تحذيرات من ”حرب مياه“ محتملة جنوب العراق – إرم نيوز‬‎

تحذيرات من ”حرب مياه“ محتملة جنوب العراق

تحذيرات من ”حرب مياه“ محتملة جنوب العراق
An Iraqi man walks past a canoe siting on dry, cracked earth in the Chibayish marshes near the southern Iraqi city of Nasiriyah on June 25, 2015. Marsh areas in southern Iraq have been affected since the Islamic State group started closing the gates of a dam on the Euphrates River in the central city of Ramadi, which is under the jihadist group's control. AFP PHOTO / HAIDAR HAMDANI (Photo credit should read HAIDAR HAMDANI/AFP/Getty Images)

المصدر: إرم نيوز

يستيقظ ”أبو أحمد“، أحد مربي الجاموس جنوب الناصرية، فجر كل يوم مذعورًا، كلما سمع صوت الجاموس يئن قرب حجرته التي بناها من القصب وسط الأهوار، يركض نحوها ليرى أيّ جواميسه الـ 15 المتبقية قد فارقت الحياة.

ومنذ عام، لم يذق ”أبو أحمد“ طعم الراحة أو السعادة، إثر نفوق أعداد كبيرة من الجواميس التي كان يمتلكها بسبب الجفاف الذي ضرب مدينته.

يشعر أبو أحمد (50 عامًا)، وهو من قضاء الجبايش جنوب محافظة ذي قار، بأنه على وشك الهلاك، فبعد أن كان يمتلك أكثر من 50 رأس جاموس، لم يتبق منها سوى جواميس معدودة، في طريقها إلى الموت، بسبب صعوبة توفير المياه لها والتي تحتاج إلى أموال لا يمتلكها أصلًا، بعد خيبة الأمل التي لحقت به.

ولم يفكر العراقيون، في احتمال نشوب حرب بسبب المياه في المحافظات الجنوبية التي تعاني الجفافَ منذ بضع سنوات، حتى مطلع 2018، فقد شهدت السنوات والأشهر الماضية بالتحديد اتهامات متبادلة بين المحافظات ”الشاطئية“، بسبب التجاوزات على الحصص المائية المقررة من وزارة الموارد المائية، والتي أصبحت مشكلة متفاقمة بسبب انخفاض منسوب المياه؛ ما أثر على الزراعة، وأدّى إلى هجرة السكان ونفوق الأسماك والجاموس في الأهوار.

ويقول مربي الجاموس، أبو أحمد في حديث لـ“إرم نيوز“، ”ليس لديَّ عمل آخر أجيده سوى تربية الجاموس وصيد الأسماك في الأهوار، وبعد الجفاف الذي لحق بنا، صارت الحياة صعبة، مئات الأسماك يوميًا تموت، والجاموس أيضًا شهد نفوقًا هو الآخر، مع صمت حكومي كبير“.

واضاف، ”أفكر بالهجرة إلى مناطق الفرات الأوسط، فهناك وضع الماء أفضل من هنا كثيرًا، إخوتي وأقربائي ذهبوا قبل أشهر هناك“.

ويشهد نهرا دجلة والفرات انخفاضًا كبيرًا في مستوى المياه، منذ أن بدأت تركيا في ملء سد اليسو الجديد في حزيران/يوليو 2018؛ ما أدى إلى انخفاض نسبة الموارد المائية للعراق إلى النصف، وفق تصريحات رسمية من وزارة الموارد المائية.

ويروي ”أبو علي“، وهو مربي جاموس من مدينة ميسان جنوب العراق، كيف أن رحلة الهروب من الجفاف محفوفة بالمخاطر، كونهم يذهبون بجواميسهم إلى أماكن يتوافر فيها الماء، ومناطق الفرات الأوسط، هي المكان الأمثل لهم، لكنهم يعانون نظرةً دونيةً تجاههم؛ كونهم مهاجرين من أراضيهم.

ويقول في حديث لـ“إرم نيوز“، إن ”العديد من مربي الجاموس والفلاحين في الناصرية وميسان والبصرة قد هاجروا من أماكنهم بعد جفاف أراضيهم وحطوا الرحال في مدن يتوافر فيها الماء بشكل جيد مثل: جرف النصر في محافظة بابل ومحافظة النجف وكربلاء، لكن هناك صعوبة في الاستيطان، وقد منع العديد منهم من دخول تلك الأماكن من قبل الجهات الأمنية“.

شبح حرب مائية

وبحسب خبراء في مجال الماء ومسؤولين، فإن جفاف المياه في مدنهم قد يدفع المحافظات الجنوبية إلى الاقتتال وإلى إشعال فتيل حرب محتملة، قد تقودها العشائر التي تضررت أراضيها كثيرًا، بسبب التجاوزات التي تحصل بين المحافظات المتشاطئة والإجراءات الحكومية المتبعة هناك.

ومن جانبه، قال جابر أبو عمار، شيخ عشيرة من محافظة ذي قار لـ“إرم نيوز“، إن ”شح المياه يؤثر كثيرًا على العلاقات الاجتماعية بين أبناء القرى في المحافظات الجنوبية“.

