فن ومشاهير

طابق 99.. هل صعدت بنا أم هبطت؟
تاريخ النشر: 11 مايو 2015 6:31 GMT
تاريخ التحديث: 11 مايو 2015 6:32 GMT

طابق 99.. هل صعدت بنا أم هبطت؟

الروائية اللبنانية جنى فواز الحسن إحدى مرشحات قائمة البوكر القصيرة للرواية العربية 2015 تدخل بنا في عالمين متناقضين للصراع اللبناني الفلسطيني.

+A -A
المصدر: إرم - سماح المغوش

تسلط رواية ”طابق 99″، للروائية اللبنانية جنى فواز الحسن، والتي دخلت القائمة القصيرة في البوكر، على قضية تقليدية لا جديد فيها وهي ”الإنسان الفلسطيني“ وقضيته، حيث تسلط الضوء على مخيمات اللجوء في لبنان، ومجزرة صبرا وشاتيلا.

ولكن الطرْق جاء تقليديا أيضا، وهو بطل عاشق يستند طوال الرواية على عاطفته للمحبوبة، والبطل ”مجد“ والذي يمثل الإنسان الفلسطيني في مخيم صبرا وشاتيلا والذي شهد مجزرته وراحت أمه ضحيته وتسبب بعاهة له، وحبيبته ”هيلدا“ المسيحية التي تنتمي عائلتها بشكل قوي للكتائب اللبنانية والتي حاربت الفلسطينيين، وتحاول الروائية أن تظهر العمى السياسي مقابل الحب الذي لا يعترف بمتاهاتها.

ولست بصدد رواية الرواية، أو التعريف بها، إنما هي عملية قراءة في هيكلية الرواية وأطرها، وأسس بنائها، وتنطلق الرواية من العنوان، ”طابق 99″، وهو عنوان يبدو مقارنة بحكاية الرواية لا ينتمي لها، إذ أنه أشبه بعنوان بوليسي بعيد جدا عن الحبكة، ودخولا لأول أس وأهمه وهو السرد، فإن الروائية غيبت السرد لصالح الحكاية، وظل السرد مذبذبا، فتارة يرتفع بوتيرة ساحرة وخفة تجعلنا نرغب في أن نتابع القراءة، وتارة يهبط من غير غرض سوى استهلاك اللغة في التعبير، دون نفع أو إفادة في عملية البناء السردي.

فتأتينا بعض الجمل الواردة كافية وقد أوصلت المعنى بشكلها الكامل، ولكن الروائية تعود وتحاول الإسهاب فيها والتأكيد عليها، وبعض الأحداث تظهر مفتعلة أكثر من كونها كيانا موحدا مع سياق النص، فعلى سبيل المثال اعترض بطل الرواية ”مجد“ وهو المهاجر في الولايات المتحدة حيث التقى حبيبته هناك، على عودة حبيبته ”هيلدا“ إلى بيروت موطنها، وحين سألها عن سبب رغبتها بالعودة، وإذا كانت تريد العودة لتقول لأهلها: ”لماذا تعودين؟ ماذا ستقولين؟ أنا مغرمة بفلسطيني أعرج؟“. جاء الحوار في غير محله، وبمباشرة فجة، فلم تذكر الروائية في بداية الرواية السبب الذي قد يدفع الفتاة بمجرد عودتها أن تقول إنها تحب فلسطيني أعرج؟ تبدو كأنها محاولة للتعريف بشخصية البطل في بداية الرواية، ولكنه كان تعريفا غير موفق تماما، فهل يُعرّف أحدهم بشخص بذكر عاهته؟.

وفي انسيابية السرد فقد بدت مقدمة الرواية أكثر قوة من باقي جسدها، وتصف الروائية شخصية الرجل العاشق، ولكن يبدو وصف الروائية للرجل العاشق ”شيء ترغبه الأنثى“ أكثر مما هو في عاطفة الرجل حقا، وكأن الكاتبة قد زجت برغبتها الأنثوية في عاطفة رجل وألحت عليها، ولم تسمح للبطل أن يكون مستقلا. 

استهلكت الروائية خمسة صفحات فقط لتعبر بها عن عشق عاشق لحبيبته، وهذا سرد تقليدي بامتياز لا ابتكار أو محاولة تجديد فيه.

يسقط الوصف أحيانا من يد الروائية ويبدو كأن التعبير يخونها، فعلى سبيل المثال في سياق إحدى الجمل ”هو الشعور بالفقد حين يصيب الإنسان يجعله كسيحا كقطعة ثياب رثة“. كيف يصير الإنسان بالفقد كسيحا؟ ثم أين ترابط الخيال بأن يكون كسيحا كقطعة ثياب رثة؟.

تقع الروائية كغيرها من الروائيين العرب في فخ الحوار ”العامي“ ولا أجد هذا في مصلحة الروائي، إذ أن الروائي يستطيع أن يستخدم لغة عربية فصيحة مبسطة تقرب الواقع من غير أن يسقط تماما في ”العامية“ إلا إن كان يطمح لانتشار في ”هويته“ فحسب وليس انتشارا عربيا، وهنا على الروائي أن يقف مع نفسه ليسألها عن المكان الذي يرغب في أن يكون فيه.

