فن ومشاهير

شوق الدراويش.. الشوق الذي أضاع الدهشة
تاريخ النشر: 07 مايو 2015 6:34 GMT
تاريخ التحديث: 07 مايو 2015 6:35 GMT

شوق الدراويش.. الشوق الذي أضاع الدهشة

رواية السوداني حمور زيادة إحدى الروايات التي كانت مرشحة بقوة في جائزة البوكر للرواية العربية 2015، تغوص في فترة هامة وحساسة من تاريخ السودان.

+A -A
المصدر: إرم - سماح المغوش

منذ الوهلة الأولى لدخولنا عالم رواية ”شوق الدراويش“ للروائي السوداني حمّور زيادة، نستطيع أن نقول أن العنوان جاء متناسقا جدا مع النص وبه ذات روح الحكاية، وبسردية عالية، تميزت بجمل قصيرة متينة مكثفة انتقلت بسلاسة من جملة لأخرى، وبحس لغوي وأدبي مرهفين، إلا أن الملاحظ بسياق تركيب الجمل العامة بدت وكأنها أحيانا ليست عن سليقة عربية أصيلة، كما أن الحوار يهبط أحيانا إلى مستوى اللكنة المحلية والتي لا تبدو مفهومة تماما للقارئ العربي في بعض المواضع.

فمثلا تأتي جملة ”أشركه في أوهامه حقائق“. تبدو الجملة هنا وكأنها ”ترجمة“ وليست صياغة أصيلة، إذ أن هناك أصل لغوي ينقص ترابط الجمل، كما لا يصل المعنى أحيانا واضحا. فيحار الكاتب بمعنى الجملة هل أدخل أوهاما على حقائقه أم أدخل الحقائق على الأوهام وهو تعبير غير متقن.

كما وفي جملة ”ما الحقيقة إلا ماتتذكره، ذكرياتنا هي الواقع، والوهم، حقا، هو ماحدث“. كيف يكون الوهم هو ماحدث، فما يحدث يصير حقيقة ولا يظل وهما؟؟

”قرأ جوهر في عينيه صدقا، رغم أن كحلهما مكر“. جاء وصف (رغم أن كحلهما مكر) غير مترابط تماما أو بمعنى أدق غير متواطئ مع الجملة الأولى، إذ يصعب على القارئ معرفة ما يرمي إليه الكاتب بالضبط.

”فأعان أغلب الأثرياء، من تجار الرقيق والعاج (..)، وعلية القوم، من الشيوخ والعلماء والوجهاء، باشا المدينة غردون الإنجليزي، توهما منهم أن القاهرة ستنقذ حاكمها قريبا“. تأتي الجمل بغير ترابط واضح بينها وكأن كل جملة بعيدة عن الأخرى، لا توجد روح واحدة في الفقرة، ولا تؤدي إلى صورة متكاملة.

وفي جملة ”الرب يسكن هذا الخلاء“. لا يبدو مفهوما ما يعني الكاتب هنا؟ فمن الطبيعي أن يسكن الرب في أي مكان؟!. فهل كان الرب سيكون في الخلاء ولا يكون في مكان آخر؟.

أما فيما يخص فكرة الرواية اتكأ الروائي على موضوع الحب وهو عاشق يقاتل الذين قتلوا حبيبته انتقاما لها، وهي (فكرة قديمة قدم الأزل ذاته)، لم يأت الروائي هنا بأي جديد فيها وهو للأسف ما جر الرواية لتكون رواية تقليدية بتأثير الفكرة، ووددنا لو نبش الروائي في أعماق بطل روايته ”بخيت“ (وقد كان يملك فرصة كبيرة لذلك) في إظهار صراعه الإنساني وعبثية الوجود، على أن يتكئ على مجرد هيامه بفتاة.

ولكن عودة للقصة، التي تتحدث عن ”بخيت“ العبد الأسود الذي يخرج من سجنه ليبدأ سلسلة قتل للأشخاص الذين قتلوا حبيبته. فإنه وبشكل ما تبدو هذه الرواية انعكاسا في بحيرة لرواية ”اسمي أحمر“ لأورهان باموق.

