السماء قريبة جدا.. نصٌ متكامل يفتح شهية التأويلات

السماء قريبة جدا.. نصٌ متكامل يفتح شهية التأويلات

تونس – في قراءة للتونسي فتحي المرزوقي، لرواية الكاتب الفلسطيني مشهور البطران ”السماء قريبة جدا“. حرضني نص الرواية الجديدة للأديب الفلسطيني مشهور بطران على العودة إلى الكتابة النقدية من جديد، عنوان الرواية ”السماء قريبة جدًا“ الصادرة في عمان عن دار فضاءات سنة 2015 وقد جاء هذا النص الأولي انطباعيًا، ستليه قراءة أخرى أكثر تناولا وتدقيقا ولكني رأيت أن أنشره للمهتمين من أصدقائي لتقديم الرواية للقارئ العربي.

بمجرد أن أنهيت القراءة الأولى، بدأت أعلن ولائي لما تعد به، على مستوى الأدب في الساحة الفلسطينية والمحلية، وقد شدَّ النص انتباهي من حيث متنه، إنه يؤسس لواقعية جديدة في الأدب الفلسطيني، ويمكن أن يكون لبنة تواصل لما بدأه إميل حبيبي وغسان كنفاني، وكأني بجيل جديد ينحى بعيدًا عن سجن أدب الرسملة والكانتونات، بالنسبة لي كمتلق فإن النص فيه ثلاث أوجه، اثنان منها يغريان بالقراءة في نهم والثالث فلسفي سياسي يتطلب جهدًا في القراءة، أما اللغة فجاءت قريبة ومفهومة، حتى أن بعض المفردات متداولة في العامية ولكنها لا تستعمل في الكتابة الأدبية عندنا، وهذا مأتاه علاقة تاريخية بأهل فلسطين حتى أن لهجة أهل غزة قريبة من لهجتنا في بعض الديار التونسية.

جاء النص غزيرا بالأحداث وقد راوح في شكله بين الحوار والوصف، بين الرومانسي والشاعري والسردي والحواري وأحيانا نجد أسلوب اللوحة والشعر بما يوحي بأثر قراءات الكاتب وربما تجاربه الأولى.

 الإيقاع في الرواية كان متسارعا وبه حبكات متعددة تنقلك من مشهد إلى آخر وكأنها كتابة سينمائية لم تغب عنها جمالية الصورة، النص أيضًا انبنى في بعض منه على الأحداث الإخبارية الصحفية، وغمز في كثير من الأحيان إلى الواقع الاجتماعي والسياس.

 حاول النص من خلال شخوصه تفكيك بنية المجتمع الفلسطيني وفي جزء منه الإسرائيلي، أما المرأة فكانت حاضرة وجدانيا ولكنها ثانوية في أدوارها، وربما مردُّ هذا إلى واقعها المعيش.

النص في صيغته الاجتماعية لافت للانتباه بقوة أما الجزء المتعلق بالقضايا بالسياسية والفلسفية فقد فرض نفسه رغم أنه مفصلي لمزيد من التشريح للواقع، الذي تحكمه عدة علاقات كالأسرة والعشيرة والدين ومؤسسات الثورة و كذلك الكيان الإسرائيلي.

وقد انبنى على حوار جديد قديم في طروحاته خاصة لدى الرواقيين ولكنه يسلط الضوء على ما يجهله العامة عندنا من التركيبة السياسية والاجتماعية والدينية للمجتمع الفلسطيني وخاصة فيما يتعلق بالمسيحيين الفلسطينيين.

أرى النص مؤسس لأنه لا يقطع مع الواقع، ولكنه يواصل البناء بأدوات جديدة حيث رصد النص الواقع الفلسطيني على مدى 30 عاما والتحولات التي طرأت عليه وكيف أفرزت جيلا جديدا لم تتحدد ملامحه بعد، ولكن مساراته في الساحة واضحة وذات أثر ملموس وربما أعمال مترادفة في هذا السياق ستكشف ذلك.

كان لي الشرف أن أكتشف كتابات مغايرة في الرواية الفلسطينية قد تكون حجر الزاوية لتأسيس موجة أدبية جديدة وسعدت كثيرا لأنها أعادتني إلى المطالعة التلقائية، لا أخفي أن الجانب الفلسفي والسياسي للواقع الفلسطيني أثقل النص ولو لم يكن هناك ضرورة فرضت ذلك لأثر سلبا على الإيقاع الحكائي للرواية وبالتالي أعتبره مقبولا فيها.

جاء بعده الجزء الخاص بالتحقيق لنتحول إلى حكائية أخرى بوليسية إلى حد ما ولكنها ذات طابع تختص به القضية الفلسطينية فعادت عناصر الدراما من جديد تشد الانتباه إلى متابعة الأحداث، حتى المكان بكل تضاريسه يلقي بحمله على القارئ وكأنه يشهد الأحداث من حوله، أما وصف دواخل الأبطال فكان لافتا وكثيرا ما يخرجك عن السياق العام وكأنك تلتقط أنفاسك. تصوير الموت كان متنوعا حسب كل من الشخصيات. أحسست بغزارة شديدة في توارد الأحداث فقد بنيت بتقنية الصور واللقطة وكأنها سينما تجعلك تتوقف مشدوها عند كل مشهد.

ما زلت أرى النص يتضمن نصوصًا متضامنة لتقدم وحدة لنص متكامل يفتح شهية التأويلات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة