حديث قديم جديد مع الأبنودي: العامية ليست انغلاقا

حديث قديم جديد مع الأبنودي: العامية ليست انغلاقا

المصدر: شبكة إرم ـ تاج الدين عبد الحق

عبد الرحمن الابنودي، الشاعر الصعيدي المصري العربي، شكل حضوره الفني والشعري في الساحة الثقافية العربية بهذا الوصف الثلاثي.

ومن الواضح أن الدوائر الثلاث التي ساهمت في تشكيل الأبنودي، لم تكن دوائر منفصلة، إذ أن أحدا لا يستطيع أن يتعسف ويحدد فواصل بين ما هو هم صعيدي وهم مصري وهم عربي في شعر الأبنودي، اللهم إلا إذا اعتمد المفردة المجردة، والتي لا يمكن بحال أن تكون معيارا صحيحاً لدراسة الشاعر، فالهم الصعيدي عند الأبنودي، هو جزء من الهم المصري والعربي، بل والإنساني بمعناه الواسع كما هو الصراع اليومي من أجل حياة تحمل معاني العدل والمساواة، والثورة على مفاهيم التسلط والاستغلال.

وإذا كانت اللهجة العامية، قد أعطت لشعر الأبنودي تلك الخصوصية، وذلك الترحيب، إلا أن هذا الشكل الفني لم يكن في أي مرحلة حاجزاً دون وصول الأبنودي إلى الناس، ليس في الصعيد المصري فحسب، وإنما في مصر والوطن العربي ككل.

ولعل شاعرنا قد أثبت من خلال وصوله إلى هذه القاعدة العريضة من المهمومين في وطننا العربي أن المعيار الحقيقي للإبداع هو الصدق في الموضوع، لا التفنن في الشكل.

بل لعل الأبنودي قد قصد منذ البداية أن يجعل من الشكل الفني لقصائده جزءاً لا يتجزأ من المضمون الشعري.. بحيث لا تبقى مفردات اللغة حاجزاً بينه وبين الناس الذين يعانون الأمية والفقر والمرض.

وقد نجح الأبنودي في أن يبعث القشعريرة والحرارة في نفوس أبناء الشام والخليج والمغرب العربي تماماً كما يبعثها في نفوس الصعايدة.

هذا حوار قديم جديد مع الأبنودي الذي التقيناه قبل سنوات في أبوظبي، ورغم اختلاف الزمن وتباعد المسافات يظل كلامه حتى يوم رحيله إضاءة على تجربة شعرية عميقة وجميلة لن تنساها الأجيال العربية من المحيط إلى الخليج. سألناه في البداية:

*ألست خائفاً أيها ”الصعيدي“ من أن تحول اللهجة بينك وبين مستمعيك؟

– أصلا أنا معظم أشعاري بلهجة جنوب مصر، أي لهجة الصعيد، وهذه اللهجة قريبة من اللغة الفصحى، والمنطقة التي خرجت منها وهي منطقة قنا والأقصر هي منطقة نقاء لغوي عربي، واللغة اليومية قريبة من الفصحى. وسكانها يستعملون مفردات فصيحة في تراكيب لغتهم اليومية.

معظم البلدان العربية وخاصة مناطق الجنوب منها، ليس بيني وبينهم غربة لغوية. وقد جربت ذلك في البلاد العربية ذات لهجة أصعب مثل تونس. حيث اللهجة شديدة الغربة عن اللغة الفصحى ومع ذلك عقدنا علاقة طيبة مع الجمهور التونسي. كذلك الحال بالنسبة للسودان، وقطر. وغيرها من البلدان العربية.

والمدهش في كل ذلك أنني شاعر أكتب باللهجة العامية، ومع ذلك أدعى للدول العربية، ومن الواضح أن القضية تجاوزت قضية اللغة لحد الشعر نفسه والمعاني التي يطرحها الشعر نفسه.

*ماذا تعني لك الكتابة باللهجة العامية ولماذا التجأت إليها؟

_ خرجت من بيئة تكتب الشعر الفصيح: والدي، وأخي الأكبر وآخرون في القرية. وقد جربت الكتابة بالفصحى، وخرجت إلى الشعر الحديث الفصيح، ثم ثجاوزت هذا جميعاً والتجأت للعامية وهي الشكل الذي استقريت عليه أخيراً، لأنه هو الشكل الذي استطاع أن يعبر عني بشكل طبيعي. نحن نعيش حياتنا باللهجة المحلية وسيكون نوعاً من الترجمة أن تحول مشاعرك البسيطة ومعانيك التي تلمسها مباشرة، إلى المفردة الفصحى، إذ أن تلك المشاعر والمعاني تفقد الكثير من حرارتها ودفئها.

* إذن، هل العامية شكل فني أم أن لها وظيفة لخدمة المضمون؟

_الاثنان معاً، هي شكل فني، لأن شعراء العامية يحملون شيئاً جديداً. الأمر الثاني أنك مادمت قد ارتبطت بقضايا معينة وطبقات معينة، لا يمكن أن تخاطبهم إلا من خلال الوسائل التي تدركها الطبقة وتكون معها علاقة طبيعية. فأنا اعتقد أن اللغة العامية بالنسبة لي هي أفضل معبر عني، وهي التي تعقد علاقة بيني وبين الشعب المصري خصوصاً والشعب العربي عموماً.

*الكتابة بالعامية تفترض اتوماتيكيا أن للشعر وظيفة، هي الالتزام بقضايا الناس..!

– طبعاً ولكن هذا لا يمنع من وجود شعراء يكتبون بالعامية ويضرون الناس ضرراً شديداً، ويحملون أفكارا رجعية. لكن في تاريخ الشعر العامي المصري بشكل عام أي من عبد الله النديم ومروراً ببيرم التونسي إلى فؤاد حداد وصلاح جاهين، ارتبطت الكلمة العامية بالتعبير عن وجهة نظر الشعب. ولم يبق من هولاء الشعراء إلا من ارتبط بشكل حقيقي من الناس. فأؤلئك الذين حاولوا اللعب باللهجة العامية والاشتغال لصالح الأحزاب سقطوا جميعاً، مع أن عددهم كان كبيراً.

* كيف توفق في بحثك لسيرة بني هلال بين الروابط القومية بين الأقطار العربية، والكتابة بلهجة قطرية؟

– أولاً في كافة الأقطار العربية معظم شعوبنا من أصول عربية وقبائل عربية مهاجرة. وأنا اعتقد أن الكتابة بالعامية لا تتعارض مع إيماننا بقوميتنا كعرب، وبأننا كيان موحد وأنه في طريقه لأن ينضج كبدن واحد. ولكني من جانب آخر أؤمن بخصوصية كل قطر عربي في صلته بتراثه وتقاليده وعاداته، ووسائله في الاستقبال والفهم والحوار.

وبالنسبة للكتابة فإن للعامية مأزقها وللفصحى مأزقها. الفصحى لا تستطيع أن تخاطب القطاعات الأمية في وطننا العربي، والعامية أيضا لا أستطيع أن أخاطب بها إلاشرائح محدودة من الناس. إنما تظل القيمة الفكرية والشعرية للشاعر، وهذا هو الذي يمكن أن يخترق اللغات كلها. وكلنا نسعى أن تزول الفوارق بين البلدان العربية.

واللغة ستنمو بالشكل الطبيعي، ويأتي اليوم الذي نتكلم به لغة بسيطة وواحدة. وهدفنا تطوير الإنسان العربي من منطلق قومي، وليس إيجاد عزلة شعوبية أو شوفينية.

أما بالنسبة للسيرة الهلالية، فقد وجدت أنها تجميع للجغرافيا العربية القديمة، وجمعتها لأن الناس تحفظها، تحفظ الشعر، وتحفظ تاريخها، والذي لا ترى تاريخاً غيره.

وإذا كنت تسعى حقيقة لتطوير العقلية العربية فإنك لا تستطيع أن تطورها إلا من خلال موروثها. ومن خلال القوالب التي ابتدعتها والتي استقرت في وجدانها وعقلها. وبدلاً من استلهام الأساطير اليونانية والإغريقية. فإننا يمكن أن نتجه إلى تلك الأبنية المستقرة في أذهان الناس وننفذ إليهم بالفكر الصحيح الذي نحاول أن نوصله لهم. أنا عندما أجد أن السيرة الهلالية موجودة في مصر والسودان والجزائر وموريتانيا والمغرب وليبيا، وموجودة بلغتها في كل وطن من هذه الأوطان، وأنها تؤدي نفس الوظيفة الأخلاقية والروحية والفكرية، فإنه لا يجب تجاهل هذا الموروث الراسخ، إلى جانب أنه يجب أن تدرس اللغة الذاكرة الشعبية لمعرفة كيف تحمل التاريخ عبر الأزمان، وكيف احتفظ العرب بتاريخهم دون كتب.

وأظن أنه من هذا المنطلق اعتبر أن السيرة الهلالية من أكبر الأعمال التي تدل على وحدة العرب قديماً وحديثاً.

* الواضح أن شعرك ارتبط بالأغنية في مصر، ما هو الأثر الذي تركته على الأغنية المصرية؟

– الأغنية في صعيد مصر لها وظيفة، هناك أغان تتردد في مواسم الحرث، والحصاد والري. وهي تبعث الحماس والحيوية بين الفلاحين.

وقبل أن أكتب الشعر وقبل أن ينضج وعيي الكامل كنت أستمع إلى الإذاعة وهي تردد أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم، وأتعجب أن الأغاني الجميلة التي يرددها أهل بلدنا لا تجد طريقها للراديو، ولذلك عندما جئت للقاهرة، بدأت أحس المسألة بشكل أنضج، وأحسست أن الراديو يتجاهل قطاعات مهمة في قضية الغناء.

وأول أغنية كتبتها ”تحت الشجر يا وهيبة“ لاقت صدى خرافياً وأصبحت تردد كما النشيد الوطني.

وفي فترة الستينيات استطعنا إلى حد بعيد أن نغير وجه الأغنية المصرية، لكن فيما بعد انتصر أصحاب أغاني الصالونات، لكن خلال فترة الستينات وضعنا بصمة واضحة على الأغنية. لكن مع الانتكاسة العامة التي أصابت تجربة الستينات انتكست التجربة التي بدأتها مع مجموعة من الملحنين في تلك الفترة، حيث كانت الأغنية في الواقع بنت تلك الفترة بكل ظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وليست الأغنية هي التي خربت فالمسرح والسينما أصيبا بنفس الانتكاسة بعد أن كانت قد اقتربت من عقل وروح المواطن العربي.

*إلى أي مدى استخدمت المسرح كقناة لإيصال شعرك للناس؟

ولماذا لم تترك نفس الأثر الذي تركته على الأغنية رغم أن المسرح وسيلة تعبير جماهيرية هامة؟

– عملت مسرحية واحدة هي مسرحية ”ليلة جواز سبرتو“ لكن أنا أعمل مع مسرح العرايس وعملت 6 مسرحيات، ورغم ذلك فأنا لست كاتباً مسرحياً لأن للمسرح مشكلة من دون كل الفنون، ولأن المسرح فن غير تلقائي فأنت عندما تبدأ بكتابة قصيدة تحس أنك متوتر بالشعر، وتبدأ في الكتابة دون أن تعرف بالضبط ما الذي ستكتبه. في حين أن المسرح يجب أن تعرف مسبقاً شخوصك وأبطالك، والأحداث.

فالمسرح فن تخطيط، وتكويني. الفن ضد العلم بما أكتب.

* القصيدة خرجت عبر تاريخها الحديث من قوالب عديدة، القافية والوزن إلى أن وصلت الآن إلى التحلل تماماً من القالب العروضي وظهر ما يعرف بقصيدة النثر. فما هو موقفك منها؟

– موقفي في الحقيقة من هذا النوع من الشعر كموقف السلفيين من الشعر الحديث.

مازال عندي الإحساس بضرورة أن تكون شاعراً أو لا شاعر. الشاعر يتطلب عناصر محددة يمكن التعرف عليها.

أنت ترى في أدب الرواية عند حنا مينة أو الطيب الصالح مناطق شعرية تحسدهما عليها، ورغم ذلك لا تقول عنهما أنهما شاعران لكن ممكن أن تقول أن هذه الرواية مطبوعة بطابع الشعر أو مختلطة به، لكن لا يمكن أن تقول أنها رواية شعرية رغم أنها قد تحدث بك الطرب الذي يحدثه الشعر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com