتناوبون على العمل مساء في هذا المقهى الذي يحمل اسم “سوسيت”، وتشرف عليه جمعية جذور، وهي منظمة أهلية مقرها دمشق، تعمل على تمكين الفئات المهمشة وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لها.

خلف طاولة مرتفعة، ينهمك حازم زهرا (26 عامًا) الذي يعاني هو أيضًا من متلازمة داون، في تحضير أكواب القهوة والنسكافيه والشاي بحسب الطلبات.

ويقول الشاب الممتلئ البنية لفرانس برس: “أعمل للمرة الأولى في حياتي وأتقاضى راتبًا. لا أريد لهذا المقهى أن يقفل”.

وتشرح مديرة منظمة جذور، خلود رجب لفرانس برس: “هذا المقهى هو الأول من نوعه في سوريا، وهدفنا تمكين هؤلاء اليافعين وتدريبهم وإخراج الطاقات الموجودة لديهم والمساهمة في دمجهم اجتماعيًا”.

ويأتي إطلاق هذه المبادرة في إطار مهرجان “الشام بتجمعنا” الذي تنظمه غرفة التجارة مع وزارتي السياحة والتجارة لمدة شهر، حتى 26 تموز/يوليو، في حديقة تشرين المترامية على مساحة تتجاوز ثلاثين هكتارًا.

وتقول رجب: “اخترنا إطلاق المبادرة ضمن المهرجان؛ لتسليط الضوء على هذه الفئة من ذوي الاحتياجات الخاصة مع إقبال عدد كبير من الأهالي عليه”.

– “تقبل الاختلاف” –

ويستقطب المهرجان الذي يضم أجنحة كثيرة تعرض مختلف أنواع المنتجات وألعابًا للأطفال ومعرضًا للزهور مئات العائلات يوميًا. وتمتزج قهقهات الأطفال بموسيقى تصدح من كل ناحية.

ويعد المصابون بمتلازمة داون من ذوي الاحتياجات الخاصة. وتشرح رجب: “هم أشخاص يشبهوننا في كل شيء، وعلينا أن نتقبل الاختلاف ونحترم في الوقت ذاته خصوصيتهم”.

خلال سنوات النزاع، شكل المصابون بمتلازمة داون “إحدى الشرائح الأكثر هشاشة وليست المهمشة فحسب” وفق رجب، مع تركيز الرعاية والدعم على فئات مهمشة أخرى أفرزتها الحرب المستمرة منذ العام 2011.

ويبدي رواد المقهى الذي يضم طاولات مغطاة بشراشف بيضاء ومزينة بزهور ملونة، موزعة في باحة محاطة بالأشجار داخل الحديقة سعادتهم بهذه التجربة التي يأمل المنظمون ألا تكون محطة عابرة ويدرسون إمكانية استمرارها بعد انتهاء المهرجان.

ويقول أحمد قطريب (40 عامًا) الذي يعمل في مجال التمثيل لفرانس برس: “لم أتفاجأ أبدًا عند دخولي إلى هنا بل شعرت بالفرح. هذه المبادرة مهمة جدًا لهؤلاء الشباب”.

ويضيف: “المصاب بمتلازمة داون ليس مريضًا، إنه ببساطة مميز.. علينا أن نتعلم منهم الإصرار وندرك أن بإمكانهم أن يكونوا فاعلين في المجتمع”.

في سوريا كما في لبنان ومجتمعات عربية أخرى، تندر المراكز المتخصصة لتدريب المصابين بمتلازمة داون وتنمية قدراتهم. وغالبًا ما يتم تمكينهم من خلال مبادرات فردية أو عبر منظمات غير حكومية، تبذل جهودًا غير كافية.

– “لنربي المجتمع” –

ولا تقتصر الصعوبة على عملية دمجهم في المجتمع، بل في حثّه على تقبلهم كذلك.

وتوضح الشابة شهرزاد قنوع، مسؤولة العلاقات العامة في جمعية “شمعة أمل” التي تُعنى بدعم ذوي الاحتياجات الخاصة لفرانس برس أثناء زيارتها المقهى: “نواجه صعوبة في التقبل من الطرفين، والجزء الأصعب من العمل يتركز على دفع المجتمع إلى تقبلهم بصورة أفضل”.

خلال وجوده في المقهى، يبدي غسان بوري (66 عامًا) والد عبدالرحمن فخره بابنه الذي يواظب على القيام بنشاطات كثيرة، كتعلم مهارات الكتابة والموسيقى والرسم وممارسة الرياضة وآخرها الضيافة في المقهى.

ويقول: “أعمل منذ ثماني سنوات على تطوير مهارات ابني، لكن الحقيقة أن مستوى المجتمع أقل من مستواه بكثير”. ويضيف: “يحدث أحيانًا أن نكون في الشارع ويرمي أحدهم عبوة المياه على الأرض، يركض ابني تجاهه ليطلب منه أن يضعها في سلة المهملات، فمن يكون الأصح؟”.

ويتابع: “الأطفال المصابون بمتلازمة داون فاعلون، بقاؤهم في المنزل حرام، لكن علينا أن نربي المجتمع قبل أن نمكن هؤلاء الأطفال”.

 

محتوى مدفوع