نبيل المالح.. مرارةُ الرحيل بعيداً عن الوطن

نبيل المالح.. مرارةُ الرحيل بعيداً...

كان من الصعب أن أمرّ على اسم عرفته كأب وصديق بخبر بروتوكولي، كان هناك وخزٌ شخصي داخلي، يمنعني من المضي عابرة على خبر رحيل رجل مثل نبيل المالح.

المصدر: سماح المغوش – إرم نيوز

فكرتُ كثيراً، ماذا يمكن أن أكتب عن رحيل رجل مثله؟ مقالاً تقليدياً مما نكتبه في الصحافة عن رحيل قامة فنية، نسرد فيها إنجازاته وإبداعاته وسيرته، نختم بها طالبين الرحمة والصبر والسلوان؟.

لكن كان من الصعب أن أمرّ على اسم عرفته كأب وصديق بخبر بروتوكولي، كان هناك وخزٌ شخصي داخلي، يمنعني من المضي عابرة على خبر رحيل رجل مثل نبيل المالح هكذا وكأنه لا يعنيني.

التقينا أول مرة في مقهى الروضة الشهير في دمشق، قبل عدة سنوات من الآن. وإذا سئلتُ كيف أصف المالح، سأجيب بثلاث صفات ”البسمة والوجه الوضاء والصوت الدافئ العذب“. هذا هو الرجل الذي عرفته باختصار، بصداقة هادئة من تلك الصداقات التي لا تتعلق بعدد اللقاءات أو السنوات بل بعمق الأثر الذي تخلفه في نفوسنا.

كانت الأرض تغلي، وقلقٌ غامض داخلنا، وإحساس بذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة، كنا نترنح، نتعلق بحبال وطن توشك على الذوبان، ونحن نداري لقاء أعيننا لنتجنب هذه الحقيقة المرعبة التي كانت تعتمل بصمت في صدورنا. في زمن لم يمنحنا المساحة اللازمة لنتنفس بما فيه الكفاية.

افترقنا دون اتفاق على لقاء آخر، الزمن تكفل بموعد آخر، بعد عامين في الإمارات، رتبه من دون إنذار مسبق، لنلتقي مجدداً.

يصافحك نبيل المالح ليس بروح مخرج معروف أو رجل حقق إنجازات هامة للسينما السورية، وحفر اسماً صعباً في تاريخها المتعثر. بل مصافحة أب وصديق وجار محبب، كأنك رافقته سنوات. صوت هادئ متواضع، وروحاً تحمل في طياتها طفولة بريئة، تنساب معها متحرراً من عبء المجاملة والرهبة.

المخرج الذي أثث في قلبه وطناً مفقوداً، عصفت به الأزمة المريرة التي اجترعنا مرارتها إلى غربة بعيدة في آخر سنوات العمر، ما كان يرجو منها غير أن يرقد بسلام وأمان تحت تراب البلاد التي سقاها أجمل إبداعاته.

قبل أسبوعين من رحيله، اتصل بي يطمئنني عن صحته بعد العملية. كان صوته شجاعاً مليئاً بالحياة، وتخيلت ابتسامته الطيبة التي لا تفارق وجهه. وفي صباح هذا اليوم الحزين، أثناء مروري العابر على أخبار الأصدقاء في ”فيسبوك“ فجعت بخبر عن موته. بدا مفاجئاً رغم أن الرجل في الثمانين من العمر، لكن كيف للمرء أن يتخيل أنّ مبدعاً مثله يمكنه أن يغدر بنا ويدعنا نتخبط وحدنا في زمن بات موحشاً جداً؟.

ربما الفجيعة كانت على شبابنا نحن، نحن الذين نصغره بعقود نملك وفرة من الصحة والعمر، لا ندري ماذا نفعل بهما، وقد اتفق العالم على محونا عن خارطته. وباتت الحياة عبئاً ثقيلاً. هذا الموتُ لم يفجع روح نبيل التي رحلت متحررة رغم مرارة الرحيل بعيداً عن الأرض. بل أفجعنا نحن الذي واجهنا الحقيقة التي نهرب منها في كل لحظة كلما فتحنا أعيننا على يوم آخر، لنتذكر ما وصمنا به العالم بأننا ”سوريون“.

بات مجرد العيش بالنسبة لنا عبئاً لا نرغب به. نغبط من يرحلون بقدر ما نحزن أنهم تركونا وحدنا نواجه بؤس هذا العالم وقبحه، بوجع السؤال.. ماذا نفعل بعد رحيل الطيبين؟ الذين رحلوا وقد أنهكهم القهر والحزن أكثر مما أنهكهم الهرم والمرض، وقد خلفونا وراءهم.. نتساءل هل موتهم هو الموجع أكثر أم بقاؤنا نحن على قيد الحياة؟.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com