”التطبير“ لدى الشيعة في عاشوراء.. آراء متباينة لدى المراجع – إرم نيوز‬‎

”التطبير“ لدى الشيعة في عاشوراء.. آراء متباينة لدى المراجع

”التطبير“ لدى الشيعة في عاشوراء.. آراء متباينة لدى المراجع

المصدر: إرم نيوز

تتوشح جموع الشيعة في المواكب الحسينية في ليلة العاشر من شهر محرم، وقبل ساعات من صبيحة ذكرى مقتل الإمام الحسين في واقعة كربلاء الشهيرة سنة 61 هجرية، باللباس الأبيض إيذانًا بالبدء في ”التطبير“.

وما إن يبدأ قارئ المقتل الحُسيني باسترجاع مشهد واقعة ”الطف“ أو معركة ”كربلاء“ كما يطلق عليها الشيعة، يبدأ الرجال شبابًا وشيبًا وحتى الأطفال، في قرع الطبول بضرب الرؤوس باستخدام آلة حادَّة كالسيف أو أي أداة حادة تُسيل الدماء، من أجل استشعار آلام الحسين بن عليّ وأهل بيته.

و“التطبير“ أو ”الإدماء“، هو شعيرة دينية عند المسلمين الشيعة الإثنى عشرية ضمن الشعائر المسماة بالشعائر الحسينية، التي تقام من أجل استذكار معركة كربلاء والقتلى الذين قتلوا في هذه المعركة، كالإمام الحسين بن علي وأخيه العباس.

وتستخدم في ”التطبير“ سيوف وقامات أو أي أدوات حادة أخرى، فيضرب المطبرون رؤوسهم بهذه الأدوات لإحداث جرح لإسالة الدماء من الرأس، ويردد المطبرون أثناء التطبير كلمة حيدر التي تشير إلى الإمام علي بن أبي طالب الذي توفي بضربة سيف وجهها إليه عبد الرحمن بن ملجم في صلاته.

 وتخرج مواكب ”التطبير“ عند الشيعة في ذكرى ”عاشوراء“ و“الأربعين“، وأحياناً في ذكرى ليلة وفاة علي بن أبي طالب، وليلة ذكرى وفاة فاطمة الزهراء.

رواية وخلاف

ويستند الشيعة في تطبيق هذه الشعيرة إلى الرواية عن السيدة زينب بنت الإمام علي رضي الله عنه، عندما رأت رأس أخيها الحسين مقطوعًا وتسحق ضلوع صدره وعظام جسده حوافر خيول الأعوجية التي قاد فرسانها حاكم الكوفة عبيد الله ابن زياد، ضربت رأسها بمقدم محمل الناقة التي كانت عليها فسال الدمُ من جبهتها.

هذه الرواية بالرغم من عدم وجود مقابل لها في كتب أهل السنة المعتمدة، بقيت محل خلاف بين علماء الشيعة أنفسهم حين رواها محمد باقر المجلسي في كتابه ”بحار الأنوار“، الذي يشكك في قوة أحاديثه علماء شيعة معاصرون مثل أحمد الكاتب وغيره.

والحقيقة غير المُعلنة، أن العديد من كبار علماء الشيعة والمراجع الدينية الشيعية، يقفونَ ضدّ هذه الممارسة تحديدًا، إلا أن مواقفهم إما أن تغفل أو يتم تجاهلها عمداً.

ومن بين هذه المواقف الرافضة لـ“التطبير“، رأي السيد محمد الأمين العاملي في رسالته الشهيرة ”التنزيه في تنقية الشعائر الحسينية“، كذلك ينقل عن الإمام الخميني منعه لـ“التطبير“، لكنّ البعض يرى أنَّه منعها فقط في ظروفٍ معيَّنة لعدم مواءمتها لممارسة هذه الشعيرة.

والعديد من علماء ومراجع الشيعة المعاصرين، يحرِّمونها بينما يفضل البعض منهم السكوت ومحاولة التزام الحياد.

إهانة للدين

في هذا الشأن،  يذهب المرجع الشيعي، الشيخ محمد اليعقوبي، إلى الإشارة لشعيرة ”التطبير“، بأنه لا يجوز في الشريعة القيام بكل عمل غيرمعقول أو فيه ضرر على النفس، ‏أو يوجب إهانة للدين ‏ولمدرسة أهل البيت“، بحسب وصفه.