وسواء من الناحية السردية أو الموضوع العام، فقد تطرق ”باموق“ أيضا لقضية قتل غامضة، ومحاولة كشف القاتل طوال فترة الرواية، والبطل الذي يمني نفسه دائما بأن يكون للمرأة التي أحبها (وهي ليست ذات الفكرة بالطبع ولكنها بذات النسق السردي والروح)، وتتقاطع من خلالها رواية حمور بخيت بإطارها العام مع رواية باموق، ووددنا لو استطاع الروائي أن ينفض رأسه من التراكم الثقافي حين يشرع في الكتابة، لكي يأخذ خطا مستقلا لا يشابه أحدا به.

ورغم كثافة الجمل وقوتها، إلا أن الكيان السردي يبدو مفككا في مواضع معينة وأحيانا أخرى مشوشا، وكأن الجمل القوية رميت على الصفحات دون المادة اللاصقة، أي ظلت أرضية الرواية زئبقية.

ويحسب للروائي مقدرته إتقان النبش بنفوس الشخصيات، خاصة ”بخيت“ الذي رصد الحياة بعيني عبد كان متجاوزا بروحه لعبوديته، ولكن الشخصية الوحيدة التي شكلت خللا، ويبدو أن الكاتب غفل عن تتبعها تماما هي شخصية ”ثيودورا“ ففي مواضع عدة من الرواية يظهر هناك خلل ما في هذه الشخصية، أولا من ناحية الأسماء اليونانية ”ثيودورا“ ”دورتا“ ”هورتنيسا“ تبدو الأسماء كأنها قادمة من الإلياذة والأوديسة أكثر من كونها قادمة من المجتمع اليوناني، وعلى اعتبار أن الرواية تغوص في الواقع، كان يجب أن تحمل الأسماء اليونانية روحا قريبة أكثر لروح الرواية.

ولنتتبع مواقف معينة لشخصية ”ثيودورا“ ففي صفحة 195 حين حلت ”ثيوردورا“ في السودان قادمة من مصر وأرادوا أن يتناولوا الطعام على الطريق قام المرافقون بذبح غزال.

تقول ”ثيوردوا“ في هذا الموقف: ”هذه بلاد شريرة، إنهم يذبحون الغزلان“. تبدو الجملة ساذجة، خاصة أن هذه البطلة ذاتها الذي أظهرها الروائي بأنها بمنتهى الحساسية والإنسانية لم تبد ذرة شفقة واحدة أو ألم على الخادمة (في صفحات لاحقة) بعد العقاب الوحشي الذي لقيته لمجرد سرقتها صليب!! فقد جلدت الخادمة بطريقة وحشية أمامها، ثم أخذوها، ربما، ليتم إعدامها؟؟ وقابلت ”ُثيودورا“ ذلك ببرود. وهنا نسأل الروائي.. هل يشفق الإنسان على غزال ولا يشفق على إنسان آخر؟؟ ويجد بلادا ما شريرة لأنها تذبح الغزلان وليس لأنها تجلد امرأة بهذه الوحشية؟؟ تبدو الشخصية منفلتة من يد الكاتب، وكأنه نسي كيف وصف الشخصية في بداية الرواية ليعود ويعطي صورة متناقضة لها لاحقا.

ثم ما مغزى أن يكون بلدا شريرا لأنه يذبح الغزلان ليأكل لحمها؟ فهل كانت البطلة في مصر تأكل نباتا فقط، هل مصر لاتذبح الحيوانات لأجل لحومها؟ 

وفي صفحة 185، ثيودورا توجعت من فكرة أن يوصموا الخادمة بعلامة على وجهها، ألم تتوجع ثيودورا من فكرة جلد الخادمة؟؟

وهل شخصية ”ثيودورا“ الحساسة، تأسف على صليب أكثر من عقاب وحشي على خادمة؟

وفي صفحة 151 تسأل ”ثيودورا“ متعجبة (وهي في السودان): أي سكان في هذه الصحراء؟؟ وذلك حين يقول لها أحدهم ”أن البئر لا تصلح للشرب، وكانت قديما حلوة، يقصدها السكان“.

