اللاشعور.. قارة هائلة ومجهولة في دواخلنا

اللاشعور.. قارة هائلة ومجهولة في دواخلنا

يمثل اللاشعور، وهو مفهوم أساسي في علم النفس والتحليل النفسي، قوّة كامنة في داخل كل واحد منا، والتي تشير إلى ما يفلت من وعينا، ولكنها مع ذلك تتجلى في أشكال مختلفة. كيف تؤثر علينا؟ هل يمكننا الوصول إليها؟ هذا ما يجيبنا عليه في هذا التقرير المحلل النفسي سافيريو توماسيلا Saverio Tomasella.

ما هو اللاشعور؟

إذا كنا منتبهين سنلاحظ أننا لا نقضي يومًا واحدًا دون أن نتفاجأ بذكرى، أو فكرة، أو انفعال، أو حدس، أو انطباع، والتي تأتي بشكل غير متوقع، ولديها قوة غريبة لإرباكنا، أو تشجيعنا، أو مساءلة أنفسنا.

وبالمثل، في كثير من الأحيان يظل المعنى الأعمق لدوافعنا الحقيقية غير معروف لنا. وهذا يقودنا إلى إدراك وجود "اللاوعي"، الذي يؤثر علينا دون علمنا، ويحدّدنا على الرغم من أنفسنا.

اللاشعور نتاجُ ما تم رفضه وكبته من قبل الشعور، بعد صراع داخلي بين تطلعاتنا الواعية وبين بعض الأفكار الأخلاقية أو الدينية أو المجتمعية التي تعارض الوعي
اللاشعور.. قارة هائلة ومجهولة في دواخلنا
صحوة الذات لإدراك العوائق وتجاوزها

تشير كلمة اللاشعور إلى ما هو غير واعٍ، وما يفلت من الوعي. بطريقة ما يمكن تعريفه بأنه مجموعة من المفاجآت والذهول والاضطرابات في النشاط الواعي، كل تلك الأحداث الصغيرة التي تفلت من التنبؤ والسيطرة والإرادة.

من ناحية، يرتبط اللاشعور ارتباطًا وثيقًا بذاكرتنا العميقة، التي تُخفي الذكريات المنسية، وتبقى متاحة في أعماقنا دون وعي منا.

ومن ناحية أخرى، فإن اللاشعور نتاجُ ما تم رفضه وكبته من قبل الشعور، بعد صراع داخلي بين تطلعاتنا الواعية وبين بعض الأفكار الأخلاقية أو الدينية أو المجتمعية التي تعارض الوعي، أو لأن التجربة كانت مزعجة للغاية، أو مؤلمة.

بالمقابل، كيف نعرّف الشعور؟

يعرَّف الوعي، حسب سيغموند فرويد بأنه "ما يمكن إدراكه بوضوح". إنه مرتبط ارتباطًا مباشرًا باهتمامنا: فكلما كنتَ منتبهًا زاد وعيك وتطوّر وعينا مع قدرتنا على التمييز، وهذا يعني وضوحنا واستبصارنا.

ومع ذلك، وفقًا للعديد من الباحثين النفسانيين فإنّ ما ندركه يمثل حوالي 5 ٪ فقط من حياتنا النفسية! أمّا الـ 95٪ المتبقية فهي تتعلق بالقارة الهائلة المجهولة للاشعورنا.

كيف الوصول إلى اللاوعي؟

يتم الوصول إلى هذه القارة، وفقًا للتقريرالذي نشره موقع femininbio من خلال وسائل متنوّعة للغاية، منها على سبيل المثال من خلال الأنشطة الفنية التي تمنح للارتجال مكانَ الصدارة، كالمسرح، والموسيقى، والرقص، والرسم، والفن التشكيلي، والنحت، إلخ.

الشخص الذي يرتجل يتيح لنفسه بشكل عفوي أن يستلهم ما يحدث بداخله في نفس اللحظة التي يبتكرها، وبالتالي يقبل ويستوعب "غير المعروف بعد" في نفسه والذي ينبع من أعماقه.

الممارسات الأخرى مواتية أيضًا لظهور أجزاء من اللاشعور، مثل  السفرولوجيا (تقنيات الاسترخاء)، والتنويم المغناطيسي، والتخيل، وأحلام اليقظة، والتأمل، والنشوة الشامانية، والطبول، إلخ. بقدر ممارسة المشي في الطبيعة أو البستنة.

هل اللاشعور صديقنا أم عدوّنا؟

في البداية يمكننا أن نعتبر أنّ اللاشعور ليس خصمًا، بل كغريب عنا أو كمرافق طريق غريب. يثير اكتشاف اللاشعور في حدوث انقطاع في الكيفية التي ننظر بها إلى أنفسنا، نصبح غرباء عن أنفسنا. ذكاؤنا ووعينا وإرادتنا لا تضمن لنا السيطرة على حياتنا الداخلية.

عند استكشاف اللاشعور يكتشف كل واحد منا، بعد أن يهتز يقينه أنه "ليس سيدًا في منزله"، كما كتب فرويد في عام 1917 الذي جعل اللاشعور المفهوم المركزي في علم التحليل النفسي.

الظواهر التي تنشط أثناء الأحلام موجودة أيضًا في حياة اليقظة، لأنّ اللاشعور يتجلى بشكل غير متوقع من خلال الهفوات والغفلة والسهو وأفعال أخرى فاشلة
اللاشعور.. قارة هائلة ومجهولة في دواخلنا
الاجتناب المعرفي.. ما الذي تهرب منه؟

في هذا المسار نكتشف أنّ لاشعورنا صديق حقًا، لأنه خزّان إلهامٍ هائل للإبداع بجميع أشكاله، خاصة الإبداع الفني.

لذلك لا يجب "تفسير" اللاشعور، بل يجب اكتشافه واستكشافه فقط. فهو بمثابة توليفة موسيقية غير معروفة بعدُ إلى أن يقوم موسيقيّ بفك شيفرتها وقراءتها وعزفها بطريقة شخصية.

اللاشعور.. كيف يكشف رسائله

اللاشعور ليس مجرد مكان غامض وبعيد. إنه أيضًا وقبل كل شيء قوة نفسية نشطة. إنه ديناميكية. لا يمكن الوصول إلى اللاشعور بالإرادة والعقل، ولا يمكنه التعبير عن نفسه بشكل مباشر. لذلك فهو يستعير طرقًا - أصواتًا – ملتوية غير مباشرة حتى يكشف عن نفسه، مثيرًا فينا شعورًا بالغرابة.

يتجلى اللاشعور بشكل غير مباشر، من خلال الأحلام، واللغة، والأفعال الفاشلة الغريبة، والأخطاء الفادحة، والإغفالات، والأخطاء، والنكات، والرغبات، وما إلى ذلك. على الرغم من أنّ هذه الظواهر تبدو غير متماسكة وليس لها معنى في الظاهر إلا أنها محدَّدة بمنطق أساسي وتحمل معنى خفيًا.

يضع فرويد مبدأ بسيطًا جدًا يُسميه "القاعدة الأساسية": المريض مدعوّ لقول كل ما يَعْبُر ذهنه (الأحاسيس، الانفعالات، الصور، الأفكار، الذكريات، إلخ)، أي كل ما يشعر به ويفكر فيه، من دون رقابة ذاتية أو إصدار أحكام.

المبدأ هو أن تقول كل شيء، حتى الأكثر إحراجًا، والأكثر تناقضًا، والأكثر إثارة للدهشة. وهذا يسمّى في التحليل النفسي تداعي الأفكار الحرة.

الظواهر التي تنشط أثناء الأحلام موجودة أيضًا في حياة اليقظة، لأنّ اللاشعور يتجلى بشكل غير متوقع من خلال الهفوات والغفلة والسهو وأفعال أخرى فاشلة.

يسمّي فرويد "الفعل الفاشل" (الزلة، الهفوة، إلخ..) LAPSUS تصرفًا مفاجئًا لا يتماشى مع القرار الواعي الذي يبدو أنه يبرره للوهلة الأولى. يكشف هذا الفعل عن نيّة غير واعية: "فاشلة" في الظاهر، لكنها في الواقع "ناجحة" بالنسبة إلى اللاشعور.

أخيرًا، اللغة والفكاهة طريقة ملتوية للتعبير عن الأفكار المكبوتة. إنّ النكتة أقوى من حيث إنها تكشف المعاني اللاواعية مع التظاهر بإخفائها.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com