وحذر أبو عمار ”من تكرار سيناريو تسعينيات القرن الماضي عندما ضربت البلاد أزمة اقتصادية أدت إلى انتشار قطاع الطرق وتفشي ظاهرة السلب والنهب والسطو المسلح بين المواطنين“، مؤكدًا  أن ”شح المياه أقوى من عامل الاقتصاد فهو شريان الحياة ويعني جفافه إشهار السلاح بين المواطنين على من يوجد لديه الماء“.

وأكد أبو عمار أن ”إحدى المناطق شهدت أكثر من 12 هجومًا مسلحًا منذ مطلع العام الحالي 2018 بسبب رغبة الجميع بالحصول على المياه، بعض هذه الهجمات المسلحة كانت على محطات ضح المياه التابعة للحكومة“.

ورغم المخاوف التي تتحدث عن احتمالية حدوث حرب مائية جنوب العراق، فقد علق رئيس مجلس محافظة ذي قار حميد الغزي، الثلاثاء الماضي، على إمكانية نشوب حرب مياه في محافظات العراق الجنوبية.

وقال الغزي في بيان صحفي، إن ”ما يشاع حول إمكانية نشوب حرب مياه في محافظات العراق الجنوبية بسبب أزمة المياه الخانقة التي يعاني منها العراق، أمر مستبعد ولا يمكن حدوثه“.

وأشار إلى أن ”موضوع المياه قضية سيادية وأمنية، وهو من مسؤولية الحكومة الاتحادية وليس المحافظات، ويفترض أن تقوم بإجراءات صارمة لتوزيع الحصص المائية بين المحافظات بالتساوي“.

إلى ذلك، قال النائب الأول لمحافظ ذي قار عادل الدخيلي في تصريح لـ“إرم نيوز“، إننا نوجه عتبنا إلى وزارة الموارد المائية كونها لم تستطع حل مشكلة المياه في البلاد حتى الآن، وبالنسبة للمحافظات التي تحاددنا بالمياه، الفيصل بيننا وبينهم سيكون القانون من أجل الحصول على حقوقنا“.

وأوضح الدخيلي بأنه ”سيتم إطلاق حملة داخلية كبرى من أجل توفير المياه للمواطنين بالمحافظة تقودها قيادة عمليات الرافدين التي تخضع لسيطرتها الأمنية 4 محافظات جنوبية، الحملة ستشارك بها جميع الدوائر المساندة وعلى رأسها المحافظة“.

وأكد أن ”ذي قار لا تطالب بأكثر من الحصول على حصتها المائية من المناطق الأعلى منها على نهر الفرات والتي تتجاوز يوميًا على حصتها، كما أن الفحص الأخير لمياه المحافظة أثبت تعرّضها للتسمم، وخاصة مناطق أقصى الجنوب وأبرزها الجبايش“.

وبيَّن أن ”مشكلتنا خارجية بسبب التجاوز على حصتنا من بعض المحافظات وليست داخلية، ولا نخشى رفع السلاح بين الناس في المحافظات، كما أن حفر الآبار العملاقة لإنقاذ المواطنين من شح المياه توقف بظروف غامضة ولا نعلم الأسباب ونعتقد أنها سياسية، رغم حفر المحافظة قرابة الـ 400 بئر صغيرة“.

تراجع الإيرادات المائية

وفي تموز/يوليو 2016 ، قال وزير الموارد المائية حسن الجنابي، إن الإيرادات المائية قد انخفضت بنسبة 30% وفي حال استكملت مشاريع دولة الجوار، فإن العراق سيفقد من إيراداته المائية ما بين 40- 45% ومن هنا ستزداد مشكلة المياه أكثر فأكثر.

ويعاني العراق منذ بضع سنوات من انخفاض ملحوظ في معدل المياه الواصلة إليه من تركيا وإيران، وهو ما يؤثر سلبًا على مناسيب نهري دجلة والفرات والأنهر الفرعية الأخرى القريبة على البصرة، والذي تزامن -أيضًا- مع فصل صيف حار، وشتاء لم يكن فيه أمطار كافية، والذي يشكل تداعيات خطيرة بشأن مياه الشرب والزراعة، لاسيما في البصرة التي تعاني -اليوم- تلوثًا حادًا وخطيرًا.

ويعتقد متابعون بأن المشاكل المائية التي تحصل هي بسبب عدم جدية وزارة الموارد المائية بحل مشكلة التجاوزات المستمرة من قبل محافظات الفرات الأوسط (الديوانية، وبابل، والنجف، وواسط) على حصة المياه المقررة لمحافظات الجنوب، إذ كشفت جهات حكومية مطلع العام الجاري عن وجود آلاف البحيرات الخاصة على نهري دجلة والفرات تسببت بضياع تلك الحصص المائية.

ورغم التحذيرات من نشوب حرب محتملة بسبب الجفاف، إلا أنه إلى الآن لا توجد إحصائيات دقيقة حول المناطق المتضررة بسبب الجفاف وحجم الثروة الحيوانية التي تخسرها المحافظات الجنوبية كل يوم، وتتهم تلك المحافظات الحكومة الاتحادية بعدم الجدية في حل مشاكلها وأنها تجامل محافظات على حساب أخريات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com