أليست ”ثيودورا“ كانت تعيش في مصر، ومصر جلها صحراء؟ فهل هي غريبة عن قوم الصحراء حتى تصاب بالدهشة لتكتشف أن الناس قد يأهلون الصحراء!.

وفي صفحة 151 يقول الأب ”بولس“ أيضا: ”هذه صحراء. أليست هذه أرض حكومة؟“. ليس واضحا هنا ما يريده الروائي، وما الإضافة بأن يقدم هذه المعلومة إن كانت الصحراء أرض حكومة أم لا.

وحين يتحدث عيسى (البربري) في صفحة 157 مع ”ثيودورا“ عن أنه يستطيع أن يتحدث لكنة مفهومة لاختلاطه بمصريين وترك، تعجب ”ثيودورا“ بذكائه، وتقول ”إن لديه حسا اجتماعيا لا يناسب البرابرة“. تبدو شخصية ”ثيوردوا“ ساذجة وشديدة الحساسية منذ اطلاعنا عليها بل استعجبت أن يكون في صحراء ناس وهي كانت في مصر، كما تعجبت كيف يأكلون لحم غزلان، ثم نراها فجأة تعرف البرابرة؟؟ ثم أليس (البربري) إنسان والإنسان كائن اجتماعي بفطرته، وبديهي أن يكون لديه حس اجتماعي؟؟

ويظهر تناقض شخصية ”ثيودورا“ أيضا بقولها لصديقتها: ”إنه مجرد بربري أسود يا هورتنيسا“. يحار القارئ بشخصية ثيودورا، تارة هي تحتقر البربري وتارة لا تستطيع أن ترى غزالا يذبح، وتارة تقابل جلد خادمة ببرود، وتبدو الشخصية منذ بداية الرواية قدمت بثغرات، إذ أن الكاتب لم يتابع تطور شخصيته بشكل حسن.

كما وكان هناك إلحاح في وصف علاقة ثيودورا بالسودان.

وفي صفحة 183 التي تتحدث عن سرقة الخادمة، ويبدو أن الجميع يعرف أنها تسرق، ولكن فجأة لا يفطن الجميع إلى ذلك إلا لحظة التي تساءلت فيها ثيودورا عن غرضها المفقود، وهم اكتشفوا سابقا حاجيات في عهدة الخادمة، ولكن ألم يسأل آخرون قبل ثيودورا عن حاجياتهم المفقودة؟ لماذا تشك ”فضل العزيز“ (المسؤولة عن الخدم) والتي تعرف عادة الخادمة بالسرقة بل واكتشفت سابقا أدلة، بها إلا في اللحظة التي فقدت فيها ”ثيودورا“ صليبها؟. هذه القصة الواردة عن السرقة، جاءت مفككة وهشة وغير محبوكة بشكل جيد.

وفي صفحة 184 حين تعاقب الخادمة على السرقة، تبدو ردات فعل الأب انطونيوس والراهبات، غير متوافقة مع شخصياتهم، فقد أظهرهم الروائي على أنهم إنسانيون، ولكن لا تظهر هذه الإنسانية مطلقا عند معرفتهم بالحكم.

وفي وصف مرض ”ثيودورا“ ظلت مريضة طوال عامين (أو فترة مبهمة لم يوضحها الروائي)، ماكان إذن معنى ذهابها للسودان إذا كانت تقضي وقتها في المرض؟ وماكانت الغاية حقا من إرسالها للسودان، إذ أننا لم نشهد مطلقا منذ نزول ”ثيودورا“ إلى السودان أي عمل لها في البلد.

وفي صفحة 194 تأتي ”هورتنيسا“ لصديقتها ”ثيودورا“ وقد عانتا العذاب والشقاء الكبير في السودان لتخبرها ”هورتنيسا“ بنيتها للهرب، لماذا تواجه ”ثيودورا كل هذا العذاب“ ثم لا تسأل حتى مجرد سؤال لصديقتها، كيف بإمكانها أن تهرب هي أيضا؟ أليس من المفترض أن تفكر الشخصية بالهرب بعد كل معاناتها؟ ثم وفي اللحظة الأخيرة، تقرر ”ثيودورا“ الهرب، يغيب التطور النفسي هنا للشخصية، فلا نلحظ لها صراعا داخليا كان يجب أن يظهره الروائي بين رغبة البطلة طوال الوقت بالهرب وخوفها من أن يمسكوها، ولكن فجأة تبدو البطلة تقبل هذه المعاناة وحين تحدثها صديقتها عن قرارها بالهرب لا تبدي أي تفاعل حقيقي، ثم فجأة في النهاية ودون سابق إنذار تطلب من ”يونس“ تهريبها، وهو أمر جاء مفتعلا، وكان لابد أن يتوافق مع تطور الشخصية.

كان على الروائي أن يتمعن أكثر بما يخص شخصية ”ثيودورا“ فهناك مواقف للشخصية لم تكن واضحة أو مفهومة.

وفي صفحة 189، نتساءل ماذا كان الروائي يقصد بقلب ”دروتا“ الفرح كهرة؟ هل تفرح الهرة بفرح مميز يمكن وصفه؟

ثم هل تعمد الكاتب أن يظهر بخيت همجيا قاتلا، مقابل ثيودورا المسيحية الطيبة؟

أم قصد الكاتب أن السوداني همجي مقابل الأجنبي المتحضر؟

وفي صفحة 203، يصف الروائي شهوة صبية في الرابعة عشر من عمرها ولكن من يتمعن بالحوار التي تقوله الفتاة التي تبلغ فقط 14 عاما، وتقول فيه لبخيت ”أنت قبيح، قبيح لدرجة أنك جميل، يا الله“. يجد أن الجملة فيها عمق فلسفي أكبر من سن الفتاة بكثير، ثم تقول ”أنت لست إنسانا، أنت وحش، خذني“ لا يبدو الحوار متوازنا مع سن الشخصية، فهذا حوار على الأقل كان بحاجة لصبية تبلغ الثامنة عشر على الأقل، ولا نعرف لم اختار الروائي عمر 14، فلا يبدو هذا واضحا.

وفي حديثه عن اللون الأبيض يقول بخيت في صفحة 204 ”ليس كل البياض قبحا“. فيقول له صديقه ”يا للنصرانية التي أفسدت دماغك..“. هل الإسلام أسود اللون فقط؟ إذ بدا وكأن بخيت اكتشف أن أصحاب اللون الأبيض ”المسيحيون“ فيهم الطيبون. ألم يشاهد ”بخيت“ مسلمون بيض وطيبون؟ رغم أنه وسط الترك والمصريين؟ 

يظهر المسيحيون طيبون مقارنة بالمسلمين الأميين والهمج لدى الروائي، وكان الأفضل أن يكون الروائي على حيادية ما وتوازن بين الأديان.

ويكرر الروائي كثيرا وصف ”الرائحة“ للسود، لأجل التكرار فقط، وهو حشو لم يكن له معنى، وكأن الكاتب يقول للقارئ ”أنظر أنا جريء وانتقد لوني“. لم يكن بحاجة للإلحاح ليدرك القارئ ذلك منذ أول وهلة.

في صفحة 423 احتار ”بخيت“ بمن يترجم له لغة يونانية، ولكنه لم يحتر بالإنجليزية؟ وهو أمر مستغرب. 

نستطيع أن نقول أن رواية حمور زيادة، قوية، جزلة، متماسكة، ولكن لا نستطيع أن نقول أنها رواية مدهشة. ففكرة العاشق والتي بدت واضحة منذ مقدمة الرواية، والذي يسعى للانتقام لمحبوبته، قتلت عنصر الدهشة.

والسرد رغم كثافة الجمل وعلو اللغة في غالبه، وقوة نبضه، إلا أنه لم يستطع أن يفر من التقليدية التي حكمته، ولو استطاع الكاتب على الأقل ابتكار سرد خلاق أكثر، لكانت الرواية قوية بامتياز.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك