لماذا نملك فصائل دم مختلفة؟

لماذا نملك فصائل دم مختلفة؟

المصدر: حنين الوعري – إرم نيوز

كل منا ينتمي لفصيلة دم مختلفة، لكن ربما لم نتساءل يوماً عن سبب ذلك. إلا أنه حتى اللحظة وبعد مرور قرن على اكتشاف فصائل الدم، لا يزال الهدف من وجودها مجهولاً.

في عام 1900، اكتشف الطبيب النمساوي كارل لاندستينر فصائل الدم، وفاز في عام 1930 نتيجة  اكتشافه بجائزة نوبل في الطب.  ومنذ ذلك الوقت قام العلماء بتطوير أدوات أكثر فاعلية في دراسة فصائل الدم من الناحية البيولوجية. وتوصلوا إلى العديد من الاكتشافات المثيرة للاهتمام حولهم – من تتبع الأنواع خلال الأسلاف القدامى من البشر إلى محاولة ربط أثرهم على الصحة- لكن بالرغم من جميع المكتشفات لا يزال الغموض يلف سبب وجود الفصائل المختلفة. ولا يزال يقع على عاتق العلماء اكتشاف السبب الحقيقي لتنوعهم.

يقول عالم أحياء من جامعة كاليفورنيا“ سان دياغو“ معلقاً : ”أليس الأمر مثيراً للاهتمام، فحتى بعد مرور  100 عام تقريبا على منح جائزة نوبل لهذا الاكتشاف، لا زلنا نجهل المغزى من وجودها“.

أولى التجارب المثيرة للتساؤلات:

استرسل أطباء عصر النهضة حول ما قد يحدث إن أدخلوا الدماء إلى عروق مرضاهم. اعتقد البعض أن ذلك قد يكون حلاً لجميع أنواع الأمراض والاعتلالات حتى الجنون.

وأخيراً في الستينيات من القرن الماضي، قام طبيب فرنسي بحقن دماء عجل في عروق رجل مجنون، وتبع ذلك أن بدأ الرجل بالتعرق والاستفراغ وأصبح لون بوله كلون الرماد الأسود. وفارق الرجل الحياة بعد نقل الدم له في المرة الثانية.

 أدت وقائع شبيهة بالواقعة المذكورة سابقاً إلى لصق ”سمعة سيئة“بعمليات نقل الدم استمرت لمدة 150 سنة. ولم يجرؤ سوى عدد قليل من الأطباء على القيام بمثل هذه العمليات حتى في القرن التاسع عشر. كان أحدهم طبيب بريطاني اسمه جايمز بلانديل الذي كان شاهداً على وفاة العديد من النساء في زمانه بسبب النزف بعد الولادة ولم يرضَ بأن يقف مكتوف الأيدي أمام الواقع.

أصبح بلانديل مقتنعاً أن المصائب السابقة التي وقعت إثر عمليات نقل الدم كانت نتيجة خطأ أساسي واحد: ”نقل دم فاسد“ بحسب ما وصفه بلانديل. فأشار إلى أن المرضى من البشر يجب ألا تنقل لهم دماء من مصادر غير آدمية. لكن لم يجرؤ أحد من قبل على القيام بمثل هذه العملية.

فأصر بلاندويل على تصميم نظام من الأقماع والحقن والأنابيب التي يمكن استخدامها لنقل الدم.

أجرى بلانديل عدة تجارب لنقل الدم من البشر للبشر، لكن من بين عشر عمليات نقل دم، لم يبق سوى 4 منهم على قيد الحياة.

كان بلانديل محقاً في اعتقاده أنه يجب ألا ينقل للبشر سوى دماء آدمية. لكنه لم يكن يعلم الحقيقة بالغة الأهمية: أن البشر يجب ألا يحصلوا على دماء سوى من أشخاص محددين. ويرجح أن يكون جهل بلانديل بهذه الحقيقة البسيطة هو سبب لوفاة بعض مرضاه.

عملية بسيطة تحل لغز تخثر الدم إثر نقل الدم:

وكان مما جعل وفاة المرضى مأساويا بشكل أكبر هو اكتشاف فصائل الدم بعد عقود قليلة نتيجة لعملية بسيطة جداً.

فكان أول الأدلة المفسرة لفشل عمليات نقل الدم التي أجريت في التسعينيات هو ”تكتل الدم“. فعندما قام علماء في أواخر القرن الثامن عشر بخلط الدماء من أشخاص مختلفين في أنابيب اختبار، لاحظوا في بعض الأحيان التصاق خلايا الدم ببعضها. لكن لأن الدماء المستخدمة في الاختبارات أخذت من متبرعين مرضى، فسّر العلماء التكتل كنوع من الاستجابة المرضية للممرضات المصيبة للمرضى غير جديرة بالاستكشاف. لم يحاول أحد من قبل خلط دماء أشخاص سليمين من الأمراض إلى أن تساءل كارل لاندستينر حول ما قد يحدث. فاكتشف  على الفور أن خلط الدماء من الأصحاء ينتج عنه تكتل أيضاً.

نشر لاندستينر تجربته في ورقة بحثية موجزة عام 1990. وكتب فيها ”تجدر الإشارة إلى ان الملاحظات المسجلة قد تساعد في شرح المضاعفات العديدة التي تصاحب عمليات نقل الدم“.

لا يزال اختبار تكتل الدم البسيط الذي صممه مستخدماً إلى اليوم في بنوك الدم للحصول على نتائج مضمونة سريعاً.

فنتيجة أبحاث لاندستينر أصبح من المعروف بيولوجياً أن الجهاز المناعي لكل انسان يتأقلم مع فصيلة الدم الخاصة به. فإذا نقل دم من نوع مختلف عن فصيلة دم المريض عندها يرد الجهاز المناعي باستجابة مناعية شرسة وكأن الدم المنقول هو كائن متطفل. إلا أن الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هي فصيلة الدم من نوع ”أو / O“.

افتراضات حول أصل فصائل الدم والحمية الغذائية المناسبة لكل نوع:

لكن لاندستينر أجاب عن سؤال واحد قديم، وفتح الباب أمام السؤال الأهم… وهو: لماذا توجد فصائل دم مختلفة؟ ولماذا تختلف خلايا الدم الحمراء في تراكيبها الجزيئية المحددة لنوع فصيلة الدم؟ ولماذا يملك الأشخاص فصائل وتراكيب جزيئية مختلفة؟

في عام 1996، نشر خبير بالطب البديل اسمه بيتر دي-أدامو كتاباً عنوانه ”تناول الطعام المناسب لفصيلة دمك“. فقال أن على الإنسان تناول طعاماً يناسب فصيلة دمه من أجل التوافق مع تراث تطورنا البيولوجي. فعلى حد زعمه يقول “ ظهرت فصائل الدم في مراحل مفصلية من تكوّن الإنسان، أشار إلى أن فصيلة الدم من نوع O انحدرت من أسلافنا في أفريقيا، بينما ظهرت فصيلة الدم من نوع A عند أسلافنا الذين أمتهنوا الزراعة، أما فصيلة B فقد تكوّنت قبل 10-15 ألف سنة في مرتفعات جبال الهيمالايا. ثم أوضح أن النوع AB هو هجين عن النوعين A و B.

ومن افتراضاته هذه، ادعى دي أدامو أن فصيلة الدم تحدد طبيعة الطعام الذي يتوجب علينا تناوله بناءً على الأصل الذي أنحدر منه نوع الدم. فقال إن الأشخاص من فصيلة الدم A  عليهم أن يكونوا نباتيين، وفصيلة O يجب أن تتناول طعاماً غنياً باللحوم وتجنب تناول الحبوب ومنتجات الألبان. ووفقاً لادعاءاته تحتوي الأطعمة غير المتناسبة مع فصيلة الدم على مولدات الضد قد تسبب الأمراض. دي أمادو أوصى باتباع نظامه الغذائي كوسيلة لمحاربة الالتهابات وفقدان الوزن ومكافحة السرطان وإبطاء الشيخوخة.

إلا أنه بعد مرور 18 عاماً على إجراء دي أدومو لتجاربه لم ينشر بحثه للآن. وتشير ايمي دي باك من منظمة الصليب الأحمر في بلجيكا “ بعدم وجود أدلة مباشرة تدعم التأثيرات الصحية الإيجابية المزعومة لاتباع النظام الغذائي المخصص لفصيلة الدم“.

إلا أن الغموض حول لغز فصائل الدم بدأ بالتلاشي في التسعينيات من القرن الماضي مع قيام العلماء باكتشاف التفسير الجزيئي المفسر لسبب وجود فصائل الدم.

تفسير وجود فصائل الدم المختلفة جزيئيا:

اكتشفوا وجود جين وحيد اسمه ABO ”أي بي أو “ مسؤول عن تحديد نوع فصيلة الدم. فتختلف فصيلة الدم A  عن الفصيلة B  بعدد قليل من الطفرات الجينية. بينما يحتوي جين ABO في فصيلة الدم O على عدد من الطفرات تمنعه من صنع الإنزيمات المؤولة عن صنع مولد الضد من نوع A  أو B.

إلا أن العلماء لا يزالون محتارين أمام فهم فائدة جين ABO.  فيقول أنتوين بلانشر من جامعة تلوييس “ لا يوجد تفسير قاطع وجيد لفائدة جين ABO، رغم تقديم العديد من التفسيرات له“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة