أحمد سعيد.. المذيع الذي بشر بلقاء الجنود العرب في تل أبيب يرحل في ذكرى النكسة

أحمد سعيد.. المذيع الذي بشر بلقاء الجنود العرب في تل أبيب يرحل في ذكرى النكسة

المصدر: إبراهيم حاج عبدي- إرم نيوز

بعد مرور أكثر من نصف قرن على نكسة حزيران 1967، رحل المذيع المصري الشهير، أحمد سعيد، الذي بشر العرب، آنذاك، بانتصار ساحق على إسرائيل، سرعان ما تبين أنها ”أفدح هزيمة“ تعرضوا لها في تاريخهم الحديث، ولا زالت تداعياتها ”المأساوية“ مستمرة إلى اليوم.

وشكل تزامن رحيل سعيد مع ذكرى النكسة مفارقة مريرة، ذلك أن ”المذيع الأسطوري“ كان يطمح إلى شطب تلك التصريحات الحماسية من أرشيفه الإذاعي الحافل، إلا أن وفاته في هذا التوقيت أعاد، من جديد، إلى الواجهة، ”التناقضات المدوية“ التي اقترفها، وكادت أن تلغي إنجازاته الإذاعية التي لا يمكن إغفالها.

اشتهر سعيد، الذي رحل عن 93 عامًا، في حقبة الخمسينيات والستينيات، عندما كان ”الراديو“ هو المصدر الوحيد والسريع للأخبار، وكان من المقربين للرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، الذي عينه مديرًا لإذاعة ”صوت العرب“، فعمل فيها لمدة 14 عامًا من 1953 إلى 1967، وكانت تعتبر من أهم الإذاعات العربية في تلك المرحلة.

ورغم أدائه الإذاعي الرصين، وصوته الجهوري، وقدراته على الإقناع، غير أن ما علق في أذهان مجايليه ومتابعيه، هو تلك الخطب الحماسية التي أعلن فيها انتصار الجيش المصري في حرب 67 وتمكنه من إسقاط عشرات الطائرات الإسرائيلية، فيما كانت الجبهات، على أرض الواقع، تشهد هزيمة الجيش المصري، الذي تعرضت طائراته للقصف قبل أن تقلع من المدارج.

ولم يشفع لسعيد تبريره، لاحقًا، ما جرى، إذ أوضح ”لا تستطيع أي صحيفة أو إذاعة أو قناة تلفزيونية عندما يأتي إليها بيان من أي وزير في الدولة وهي في حالة حرب أن تمتنع عن نشره“.

وفي ظل غياب محطات التلفزة، كانت إذاعة ”صوت العرب“ أداة دعائية هامة اعتمد عليها عبدالناصر في التأثير على الرأي العام المصري والعربي، بينما كان سعيد، الذي يدير هذه الإذاعة، من المتحمسين للزعيم المصري، ولطالما مدحه بوصفه ”قائدًا قادرًا على صنع المعجزات“، ويحرص على بث الأغاني الوطنية والحماسية التي كانت تلهب مشاعر العرب من المحيط إلى الخليج.

ولشدة إعجاب سعيد بالزعيم الراحل ألف كتابًا عن الناصرية، وصف فيه جمال عبدالناصر بـ“باعث القومية العربية“، مشبهًا إياه بجمال الدين الأفغاني الذى يوصف بأنه باعث حركة الإحياء الإسلامي.

ولم يكن سعيد يستهدف النخبة عبر الكلام المنمق والبليغ، بل كان يلجأ إلى لغة سهلة وبسيطة لكنها مفعمة بروح التحدي، ومن ذلك قوله: ”إخوتنا الجنود، اهجموا على العدو، اقتلوهم جميعًا، دمروهم، إلى اللقاء فى تل أبيب“، في إشارة إلى عاصمة الدولة العبرية التي أمل سعيد أن يلتقي فيها مع الجنود المصريين والسوريين.

وكانت خطب سعيد تصل عبر الأثير إلى مسامع زوار المقاهي في القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق وعمان، الذين كانوا يهللون فرحًا، وينتظرون المزيد من تلك ”الجرعات الإذاعية المشجعة“ التي تعكس تعطشهم إلى نصر قريب على العدو الإسرائيلي.

وكانت إذاعة دمشق تسير على المنوال ذاته في بث بشائر النصر، حتى أنها كانت تبث بيانات باللغة العبرية تشرح فيها للجنود الإسرائيليين ما ينبغي عليهم فعله عندما تصلهم الجيوش العربية حتى يضمنوا حياتهم.

وعندما تبين حجم الدمار الذي لحق بالجيوش العربية، وعقب تقديم عبدالناصر لاستقالته الشهيرة، أعلن أحمد سعيد فى لهجة درامية حزينة أن ”الثورة باقية، الثورة مستمرة، الثورة راسخة، نقسم بالله…نقسم بالله“.

وتحول سعيد إلى رمز في وجدان العرب يشير إلى ذلك الشرخ بين الخطاب الإعلامي والدعائي المبشر بالنصر، وبين الواقع الفعلي الذي لا يزال يعاني من آثار النكسة وثمارها المرة، غير أن كل ذلك لا يلغي نجومية سعيد الذي تسرب صوته إلى كل البيوت في البلاد العربية، وهي تتلهف إلى بارقة أمل تهمس لها أن الكابوس قد زال، بيد أن هذا الكابوس لا يزال جاثمًا على صدور الفلسطينيين والعرب جميعًا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com