الإيدز بجنوب السودان.. قنبلة موقوتة أشعلها صراع سياسي‎

الإيدز بجنوب السودان.. قنبلة موقوتة أشعلها صراع سياسي‎

جوبا- بات فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) في جنوب السودان قنبلة موقوته تقترب يوما بعد الآخر من لحظة الانفجار بعدما أشعل الصراع السياسي الراهن في البلاد فتيلها، ملقيا مزيدا من المعاناة على أكثر من 150 ألف مصاب بالفيروس، يعانون، أصلا، عوزا طبيا.

وبينما خرج هذا البلد الوليد لتوه من رحم صراع مسلح طويل أدى إلى انفصاله عن شماله في 2011، دخل في صراع مسلح جديد بين قياداته من رفقاء الأمس ليضيف ذلك عبئا جديدا على مرضى الإيدز الذين لم تسمح الأوضاع في بلدهم لمسؤوليه بالتفرغ لهم، ووضع برنامج شامل للتعامل مع أوضاعهم الصحية.

وحول ذلك، قال الناشط الحقوقي، لول ليلي لول، رئيس شبكة المصابين بالإيدز في جنوب السودان: ”المشكلة تكمن في عدم وجود نظام دقيق للتعامل مع المصابين بمرض الإيدز“.

وأضاف لول في تصريحات صحافية: ”في الواقع الأمر خطير للغاية؛ لأنه عندما خرجت البلاد من الحرب، ونالت الاستقلال (الانفصال عن السودان في عام 2011)، لم يتم وضع أي برنامج لمعالجة مشكلة الإيدز بشكل شامل، ولذلك نحن نواجه قنبلة موقوتة، وأي شيء يمكن أن يحدث“.

وتابع ”نحن نتعامل بشكل سيء فيما يخص علاج مرضى الإيدز والتوعية بالمرض، والمنشآت الطبية خاوية، والحقيقة هي أنه إذا لم يستطع المصاب عبور الحدود إلى البلدان المجاورة لتلقي العلاج، فإنه سيموت“.

ووفقا لـ“لول“، فإن المركز الرئيسي لعلاج الإيدز في مستشفى جوبا التعليمي، يتكدس بالمرضى والأشخاص الذين يسعون لطلب المشورة بشأن الفيروس، حيث يستقبل 150 مريضا يوميا رغم أنه يفتقر إلى المعدات والأيدي العاملة ولا توجد به تجهيزات مناسبة.

وقال: ”لا يوجد أطباء في المركز، هناك فقط مساعدون طبيون“، موضحا أن ”المستشفى يضم أربعة مستشارين يمكنهم فقط تقديم النصيحة الطبية لعدد لا يتجاوز ثمانية مرضى يوميا من أصل 150 يتوافدون على المركز؛ ما يصيب الناس بالإحباط“.

وفي حين يوفر المركز مضادات الفيروسات القهقرية، لنحو ستة آلاف مريض بالفيروس، هناك نحو 25 ألفا آخرين مسجلين في المراكز الصحية في جميع أنحاء البلاد ينتظرون تلقي هذه العلاجات.

من جانبها، تقدر لجنة الإيدز في جنوب السودان معدل انتشار الفيروس بنحو 2.6%، حيث قال دفع الله حبيب أونغو، المدير العام لتنسيق البرامج في اللجنة، في حديث صحافي، إن ”العدد الإجمالي للمصابين هو حوالي 152 ألفا استنادا إلى تقرير الرصد الصادر عام 2012“.

وحول المعاناة من العوز الدوائي، اعتبرت كاثرين ألو، وهي إحدى المصابين بفيروس الإيدز، الذين يعيشون في جوبا، أن الحصول على العلاج بمثابة ”سباق من أجل الحياة“.

وقالت: ”يصبح الحصول على الدواء أمرا صعبا للغاية، عندما ينفد نوع العلاج الذي أتلقاه“.

وأضافت معربة عن حزنها ”عادة ما نتلقى دواء يكفي لمدة شهر، لكن الآن في بعض الأحيان نحصل على علاج يكفي لمدة أسبوعين فقط، وهناك الكثير من المرضى في جوبا الذين يفشلون في الحصول على العلاج“.

أما مواطنها ألفريد جوزيف واجا، (46 عاما)، وهو مصاب بالفيروس منذ عام 2008، فكان يبدو أفضل حالا خلال الأعوام الخمسة الماضية التي كان يتلقى خلالها مساعدات برنامج الغذاء العالمي، لكن الأمور تغيرت إلى الأسوأ، في ظل الأزمة السياسية الحالية في البلاد، لا سيما فيما يتعلق بإمدادات الغذاء.

وقال واجا: ”عندما جاءت نتيجة الاختبار إيجابية، ظننت أن حياتي انتهت، لكن بعد تلقي المشورة، اكتشفت أن الإصابة بالفيروس ليست النهاية“.

وأضاف معربا عن أسفه ”نحصل على الأدوية من مستشفى جوبا التعليمي، لكن المشكلة هي أن الدعم المقدم من برنامج الغذاء العالمي يقترب من نهايته“.

وأوضح أن الحصة الغذائية الشهرية تشمل الملح والسكر والذرة والفاصوليا وزيت الطهي، مشيرا إلى أنه ”منذ اندلاع هذه الحرب، يمكن أن يمر شهران دون تلقي إمدادات غذائية“.

وتابع ”هذا الأمر (وصول الإمدادات الغذائية) يؤثر علي كثيرا؛ لأن تعاطي الأدوية دون طعام صعب للغاية“.

من جهته، أشار ”أونغو“، مسؤول لجنة الإيدز، إلى تعطل عملهم بشكل خطير بسبب الأزمة الحالية، قائلا إن ”الأزمة أثرت علينا ولا تزال تؤثر علينا في نواح كثيرة“.

وأضاف ”كان لدينا عدة أنشطة، كما اضطر الشركاء إلى الانسحاب وتوجيه خدماتهم لحالات الطوارئ (ضحايا الصراع المسلح الراهن)، وخسرنا عملاء لأنهم كانوا في مناطق النزوح، ولم يتوفر أي علاج“.

وتابع ”خلفت الحرب أيضا الكثير والكثير من الأيتام الذين نحتاج إلى التفكير فيهم، والبعض منهم مصاب بالإيدز“، مشيرا إلى أنه من بين التحديات الأخرى ”انخفاض مستوى الوعي“.

وفي الوقت الراهن، تتعاون اللجنة مع قيادات الجيش ووزارة الداخلية لإشراك الجنود ورجال الشرطة في حملات التوعية بالإيدز.

ومضى أونغو قائلا: ”نعمل مع شركاء، لكن ما زلنا نواجه الكثير من القيود المالية، علاوة على ضعف قدرة المؤسسات والموارد البشرية، والمرافق المحدودة للغاية“.

وأقر المسؤول بأن الـ22 مركزا علاجيا التي تنتشر في جميع أنحاء البلاد، ليست موزعة بالتساوي، مضيفا ”في الوقت الذي نمضي فيه قدما، نحن بحاجة إلى دمج مراكز علاج فيروس الإيدز في جميع الخدمات الصحية“.

وأردف ”لدينا خطة خمسية وطنية طموحة، بين عامي 2013، و 2018، لكن ما يؤخر العمل على هذه الخطة هو الموارد والتمويل“.

ولفت إلى أن الشعور بالعار والتمييز من بين أكبر التحديات التي تدفع الكثير من مرضى الإيدز إلى تجنب الاندماج في حياة الجماعة، حيث ينتهي بهم المطاف للعيش في حالة من العزلة.

واختتم بالقول: ”بقدر ما نشجع المرضى على المجيء إلى مراكز العلاج، فإن عددا قليلا منهم على استعداد للخروج بسبب الخوف من التمييز، لكننا نشجعهم على الخروج“.

ومنذ كانون الأول/ ديسمبر 2013، يشهد جنوب السودان مواجهات دموية بين القوات الحكومية، ومعارضة مسلحة يقودها النائب السابق لرئيس جنوب السودان، ريك مشار، ولم تفلح مفاوضات أطلقت في أديس أبابا في كانون الثاني/ يناير الماضي، أو اتفاق لوقف إطلاق النار وقعه الطرفان في أيار/ مايو الماضي، في وضع نهاية للصراع حتى اليوم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة