ما أسباب الاضطرابات التي يعيشها القطاع الصحي في المغرب؟

ما أسباب الاضطرابات التي يعيشها القطاع الصحي في المغرب؟

المصدر: أمينة بنيفو - إرم نيوز

يعيش القطاع الصحي العمومي في المغرب خلال السنتين الأخيرتين الكثير من المشاكل، تعكسها الإضرابات المتوالية للأطباء والممرضين وحتى طلبة كلية الطب والصيدلة، مما يزيد من معاناة المواطن المريض الذي لا يتوافر على إمكانيات مادية للبحث عن العلاج في القطاع الخاص.

الأطباء يقدمون استقالات جماعية

منذ السنة الماضية وأطباء القطاع العمومي في المغرب يقومون بإضرابات متوالية، وحتى تاريخ اليوم 30 نيسان / أبريل 2019 ، تعاني المستشفيات من غياب أطرها الطبية التي أعلنت عن إضراب لمدة أسبوع ابتداء من يوم الاثنين 28 نيسان / أبريل ، كما قام الأطباء بتنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة الصحة ومقر البرلمان.

والأكثر خطورة، تقديم الأطباء لاستقالات جماعية تجاوزت الألف، إلا أن وزارة الصحة ترفضها بحجة المصلحة العامة لنقص في الأطر، ولا تعترف بها قانونيًا لأنها يجب أن تقدم بشكل فردي للوزير وليس للمصالح الجهوية.

وعلى عكسها أقرت المحكمة الإدارية بصحة تلك الاستقالات، لأن أغلب الأطباء أنهوا مدة عقدهم مع الحكومة للخدمة في القطاع العمومي، وتجاوزوا 8 سنوات من العمل في المستشفيات العمومية.

وأبرز دوافع الأطباء المغاربة للاحتجاج ، بحسب البلاغات التي تصدرها النقابة المستقلة لأطباء القطاع العام، تحميل الحكومة المسؤولية في ”الأوضاع الكارثية التي يعرفها قطاع الصحة، والتي لا تستجيب للشروط العلمية المعمول بها دوليًا، كما أنها لا ترقى لطموحات وتطلعات المواطنين وحقهم في العلاج الذي يكفله الدستور، مما لا يوفر حتى للطبيب ظروف العمل الملائمة“ .

وسبق للكاتب العام للنقابة المنتظر العلوي، أن قال خلال تصريح لموقع ”هسبريس“، إن ”الملف المطلبي لأطباء القطاع العام مطروح منذ 20 سنة، ولم يتحرك صوب الاتجاه الإيجابي“، متهمًا الحكومة بتجاهل مطالب الأطباء الخاصة بحقوقهم المادية والإدارية.

الممرضون يعانون من ضغط في الشغل وضعف في العويضات

الممرضون بدورهم يعانون من أجواء العمل غير المريحة ، كما أن لهم مطالب مادية و إدارية، خاصة أنهم يؤدون أغلب الخدمات الطبية والأكثر اتصالًا مع الأمراض، مما دفعهم بدورهم للإضراب والاحتجاج المتكرر.

وجاء في بلاغ لحركة الممرضين وتقنيي الصحة في المغرب العام 2018 :“وزير الصحة الحالي يجيد أسلوب سلفه من حيث المراوغة والتسويف وتغليط الرأي العام، وهي أساليب تساهم بشكل أو بآخر بتأجيج الوضع الاجتماعي، زد على ذلك قراراته الاستفزازية في حق الأطر التمريضية وما مباراة التوظيف الأخيرة إلا خير دليل، حيث تم إقصاء بعض الشعب التمريضية و تخصيص مناصب مالية غير كافية لامتصاص أزيد من 9000 خريج  أُضيفت لطوابير البطالة  لعدة سنوات، هذا في وقت يصنف قطاع الصحة المغربي ضمن البلدان التي تعرف نقصا حادًا في الأطر التمريضية بحسب منظمة الصحة العالمية (OMS)، فيما تعترف وزارة الصحة بحاجتها لـ  10000 ممرض“.

طلبة الطب المتفوقون يحتجون على منح امتيازات  لطلبة القطاع الخاص

وحتى طلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة بدورهم، غير راضين لا عن واقعهم الدراسي، ولا عن الذي ينتظرهم بعد التخرج، فقد عرفت كليات الطب في المغرب إضرابات منذ 22 آذار/مارس المنصرم، بل إن هناك دعوات لمقاطعة الامتحانات مما يهدد بسنة دراسية بيضاء.

وأهم الأمور التي تثير قلق الطلبة، توجه وزارة الصحة إلى خصخصة دراسة الطب بالترخيص لكليات طب جديدة، ومنح امتيازات لخريجيها، وكذلك إنشاء الحكومة لكليات عمومية دون توفير البنية التحتية اللازمة لها، كمراكز التكوين والتدريب، والمراكز الاستشفائية الجامعية، كما يحتجون على الاستغلال المتكرر لطلبة السنة النهائية، في سد النقص في المستشفيات.

المريض المتضرر الأول من أزمة الصحة في المغرب

المتضرر الأول من أزمة الصحة في المغرب هو المريض ، وقد عبر مواطنون مغاربة عن استيائهم من الخدمات المقدمة في المستشفيات العمومية ، لكنها بقيت احتجاجات محصورة في وقفات أمام بعض المستشفيات في مختلف المدن ، ولم ترقَ إلى مستوى حركة احتجاجية وطنية، غالبًا لضعف التأطير والوضع المادي الضعيف للمحتجين.

ومن أهم المشاكل التي يصطدم بها المريض عند لجوئه إلى المستشفيات العمومية في المغرب، الاكتظاظ الشديد، وتأخر مواعيد الكشف، بسبب قلة الأطر الطبية،  كما تعاني بعض المستشفيات نقصًا في المختبرات، مما يدفع المريض إلى أجراء التحاليل الطبية لدى مختبرات خاصة بمبالغ كبيرة.

التغطية الصحية والمريض المعوز

يعد موضوع التغطية الصحية من الموضوعات الملحة ، حيث لا يتوافر عدد كبير من المغاربة على تغطية صحية، باستثناء الموظفين الحكوميين وجزء من العاملين في القطاع الخاص، بينما أغلب أصحاب المهن الحرة والحِرف، وما يسمى بـ ”البطالة المقنعة“ ، لا يتوافرون على أية تغطية صحية.

وكان الفقراء منهم مضطرون للحصول على وثيقة تسمى ”شهادة الاحتياج“ للاستفادة  -إلى حدٍ ما- من الخدمات الصحية العمومية، إلى أن بدأ العام 2012 العمل بنظام ”راميد“، وهو نظام المساعدة الطبية الموجهة للطبقات المعوزة، وتمنح بموجبه بطاقات تحدد مدة الاستفادة منها خلال 3 سنوات، وتخول لأشخاص يتم اختيارهم بناءً على معايير محددة ، الحق في الاستفادة من تحمل مصاريف الخدمات اللازمة طبيًا .

إلا أنه بعد مرور حوالي 7 سنوات على تطبيقه، ظهرت فيه الكثير من العيوب الإجرائية ، التي تجعله غير كافٍ لتقديم خدمة صحية للمواطن الفقير، كتأخير الحصول على البطاقة، وضرورة التوافر على ”ورقة تنقيل“ من المستشفى المجاور للجوء إلى مستشفى كبير.

وخلال تصريح سابق له للصحافة المحلية، أوضح خليل رفيق مسؤول لجنة الإعلام والتواصل بحركة الممرضين وتقنيي الصحة أنَّ ”ما يفاقم معاناة المرضى أنَّ إخراج نظام المساعدة الطبيبة لم تواكبه حمْلة للتعريف به“.

وأضاف:“ثمّة إشكاليّة أخرى تواجه المرضى المستفيدين من نظام المساعدة الطبية، وهي عدم توافر المستشفيات العمومية على عدد من الأدوية والمستلزمات الطبية باهظة الثمن، كالأدوات المستعملة في جراحة العظام، والتي يتراوح سعرها ما بين 10 إلى 20 ألف درهم(بين ألف و ألفي دولار) ، وكذلك الأدوية، ومنها الإبر المستعملة لمنع تخثر الدم، والتي تُوصف للمرضى بعد إجراء العمليات الجراحية على القلب أو العظام، ويصل سعر الواحدة منها إلى 100 درهم (10 دولارات) ، وتتطلب المواظبة على استعمالها، يوميًا، لمدة شهر كامل“.

المنظومة الصحية في المغرب بحاجة إلى إعادة نظر

وذكرت الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، في تقريرها السنوي الأخير، إن المنظومة الصحية  في المغرب،“تعيش  أزمة خانقة  على مختلف المستويات المؤسساتية،  والمالية، والتنظيمية، والبشرية، والتدبيرية، وسوء الحكامة“، وتواجه تحديات كبيرة ”تعرقل التقدم صوب التغطية الصحية الشاملة وتحقيق العدالة الصحية“.

وأوضحت الشبكة أن القطاع الصحي“ بحاجة إلى ثورة حقيقة ومراجعة جدرية، ويتطلب إقامة نظام صحي وطني عادل وجيد،  وبإدارة حديثة، وحكامة جيدة، وموارد مالية ولوجيستيكية، وعدد كافٍ من الكفاءات المهنية  الطبية والتمريضية والتقنية.

كما أنه ”بحاجة إلى إستراتيجية فعالة وناجعة للحد  من التدهور الصحي، وانتشار الأمراض، وتوسيع الفوارق والتفاوتات المؤدية إلى حرمان ملايين  المواطنين من حقهم الدستوري والإنساني في ولوج العلاج والأدوية“.

ودعت الشبكة، إلى تأسيس مجلس أعلى للصحة، بهدف رسم السياسة العامة للقطاع الصحي،  وتسريع وتيرة تحقيق التغطية الصحية الشاملة، ووضع  رؤية وإستراتيجيات وخريطة الطريق في إطار التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة