انتحار الروائي المصري عبدالظاهر المكاوي (صور)

انتحار الروائي المصري عبدالظاهر المكاوي (صور)

المصدر: نعمة عز الدين- إرم نيوز

خبرٌ لا تتجاوز كلماته بضعة سطور، منشورٌ في ركن صغير في صفحة الحوادث بصحيفة مصرية، مفاده انتحار شاب أربعيني، ألقى بنفسه من الطابق الرابع في أحد مباني مدينة العريش المصرية، لينتهى الخبر، ويبدأ الشعور بالحزن والصدمة، حينما نعرف أن هذا الشاب هو الشاعر والروائي ”عبدالظاهر المكاوي“، الفتى الصعيدي الحالم للعالم بحياة أفضل، المولود في عام 1975، الذي لم يتجاوز الأربعين من عمره، إلا بأشهر قليلة.

لم يتوقع الروائي والشاعر عبدالظاهر مكاوي، أن يكون هو الخبر الحزين على صفحات الجرائد، بدلًا من أخبار دواوينه الشعرية، ومواعيد حفلات توقيع رواياته، وأن كفاحه ليُنشر له ديوان شعر أو تُطبع له مجموعة قصصية، هو الموضوع المؤلم الذي لا يعرفه من قرأ خبر انتحاره، بل أنهى حكايته برسالة قصيرة لأحبائه، قبل انتحاره بساعات عبر صفحته على ”فيسبوك“، قال فيها: ”أيامنا الحلوة“، مزينة بصورته مع أصدقائه من شعراء وأدباء العريش، تاركًا مجموعة قصصية بعنوان ”وتبقى شجرة بيضاء“ و“علم فوق أرض سيناء“، وعشرات القصائد الشعرية هي كل ميراثه في دنيا الأدب.

3.jpg

1.jpg 2.jpg

القائمة الحزينة للشعراء والروائيين المصريين المنتحرين طويلة، ربما أقدمها يعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حينما فعلها الأديب السكندري الرقيق ”فخري أبو السعود“، وحيدًا، بعد أن تغلب عليه اليأس، وأطلق النار على رأسه بحديقة داره، بعد أن غرق ابنه في حادث سفينة، وانقطعت الأخبار عن زوجته الإنجليزية، التي تعرف عليها أثناء بعثته في إنجلترا عام 1934، نتيجة لتفوقه في الإنجليزية، فقد كان من أوائل خريجي مدرسة المعلمين سنة 1931.

لم يكتف الأديب ”فخري أبو السعود“، أن يكون معلمًا للغة الإنجليزية، بمدينة الإسكندرية، بل ألّف خلال تلك الفترة كتابه ”الثورة العربية“، ثم كتابه ”مقارنة بين الأدبين العربي والإنجليزي“، والذي نشر مسلسلًا في مجلة الرسالة، وترجم عن الإنجليزية رواية للكاتب توماس هاردي، وخط ثلاثة كتب ما زالت مخطوطة، أحدها عن ”الخلافة السياسية“، والثاني عن ”الشاعر محمود سامي البارودي“، والثالث ”التربية والتعليم“.

ولكن في خضم هذا النشاط الإبداعي والعطاء الفكري، سافرت زوجته لزيارة أهلها عام 1939، أثناء الحرب العالمية الثانية، ليفجع في وفاة ابنه، وهجْر زوجته، فيشعر أن الحياة أصبحت بلا قيمة، وأن التخلص من الحياة أرحم من الكتابة عنها.

لم يمر سوى عام واحد فقط على انتحار الأديب السكندري ”فخري أبو السعود“، ليستيقظ الواقع الأدبي في مصر، على انتحار واحد من أكثر الشخصيات الفكرية المثيرة للجدل خلال حياته، انتحر الكاتب ”إسماعيل أدهم“ عام 1940، بعد إصابته بالسل الذي كان يعد من الأمراض الميئوس الشفاء منها في ذلك الزمان، كتعجيل وحسم لصراعه مع المرض، بعد أن ترك كتبًا عميقة في مجالات مختلفة، منها: ”علم الأنساب عند العرب، وشرح للنظرية النسبية، وكتاب تحليل لشعر خليل جبران“.

الأديب الدكتور ”أسماعيل أدهم“، المولود بمدينة الإسكندرية من أب كان ضابطًا في الجيش التركي، وأم يعمل أبوها معلمًا للغة التركية بجامعة برلين.

وتعلم ”إسماعيل“ بالإسكندرية والأستانة، وقد حصل على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة موسكو سنة 1931، وعين مدرسًا للرياضيات في جامعة سان بطرسبرج، ولكن تبقى شهرته عالقة في ذاكرة الأجيال الأدبية حتى الآن، من رسالة كتبها عام 1937 الدكتور أحمد زكي أبو شادي، سمّاها «عقيدة الألوهية» يتحدث فيها عن وحدة الوجود٬ فكتب الدكتور إسماعيل أدهم رسالة مضادة، بعنوان ”لماذا أنا ملحد؟“.

واعتمد في هذه الرسالة، على نظرية النشوء والارتقاء، وبعض المعادلات الرياضية، لإثبات أن الكون جاء بالمصادفة البحتة.

ورد عليه أبو شادي، برسالة سمّاها «لماذا أنا مؤمن»٬ كما كتب محمد فريد وجدي رسالة بعنوان «لماذا هو ملحد؟»٬ وعقب عليهم جميعًا الشيخ مصطفى صبري، الذي كان من أكبر علماء الخلافة العثمانية بتركيا، في معركة من أهم المعارك الفكرية التي شهدتها ثلاثينيات القرن الماضي.

وتم التراشق في هذه المعارك، بالأفكار والرأي والرأي الآخر، ليتم العثور بعد أشهر قليلة من تلك المعركة الشهيرة، على جثة الدكتور إسماعيل أدهم، غارقة في مياه البحر المتوسط عام ٬1940 وفي طيات ملابسه رسالة إلى رئيس النيابة، يخبره بأنه انتحر لزهده في الحياة.

تتعدد أسباب الانتحار، ويبقى للموت رهبته وجلاله وحزنه على هؤلاء المبدعين، الذين لم يستطيعوا أن يعيشوا حلم الحياة الفضلى، ليقرروا أن يفيقوا من هذا الحلم، بالخروج من الحياة نفسها، وهم في ريعان الشباب، فتكتب الروائية الشابة ”أروى صالح“، في كتابها الشهير ”المبتسرون“: ”نحن أبناء الزمن الذي فقد فيه حتى الحزن جلاله، صار مملاً هو الآخر، مثل البرد، أو مثل الصداع، والملل لا يصنع فنًّا؛ فقط يصنع أناسًا مملين“.

مثلت الروائية أروى صالح، خريجة كلية الآداب جامعة القاهرة، حلم تيار كامل من شباب الستينيات الذي آمن بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية والعيش الكريم للجميع، في ظل عدالة التوزيع، لتصطدم مثل آلاف غيرها بـصخرة الواقع بشراسته وفساده، وغياب تلك العدالة على الأرض الإنسانية، لتعيش حالة من المرض الروحي والانكسار المعنوي، وثقتهما في كتابها ”سرطان الروح“، لتنهي معانتها بيدها، وتلقي نفسها من الطابق العاشر.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com