”السماء قريبة جداً“ لمشهور البطران.. رحلة مختلفة للإنسان الفلسطيني

”السماء قريبة جداً“ لمشهور البطران.. رحلة مختلفة للإنسان الفلسطيني

عمّان – يطلعنا أشرف البطران على قراءته في رواية الروائي الفلسطيني، مشهور البطران، من موقع المتلقي، فالقارئ هو غاية أي نص، وبما هو كذلك، فثمة إذن اشتراطات أساسية ينبغي أن تتوفر في النص حتى يصل إلى وجدان قارئه، ولعل أهمها عنصر الغواية.

ويقول ”أشرف“: عنوان هذه الرواية وحده كافي لأن يرتحل بنا إلى عالم الطفولة، منبع الأسئلة الوجودية ومسرح تخيلاتنا الفانتازية، السماء هنالك فعلا قريبة جدا، ويمكننا أن نداعب السحب العابرة فيها، هذا ما قالته ابنتي الصغيرة على طريقتها وبلغتها قبل أشهر عديدة من قراءة هذا النص، وهذا سيكون كافيا لها مستقبلا كي تطوي صفحة الغلاف وتبدأ بالقراءة. ستواجه ربما، كما واجهتُ أنا على المستوى البنيوي للنص لغة سردية فطرية جميلة تعكس واقعا بسيطا نعيشه جميعا، وتدرك لذاته حين تبتسم وتقول في سرها ”نعم.. هذا حدث معي“.

ولكن ثمة مستوى لغوي آخر عميق يستوجب وجود قارئ محترف قادر على سبر أغوار النص وفك شيفراته كي يصل إلى مواطن اللذة والجمال، لن أنسى عبقرية الدكتور جورج وقدرته على توصيف كيف يكون المؤرخ شاعرًا، وكيف أن الشعر الجميل لا يكون كذلك إلا حين يكتب عند الحواف، حين يكون ظهرك عاريا، وليس ثمة مكان آمن إلا موطئ قدميك. على مستوى البنية العلائقية التي يؤسسها النص مع القارئ، أعتقد أن الكاتب نجح إلى حد كبير في جعلنا نحاور شخصيات الرواية، نتعاطف معها أحيانا، ونتصلب تجاهها أحيانا أخرى، وما بين التعصب والتعاطف مساحة واسعة من التأويل والمساءلة تركها الكاتب للقارئ.

صحيح أن نصفي الحكيم مثلا تعاطف مع مقتل سمادار ابنة يوحنان، لكن نصفي المجنون رفض مبرر وجودهما على هذه الأرض أصلاً، مستحضرا آلاف الفلسطينيين والعرب الذين قتلتهم إسرائيل. نصفي الحكيم يضغط أكثر، لكن يوحنان كان يهوديا متعاطفا مع قضيتنا ولم يكن صهيونيا، الصهيونية يا نصفي الآخر من يمارس الظلم والاضطهاد علينا، يوحنان من اليهود القلائل الذين لم تطمس الصهيونية ضمائرهم، فهو يناضل معنا ضد الظلم، ألم تقرأ باولو فريري ياعزيزي! بلى قرأته، لكنك تدافع عن شخص لتوه كان قادما من المالحة، أتعرف أين تقع المالحة؟! أنصحك بزيارتها…تسلل من خلف الجدار، وحين تصبح وسط الهشير الذي يغطي بيوتنا الحنطية القديمة هناك، اقرأ بصوت عالٍ نص محمود درويش لماذا تركت الحصان وحيداً. هل تريد أن تكتب نصا روائيا يا مجنون؟!…أبداً، هذا آخر اهتماماتي. أنا فقط أريد أن أريك كيف يفعل النص بقارئه، وكيف تترك له صيرورة الأحداث مساحة للمساهمة في تخلقه واكتمال نضوجه ومنحه دلالات ربما لم تخطر أصلا على بال الكاتب.

أعجبتني كثيرا أحاديث الرواقيين، ربما لأنني كنت رواقيا يوما ما، لكن ما أعجبني أكثر هو الانتقال السلس للبنيات السردية في هذه الرواية، فما تلبث أن تكون منسجما في قراءة نص حكائي حتى تجد نفسك منخرطا في قراءة نص فكري عميق، وهذا يعكس تنوع مستويات الخطاب فيها. صحيح أن هذه التقنيات السردية مألوفة في روايات ما بعد الحداثة، لكنني لم أشعر بلذة الحوار وعمق دلالاته الرمزية كما قرأته هنا.

حاول الكاتب تسليط الضوء على كثير من الجوانب غير المفكر فيها في حياة زيدون الإنسان، وليس زيدون البطل الصنديد، صاحب الإرادة الفولاذية، المزنر بالذخائر، والمستعد دائما للتضحية من أجل الجماعة. زيدون دفع ثمن هذا الدور عشر سنوات في السجن، حرم فيها من مواكبة نضوج أبنائه، أتذكرون كيف كان يتخيلهم وهم يلعبون، ويتشاجرون، ويذهبون مع أولاد حيهم إلى المدرسة، هذه اللحظات المتخيلة كانت كفيلة بأن تكوي كبده. زيدون ما بعد الأسر إنسان مفعم بالأمل، محب للحياة، يمتلك قلب أكبر من قذيفة مدفعية، ألم تسمعوه حين همس في أذن زوجته قائلا: ”أريد عشرة أولاد يلعبون حولي ويتسلقون أكتافي ويعبثون بكل شيء“.

البطل الحقيقي يا زيدون، الذي لم يتمرد على الواقعية الاشتراكية هي نبيلة زوجتك، هي الوحيدة التي ضربت لنا مثلا في الكفاح البطولي من أجل الجماعة، في سني سجنك الطويلة تحملت مسؤولية العائلة باكرا، فكانت أماً حانية، وأبا راعيا، وزوجة مضحية ومخلصة، شأنها في ذلك شأن كل زوجات الأسرى. بيتها الذي بنته من شقاء العمر لم يكن مجرد بيت، بل كان الوطن الذي حرصت على أن يكون كل شيء فيه يلائم مزاج الثائر العائد. وأنت تصعد سلالم عرينك كان قلبها سينفجر من ضلوعها، ودموعها تنساب على خدها معلنة عن انبلاج فجر جديد، لكنك مررت في حياتها سريعا كطيف، وتركتها ملتاعة فوق ركام العمر وحيدة. نبيلة يا زيدون ليست امرأة عادية، بل رمزا لكثير من النبيلات اللاتي لا يليق بهن الانكسار، يبكين فقط بصمت.

rwa2

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com