هل يضيء الفطر شوارعنا؟

هل يضيء الفطر شوارعنا؟

المصدر: اسماعيل الحلو – إرم نيوز

في ليلة لا يظهر فيها القمر في السماء في الغابات البرازيلية الماطرة فإنه على الأرجح أنك لن ترى سوى مسحات صغيرة من الضوء ناتجة عن اليراعات التي ترفرف في المكان أو الوهج الشبحي للفطر المتناثر على أرض الغابة. وكلاهما ناتج عما يعرف بـ ”الضيائية الحيوية“ أو القدرة العجيبة التي لدى بعض الكائنات العضوية لتتصرف كأنها أنوار ليلية حية.

الضيائية الحيوية ظهرت بضع مرات خلال التاريخ التطوري ولها الكثير من الاستخدامات، من اجتذاب الأزواج إلى استدراج الفريسة إلى إبعاد المفترسات. وجود هذه الميزة في الفطريات –وهي حالة نادرة إن لم تكن الوحيدة للتلألؤ البيولوجي خارج عالمي الحيوان والميكروبات- يمثل أكثر من مجرد لغز. ويبدو أن العلماء الآن قادرون على تفسير ليس فقط كون أنواع محددة من الفطر تضيئ في الظلام، بل حتى كيفية حدوث ذلك – لذا قد يصبحون أقرب لصنع أشجار مضيئة بأشكال جديدة لإنارة الشوارع.

أرسطو في العام 382 قبل الميلاد والعالم الروماني بليني الأكبر الذي جاء بعده بـ 3 قرون لاحظا ظاهرة الضيائية الحيوية للفطر حين قاما بوصف توهج الضوء ”للنار الباردة“ في الخشب الرطب. وأصبح الوهج الشبحي يعرف لاحقاً بـ ”نار فوكس“، ربما من الكلمة الفرنسية القديمة فويس والتي تعني ”الوهمي“، وقد تم ذكر هذه الظاهرة في العديد من الأعمال الأدبية، بما فيها مغامرات توم سوير للمؤلف ”هاكليبيري فين“ حين أراد توم أن يضيء قناة مظلمة.

وقد تعرف علماء الطبيعة في بدايات القرن التاسع عشر على نمو الفطر على أعمدة الدعائم الخشبية التي استخدمت في المناجم. العديد من أنواع الفطريات والفطر باتت الآن معروفة بأنها تضيء في الظلام. وتفسيرات ذلك تتراوح بين أن يكون ذلك بلا فائدة ونتاجاً لعمليات الاستقلاب أو شكل تكيف متطور لإبعاد المفترسات.

ويبرز هنا أن أفضل تفسير هو أن ضوء الليل يجذب الحشرات والحيوانات الأخرى إلى الأجساد الشهية للفطر، والتي حينها تقوم بنشر أبواغها بشكل أوسع.

الضيائية الحيوية

كاسياس ستيفاني وزملاؤه من جامعة البرازيل في ”ساو باولو“ بينوا ذلك من خلال نشر فطر بلاستيكي على أرض الغابة عليها أضواء LED (الديود الباعث للضوء) خضراء اللون تطابق الضوء الغريب للتلألؤ البيولوجي لفطر ”نيونوثوبانوس غاردنيري“، وهو نوع مبهر من الفطر ينمو عند قواعد أشجار النخيل. وقد وجد بأن الضوء اجتذب أنواعاً من الحشرات ومخلوقات أخرى مناسبة لنشر الأبواغ. وقد بينوا أن الضيائية الحيوية تحدث فقط في المساء –مستثنين بذلك نظرية ”أنه منتج جانبي لا فائدة له“.

وبخصوص ذلك قال ستيفاني: ”تشير النتائج إلى أن الضيائية الحيوية يمكنها اجتذاب الحيوانات لنثر الأبواغ. آلية نثر الأبواغ هذه تمنح الفطريات بعض الأفضلية، خصيصاً في الغابات الكثيفة“.

أما عن كيفية إنتاج الفطر لهذا الضوء الشبحي فقد بقيت لغزاً لسنوات، في مقابل الوضوح في الصبغات الباعثة للضوء التي تستخدمها الأشكال الأخرى العديدة من الكائنات الحية التي يمكنها انتاج الضيائية الحيوية. لكن الآن وأخيراً قام فريق من معهد الكيمياء الحيوية العضوية في موسكو بقيادة ”إليا يامبولسكي“ بكشف التركيب الكيميائي لبروتين الفطر الذي يستخدم لإنتاج الوهج الشبحي لنار فوكس.

فقام الفريق باستخدام طريقة الحدس من خلال البحث في أنواع الفطر التي لا تضيء في الظلام؛ لأنهم اعتقدوا بأنهم سيجدون البروتين السلفي لبروتين الضيائية الحيوية –والذي يعرف باسم لوسيفيرن- وأن ذلك سيكون أكثر سهولة، وقد كانوا على حق.

Mushroom-LED-lamp-Yukio-Takano-Great-Mushrooming-12-1580x658

مشروع النبات المضيء

يقول يامبولسكي ”آلية الضيائية الحيوية في الفطريات تشير إلى تكوّن بروتين اللوسيفيرين من بروتين سلفي معين.. وقد ثبت أن سلف اللوسيفيرين موجود أيضاً في أنواع الفطريات غير المضيئة في الغابة، والأهم من ذلك أنها أكثر وفرة بـ100 مرة من الكتلة الحيوية للصنف المضيء. لهذا، كان من المنطقي أن نستخلص البروتين السلفي من الفطريات غير المضيئة”.

ومما يجدر ذكره أن مصطلح ”لوسيفيرين“ تم اجتراحه  في أواخر القرن التاسع عشر من قبل الكيميائي الفرنسي رفاييل دوبيوس، الذي عمل على الخنافس المطقطقة (المعروفة باسم فرقع لوز) والرخويات ذات الصدفتين. وقد أطلق اسم لوسيفيرن على المادة التي يمكن أن تتأكسد في الهواء بمساعدة انزيم لوسيفريس لتبعث ضوءا أخضر مزرقا.

لكن يامبولسكي وزملاؤه وجدوا بأن الضيائية الحيوية التي يستخدمها الفطر تستعمل نوعاً مختلفاً تماماً من بروتين اللوسيفيرين عن تلك الأصناف الـ 8 الأخرى من المركبات الموصوفة كيميائياً في عالمي الحيوان والميكروبات. بمعنى آخر فقد اكتشف هو وزملاؤه نوعاً تاسعاً من بروتين اللوسيفيرين، والأول الذي يتم إيجاده في نبتة فطرية في مجال من مجالات الحياة.

يقول يامبولسكي: ”اللوسيفيرين الفطري غير مرتبط كيميائياً بأنواع بروتين اللوسيفيرين الأخرى المعروفة، لذا فهو يمثل آلية مختلفة تماماً لبعث الضوء. هذا أمر مهم من وجهة نظر الكيمياء الضوئية، الكيمياء الحيوية والتطور. وفوق ذلك، فإنها تعطي الإمكانية للبحث عن أنواع أخرى من اللوسيفيرين الفطري غير المعروفة“.

وتابع يامبولسكي حجيثه ”وبخلاف بروتينات اللوسيفيرين الأخرى، فإن اللوسيفيرين الفطري متوافق مع الكيمياء الحيوية للنبات، وأتمنى أن ذلك سيسمح في النهاية بإنتاج نبات مضيء بشكل مستقل، أي نوع لا يحتاج إضافة خارجية من اللوسيفيرين، بل أن يكون قادراً على تخليق هذا البروتين حيوياً وحده“.

هذا سيمثل قفزة في تصميم شجرة معدلة جينياً على سبيل المثال بحيث يمكن أن تتوهج في الظلام لتصبح مصدراً مستداماً لإنارة الشوارع. الفكرة ليست مجنونة كما تبدو. مشروع النبات المضيء –أول حملة بتمويل جماعي لتطبيقات الأحياء الاصطناعية- مدعومة من عالم الوراثة جورج تشيرش من جامعة هارفرد، والذي قال في إحدى المرات: ”حتى زهرة متوهجة بشكل ضعيف ستكون ذات معنى عظيم“.

حيوانات تضيء في الظلام

في الأعماق السحيقة المظلمة للمحيطات لا يمكن لأحد أن يسمع صراخك، خصوصاً إذا تم خداعك من قبل سمكة الشص (بوفوكيراتياس ويدلي). سمكة الشص تستخدم بشكل ذكي بكتيريا تلألؤ بيولوجي على رأس ما يشبه الذيل الذي يحوم بشكل مثير فوق فمها المفتوح. هذا يعتبر مثالاً جيداً لمحاكاة الضيائية الحيوية، إذ إن أمراً كذلك لا نشاهده كثيراً في الطبيعة.

السوطيات الدوارة

هذا البلانكتون البحري يطفو على سطح المحيط ويوفر واحداً من المشاهد المبهرة الكبيرة للتلألؤ البيولوجي في الطبيعة حين تضيء مناطق شاسعة من المحيط ليلاً. التجارب المخبرية تظهر بأن هذه الظاهرة من شأنها أن تخيف المفترسات، وتشوش سلوكهم الغذائي وبالتالي الابتعاد عن السوطيات الدوارة. نظرية واحدة تقول بأن هذه الظاهرة تمثل كإنذار السرقة، إذ تجتذب المفترسات الكبرى لتتغذى على مفترسات السوطيات الدوارة.

الخنافس المضيئة

قد تكون اليراعات أفضل وأسهل مثال يمكن تمييزه للضيائية الحيوية في الطبيعة. تتحكم الحشرة بالضوء الذي ينبعث من العضو المضيء من خلال إضافة الأوكسجين إلى مزيج من كيماويات أخرى تدخل في تفاعل انبعاث الضوء، وتتضمن اللوسيفيرين وانزيم الضيائية الحيوية اللوسيفيريس. وحين تكون الحشرة في طور اليرقة فإن الضوء يكون بمثابة تحذير للمفترسات بأن طعمها ليس لذيذاً جداً، وفي مرحلة البلوغ يستخدم الضوء لتعرف الأعضاء من نفس الفصيلة واجتذاب الجنس الآخر.

الحبار الناري

بعض أنواع الحبار يستخدم البكتيريا الضيائية الحيوية لتوفير إضاءة مضادة في الجانب السفلي من جسده، وبالتالي يستتر عن خلفية سطح البحر التي تبدو فاتحة عند النظر لها من الأسفل، ما يجعل من الصعب على المفترسين الباحثين عن الرخويات رؤيته.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com