ويقول رداً على سؤال حول ”التطبير“ في عاشوراء، ”لقد ورثنا عن أئمتنا المعصومين طرقاً لإحياء الشعائر الحسينية وتجديد ذكرى عاشوراء، بإقامة مجالس العزاء ونظم الشعر الواعي في رثائهم، واللطم على الصدور وليس منها التطبير وأمثاله، كضرب الظهور بالآلات الحادة والمشي على النار ونحوها، فإنها تسربت إلينا من أمم أخرى“.

ويوافق ما ذهب إليه المرجع اليعقوبي آية الله السيد محسن الحكيم، الذي يرى أن ”التطبير ليس فقط مجرد ممارسات، هي ليست من الدين وليست من الأمور المستحبة، بل هذه الممارسات أيضا مضرة بالمسلمين وفي فهم الإسلام الأصيل وفي فهم أهل البيت عليهم السلام“.

 وقال أيضاً ”لم أرَ أيًا من العلماء عندما راجعت النصوص والفتاوى، يقول بأن هذا العمل مستحب، يمكن أن تتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، وأن التطبير هي غصة في حلقومنا“.

ويتماهى موقف المرجع الشيعي آية الله السيد أبو القاسم الخوئي، مع موقف سابقيه من ”التطبير“، فيؤكد في رده على سؤال حول إدماء الرأس وما شاكله ”لم يرد نص بشرعيته فلا طريق إلى الحكم باستحبابه“، وذلك ضمن المسائل الشرعية“.

خرافات

وقد يكون موقف الرفض للمراجع الشيعية الثلاث من ”التطبير“ هينا، إذا ما قورن بموقف مراجع شيعة كبار آخرين، أمثال كاظم الحائري وحسين فضل الله ومحمد باقر الصدر.

ويصف آية الله كاظم الحائري، المرجع الشيعي المقيم في إيران، ”التطبير“ بأنه ”من أعظم الذنوب والمحرمات والخرافات التي يوصم بها الإسلام والتشيع“.

ومن أبرز معارضي ”التطبير“ في عاشوراء، المرجع المُجدد محمد حسين فضل الله، الذي قال في كتابه ”إحكام الشريعة“، إن ”ضرب الرأس بالسيف أو جرح الجسد أو حرقه حزنًا على الإمام الحسين، فإنه يحرم إيقاع النفس في أمثال ذلك الضرر حتى لو صار مألوفًا أو مغلفًا ببعض التقاليد الدينية، التي لم يأمر بها الشرع ولم يرغب بها“.

ويذهب المرجع محمد باقر الصدر وهو من أعلام مراجع الشيعة الكبار ومؤسس  حزب ”الدعوة“، إلى أن ”إيذاء الذات من الأمور التي يقوم بها عامة الناس وجهالهم، وأن العلماء دائبون على منعه وتحريمه“، بحسب ما ورد في سؤال وجه إليه في مسائل إحياء شعائر عاشوراء.

موفق محايد

فيما يتخذ المرجع الشيعي الأعلى بالعراق السيد علي السيستاني، موقف الحياد من ”التطبير“ في أيام عاشوراء، ويستند في ذلك على ”وقف الحكم“ وعدم القول بحرمته أو جوازه، كما أنه لم يحدث أن أجاب على سؤال متعلق بالظاهرة من قبل بالنفي أو القبول.

بالمقابل، يعتبر المرجع صادق الشيرازي، أن ”اللطم والزنجيل من الأمور المستحبة في الدين“، وقال في ذلك ”لقد لطمت الفاطميات على الإمام ولبسن السواد“.

 فيما يرى ”التطبير“ بأنه ”مستحب ويرتفع إلى مرتبة مستحب مؤكد“، وأن ”التطبير إظهار للمظلومية التي تجذب القلوب نحو المظلوم وتنفرها من الظالم، وهو نوع من مواساة لمظلومية الإمام الحسين“.

جاء ذلك بحسب مجموعة أسئلة وجهت له حول الشعائر الحسينية، التي من ضمنها السير بالمواكب، واستخدام الطبول في المسير.

وعلى الرغم من تباين آراء المراجع الشيعية الكبار من ”التطبير“ في أيام عاشوراء، إلا أن غالبيتهم اعتبروها من الممارسات التي تؤذي النفس والبدن، وتسيء إلى قضية الحُسين وقصة تضحيته من أجل الحرية والإصلاح ورفع الظلم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com