في مواجهة أزمة اقتصادية طاحنة.. ليبيون يبيعون حليهم لشراء الدواء‎ – إرم نيوز‬‎

في مواجهة أزمة اقتصادية طاحنة.. ليبيون يبيعون حليهم لشراء الدواء‎

في مواجهة أزمة اقتصادية طاحنة.. ليبيون يبيعون حليهم لشراء الدواء‎
A man displays Libyan Dinar banknotes in a jewellery store in the old city of Tripoli, Libya October 26, 2017. Picture taken October 26, 2017. REUTERS/Ismail Zitouny

المصدر: رويترز

في ساحة خلف مصرف ليبيا المركزي ينتشر تجار السوق السوداء، بعضهم مسلح وبحوزته أكياس بلاستيكية سوداء صغيرة معبأة بالدولارات، وأخرى أكبر حجمًا معبأة بالدنانير؛ حيث تجري واحدة من عمليات كثيرة غير رسمية لتبديل العملة.

يشتري التجار الغذاء والسلع الأخرى من الخارج بسعر الصرف الرسمي، ويبيعونها بالسعر غير الرسمي، محققين بذلك أرباحًا هائلة؛ بينما يجني آخرون أرباحًا مماثلة عن طريق تهريب الوقود المدعم إلى الخارج.

أما في أزقة المدينة القديمة، فقد لجأ السكان لبيع الحلي أو الدولارات المخبأة في المنازل، حيث ألقت الفوضى المنتشرة في البلاد، طوال ستة أعوام منذ سقوط حكم معمر القذافي، بظلالها عليهم.

تقول فاطمة (40 عامًا) من مدينة سبها الجنوبية ”لم أتلق راتبي منذ أربعة أشهر“، وكانت تتحدث بينما تبيع ثلاث قطع صغيرة من الذهب؛ لشراء دواء السكري لشقيقتها حسينة، التي أضافت ”نحن عاجزون، لا يمكننا فعل أي شيء آخر“.

وفي مؤشرات أخرى على ارتفاع معدل الفقر، تتسول سيدات مسنات من راكبي السيارات في شوارع طرابلس، بينما تصطف الأسر للحصول على حصص من طعام الصدقات. وتظهر تقديرات الأمم المتحدة أن نحو 1.3 مليون شخص في ليبيا يحتاجون مساعدة إنسانية في العام الحالي.

واتخذ وضع المواطنين الليبيين منحنى أسوأ في الأسبوعين الماضيين، إذ شهد سعر صرف الدينار في السوق السوداء انخفاضًا جديدًا، بعدما ظل لفترة طويلة عند مستويات شديدة التدني؛ ما عزز ارتفاع التضخم الذي يسجل بالفعل ما بين 25 و30%.

ويتهم البنك المركزي ديوان المحاسبة والحكومة التي تدعمها الأمم المتحدة، بحجب خطابات الائتمان التي تمول الإمدادات الأساسية لبلد منقسم، يؤثر الفراغ الأمني، وشبكات التهريب المنتشرة به على المنطقة عمومًا.

ورصد مسؤولون طلبات مريبة؛ أحدها لاستيراد تونة بقيمة 120 ألف دولار، أي أكثر مما يستهلكه البلد سنويًا، وفقًا لما ذكره تاجر ليبي، طلب عدم ذكر اسمه خشية انتقام الجماعات المسلحة ذات النفوذ في ليبيا.

وقال التاجر إنه تم تخصيص ائتمانات بقيمة 2.5 مليار دولار فقط من أصل 7.4 مليار دولار كانت متوقعة؛ ما دفع بالعملة المحلية إلى التراجع أمام الدولار عند 9.25 دينار من 8.5 دينار في السوق السوداء، وانخفضت قيمة العملة أكثر من 600% منذ مطلع 2014.

ولم يتسن الوصول لوزارة الاقتصاد حتى الآن للتعليق على نظام ائتمان معقد يمر عبر البنوك التجارية وتشوبه، بحسب ديوان المحاسبة، مخالفات مع غياب الرقابة.

وقال محافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير في مؤتمر صحفي نادر يوم الثلاثاء ”نتكلم عن وضع اقتصادي ومالي سيئ للغاية (…) الجميع يتحمل المسؤولية سواء جهة تشريعية أو تنفيذية“.

سلام صعب المنال

يقول تجار وخبراء اقتصاد إن ”الضبابية السياسية عامل رئيس يضعف العملة، حيث تم تعليق محادثات تتوسط بها الأمم المتحدة، لإبرام اتفاق بين الفصائل المتنازعة في الوقت الراهن“.

وتكافح ليبيا لتمويل واردات الغذاء وحماية احتياطياتها من النقد الأجنبي، التي يقدر البنك الدولي أنها ستبلغ 67.5 مليار دولار بنهاية العام الحالي مقارنة مع 123.5 مليار دولار في 2012.

ويقول خبراء دوليون إن ”السبيل الوحيد لحل الأزمة هو خفض قيمة الدينار عن سعر الصرف الرسمي الحالي البالغ 1.37 دينار للدولار، لكن الاتفاق على إستراتيجية اقتصادية في بلد تسيطر عليه فصائل مسلحة وحكومتان متنازعتان وفي غياب أي ميزانية، ليس بالمهمة السهلة.

كما أن أي أقلية، من أصحاب النفوذ أو تربط أفرادها علاقات متينة وتتربح من اقتصاد مواز مزدهر، لن يكون من مصلحتها التغيير.

ولم يعلق البنك المركزي على فكرة خفض قيمة العملة، لكنّ خبراء اقتصاد ودبلوماسيين يقولون، إن البنك لا يرغب في خفض قيمة الدينار دون خطة سياسة نقدية جاهزة للتعامل مع الصدمة الناتجة عن ذلك.

ونجحت ليبيا في العام الحالي في رفع إنتاجها النفطي إلى نحو مليون برميل يوميًا، لكن الإنتاج يقل بكثير عن مستويات ما قبل انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بمعمر القذافي.

وتستخدم معظم إيرادات النفط، التي تشكل عادة نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي، لدفع الرواتب بما في ذلك رواتب الفصائل المسلحة التي أضيفت للكشوف الحكومية لدورها في الانتفاضة، وتشمل مخصصات الدعم ما يتجاوز أربعة مليارات دولار سنويًا لدعم الوقود، وهو من أعلى معدلات الدعم في العالم.

وقال حسني بي رئيس مجموعة حسني بي، إحدى أكبر شركات القطاع الخاص في ليبيا، إن العلاوات على سعر الصرف الرسمي والوقود المدعم حولت ليبيا إلى ”جنة تمويل عبر الحدود للمجرمين والإرهابيين“.

وأضاف ”عدم الاستقرار في ليبيا اليوم معظمه إجرامي الطابع بسبب غياب سعر صرف متوازن للدينار الليبي كما ينبغي تغيير الدعم من السلع إلى مساهمات نقدية مباشرة“.

وأنفقت ليبيا في العام الماضي نحو 26 مليار دولار، لكنها حققت ستة مليارات دولار فقط.

وقال مارك جريفيث رئيس بعثة صندوق النقد الدولي لدى ليبيا ”هذا العام نتوقع زيادة الإيرادات إلى نحو 14 مليار دولار، لكن من المرجح أن يكون الإنفاق أكثر من مثلي ذلك (…) هذا لا يمكن أن يستمر“.

وأفاد تقرير لوزارة المالية، بأن الحكومية تسعى لخفض فاتورة رواتب القطاع العام بمقدار خمسة مليارات دينار سنويا، والتصدي للمخالفات عن طريق تسريح نحو 100 ألف شخص كانوا يحصلون على عدة رواتب.

واعتاد الليبيون على وفرة الوظائف الحكومية، وإعانات الدولة إذ سعى القذافي لشراء ولاء أفراد الشعب، وكان العمال المهاجرون يقومون بالأعمال اليدوية، والآن حل محلهم البسطاء من الليبيين.

وقال سلمان راشد، وهو موظف قطاع عام، ”منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016 لم أستلم من راتبي 500 دينار ليبي إلا ثلاثة أشهر ومرتين 250 دينارا. وهذا لا يكفي للاحتياجات اليومية“.

وأضاف ”الآن أنا أعمل في أعمال البناء وصيانة المباني“.

وسحب أصحاب الأعمال ودائعهم من البنوك؛ خوفًا من أن يسرب الموظفون معلومات عنهم لخاطفين، بينما فضل آخرون الاحتفاظ بالأموال في المنزل.

وفي متجر آخر بالمدينة القديمة قالت امرأة تدعى كريمة، كانت تبدل 500 يورو ”أحتاج الذهاب إلى تونس لإجراء عملية وأنا أبيع مدخراتي من العملة الصعبة، الوقت صعب جدًا الآن“.

وقال صاحب متجر يدعى صلاح الدين زرتي (52 عامًا) إن ما يصل إلى عشرة أشخاص يأتون يوميًا لبيع حليهم.

وأضاف ”في البداية كان الوضع كل يوم، ولكن أعتقد أن الناس بدأوا في استنفاد مجوهراتهم“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com