بعض العبارات في الرواية تبدو كأنها لا تقود إلى شيء فمثلا، تقول الروائية في إحدى عباراتها ”السلطة هي الكارثة، تحديدا تلك السلطة التي تولد القوة“. بغض النظر عن طبيعة استخدام السلطة أو موقع صاحب السلطة، ولكن ما المقصود بتحديدا السلطة التي تولد القوة؟. فهل هناك سلطة من غير قوة؟ إن عبارة السلطة عبارة بديهية مرادفة للقوة!. وهذا يدل على حشو في النص لا معنى واضح له، ثم ألحت الروائية كثيرا في شأن ”عاهة“ بطل الرواية، وجاء مصطلح استخدامها لكلمة ”معاق“ غير دقيق، فالإعاقة هي مايولد مع الإنسان وليس ما يكتسبه بفعل حادث ما كبطل الرواية، التي صارت لديه عاهة بسبب المجزرة. ويظل وصف إحساس الكاتب بإعاقته هذه، على حسب الروائية، مبالغا فيه.

وتعود الروائية مجددا للتأكيد من غير داع على حب بطل الرواية لـ“هيلدا“، فالقارئ قد اكتفى من مدخل الرواية بأن يعرف ذلك ويدركه، وهو قطعا لن ينسى ذلك في منتصف الرواية، ولم نفهم تعبير الروائية تماما بوصفها للأجنبيات على لسان البطل ”كنت ولو عن غير وعي، أراهنّ – أي النساء الأجنبيات – سبايا“. كيف لرجل لا يبدو متزمتا وفي الولايات المتحدة، ورجل أعمال ومنفتح أن ينظر لأجنبية على أنها سبية؟ خاصة أن هذا المصطلح ”ديني“ أكثر منه واقعا دنيويا، لا يبدو واضحا ما تحاول الروائية أن توصله من نظرة الرجل للنساء الأجنبيات، فالسبية امرأة مستعبدة لا حول لها ولا قوة، ومن غير المنطقي أن يرى الرجل الشرقي المرأة الغربية على هذه الصورة. كان الأفضل مثلا استخدام وصف ”باردات العاطفة“، ”سلبيات في علاقاتهن“ ”أنانيات“ فهو أقرب للوعي المصاحب للبطل من كلمة ”سبايا“.

ثم هناك جملة ”لا تصنع الملاحم حبا بل فقط أساطير“. تبدو هذه الجملة هنا أيضا مبهمة، وغير واضحة المعنى، ولا تعطي تبريرا منطقيا، لتقول أن الحب يصنع الأساطير وليس الملاحم؟ وما الفرق التي حاولت الروائية أن تبينه هنا بين الملاحم والأساطير؟. يبدو أن الروائية حاولت أن تضفي على الجملة ”نكهة أدبية“ ولكنها بدت غير موفقة فيها تماما.

ثم في معرض حوار أيضا بين ”هيلدا“ ووالدها، تقول ”هيلدا“ في سرها (موجهة كلامها لأبيها): ”تبا لك وللحرية التي زرعتها في داخلي“. ونسأل الروائية هنا، هل يشتم الابن أباه ولو كان في سره؟ اللهم إلا إذا كان هذا الأب قد ارتكب فعلا شنيعا جدا بحق هذا الابن حتى يستطيع هذا الابن شتمه في سره، وهو ما لايبدو بعلاقة هيلدا بأبيها، فهي تملك من ”اللوم والغضب“ عليه الكثير، ولكن ليس إلى حد منطق الشتم.

وهو ما يظهر الحوار أحيانا منفعلا مشبوبا بعاطفة شخصية ”أي لم تستطع الروائية أن تتحكم بعاطفتها الخاصة تماما“ أثناء سردها للنص.

ولم تفلح الروائية تماما في أن تترك للقارئ الحرية بأن يختار من الطرف الظالم ومن المظلوم، فقد تدخلت مباشرة لصالح طرف دون الآخر، وأحد نقاط القوة التي تحسب لأي روائي أن يخرج من عباءته الشخصية ليجعل شخصياته حيادية ويجعل القارئ في صفه من غير أن يقوده هو لذلك، بل باختيار القارئ ذاته.

وتذكر الروائية شخصية ”محسن“ وفي معرض وصفها له، تقول إن حول عنقه صليب دون تبرير وسبب معين لذلك، وهو تشتت في السرد.

كما تظهر شخصية ”ماريان“ التي ذهب زوجها لحرب الخليج منذ سنوات ولا تعرف عنه شيئا، ومن الغريب أن لا تُظهر الروائية أن ”ماريان“ ولو في مكان ما من عمق اللاوعي لديها، تعترف بان زوجها في عداد الأموات، فهل يعقل أن المرأة تنتظر زوجها ليعود من حرب بعد سنوات دون أن تضع هذا الاحتمال ولو لواحد بالمئة؟

تتبع الروائية تعدد الأصوات في روايتها، كما وصوت المؤلف أيضا، ولكن مع ذلك ظلت الرواية في إطارها التقليدي ولم تخرج منه، ولا تبدو الصورة التي حاولت الروائية أن تظهرها حول إشكالية ”لعنة طابق 99“ واضحة، فلم تقدم ترابطا واضحا في هذا المعنى، كما وظلت شخصية والد ”هيلدا“ غير موزونة تماما، وانتهت الرواية بنهاية أقرب لنهاية قصة قصيرة منها لنهاية الكتابة الروائية.

وتظل الرواية عملا تجريبيا، فالروائية الشابة تملك مقدرة كبيرة وملعبا واسعا لتبني رواية أكثر حداثوية وبقضية متجددة ونتمنى أن تكون قضية تمس الشباب الذين في مثل سنها أكثر من العودة إلى زمن غاص فيه كتاب جيله بشكل كاف وواف، خاصة فيما يخص القضية الفلسطينية.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك