مخلفات حرب الرمال.. ”ألغام الموت“ تحصد مئات الأشخاص في ”السمارة“ المغربية

مخلفات حرب الرمال.. ”ألغام الموت“ تحصد مئات الأشخاص في ”السمارة“ المغربية

المصدر: عبداللطيف الصلحي – إرم نيوز

تحصد الألغام المزروعة في باطن أراضي مدينة السمارة المغربية، عشرات القتلى ومئات الجرحى سنويًّا، وسط مطالب بزيادة الجهود الحكومية لحل هذه القضية.

وتعد تلك الألغام من مخلفات ”حرب الرمال“ التي اندلعت بين المغرب والجزائر عام 1963، إذ زُرع في تلك الفترة أعداد كبيرة من الألغام بشكل عشوائي.

ويقول رئيس الجمعية المغربية لضحايا الألغام مهند مخلوف، إن ”أطفال هذه المنطقة الصحراوية القريبة من الحزام الأمني الفاصل بين المغرب والجزائر، يتجرعون قسوة العيش من مخلفات حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ويتحملون شظف العيش جرّاء إصابة آبائهم بألغام لا يُعرف كم عددها أو المساحة المدفونة بها“.

ويشير مخلوف، في حديث لـ“إرم نيوز“ إلى أن ”الجهات المسؤولة في البلاد لا تمتلك خرائط دقيقة تحدد أمكان تواجد حقول الألغام داخل المدينة وغيرها“.

شبح

”كل خطوة في الصحراء لها ألف حساب، وكل تحركاتنا سواء داخل أو خارج المنطقة تستنفر عائلاتنا“، بهذه الكلمات عبَّر عجوزٌ يجلس على قارعة الطريق بمقربة من محطة سيارات الأجرة بمدخل مدينة السمارة، عن قسوة الحياة في هذه المدينة الصحراوية، والخوف الذي يأسر جلّ سكانها من شبح الألغام.

فلا يكاد يخلو حي من أحياء السمارة، من عائلاتٍ راح أحد أبنائها ضحية لتلك الألغام.

والمتجوّل في مدينة السمارة، يلحظ وجود أسلاك شائكة متناثرة هنا وهناك، تتوسطها يافطة مكتوب عليها ”احذر من الألغام“، خصوصًا في مناطق: ”الخريبشات“ و“أمكالا“ و“سلوان“ و“الشبابين“ وغيرها.

عاهة مستديمة

فقد الأربعيني أحمد الوعبان، ذراعه اليمنى وعينه اليسرى، في انفجار لغم أرضي قبل 30 عامًا بمنطقة ”الشبابين“ الصحراوية.

ورغم أن هذه الواقعة مرّ عليها وقت طويل، إلا أن هذا الرجل لم يستطع نسيان ما حصل له عندما كان راعيًا للأغنام وهو في سن العاشرة.

بنبرات ممزوجة بالأسى والحزن، يروي الوعبان لـ“إرم نيوز“ كيف فقد ذراعه اليمنى، ونعمة البصر، قائلًا: ”في أحد الأيام كنت أرعى قطيع الماعز، حينها وقع بصري على مجسم حديدي دائري الشكل بين الأحراش وسط الصحراء، فضول الاكتشاف دفعني لتفحصه، وفجأة انفجر اللغم بمجرد أن لمسته يدي“.

ويضيف الوعبان: ”حينها لم أدرك أي شيء من حولي وأصبحت تائهاً وأنا أرى بأم عيني جزءًا مني مطروحًا على الأرض، وجسدي به حروق بليغة“.

ويتابع: ”في طفولتي كنت أخجل من الظهور أمام الناس، أما حاليًّا فلا أستطيع العمل نظرًا للإعاقة التي لحقت بي“.

ظلم الألغام

لا تختلف قصة خميس لحمادي وهو رجل أربعيني عن سابقتها، فكلها آلام وجراح، فقد روى لحمادي مأساته، قائلًا إن ”حياته أصبحت كالجحيم وتحوَّل من عامل منتج إلى عالة لا يصلح لأي شيء، والسبب لغم كبير هشم عظامه وهو بداخل سيارته، نتج عنه بتر في ساقه اليمنى وتشوّه في اليسرى وجروح جلدية غائرة“.

بترحيب كبير وكؤوس الشاي الصحراوية التي تفرض وجودها في مثل هذه اللقاءات، استقبل لحمادي مراسل ”إرم نيوز“ في منزل صهره الكائن بشارع ”المسيرة“ بإقليم السمارة، ليروي مأساته مع تلك الألغام.

ويؤكد لحمادي في حديثه مع ”إرم نيوز“، أن ”ساكني هذه المدينة يعيشون حربًا من نوع خاص، فالبعض يُقتل فورًا داخل الصحراء جرّاء الألغام والبعض الآخر يصاب إصابات بليغة تستمر معه طول العمر كما هي الحال معي“.

ويضيف وعلامات الغضب بادية على وجهه: ”صرت أكره وادي عنكة كرهًا شديدًا، لأن هناك فقدت رجلي عندما انفجر لغم من الحجم الكبير وأنا على متن سيارتي.. بقيت أنزف لساعات طوال، إلى أن قدِم رجال الدرك ليحملوني إلى مستشفى مدينة العيون“.

ويتابع: ”هناك بتروا رجلي وضمَّدوا جراحي الغائرة، وأجريت العديد من العمليات الجراحية إلى أن أصبحت مفلسًا وعالة على المجتمع“.

ويستمر العذاب‫

أحمد الوعبان وخميس لحمادي مجرد عينة صغيرة من هؤلاء الضحايا، ففي مقر ”الجمعية المغربية لضحايا الألغام“ بمدينة السمارة، يتجمَّع الضحايا وكلٌّ مِنهم تختزن ذاكرتُه جرحًا غائرًا، ومن بين هؤلاء وجدنا خديجة لكحل أرملة محمد لحماوي، التي روت لـ“إرم نيوز“ قصة زوجها الراحل ومعاناة أسرتها.

وتقول خديجة بلهجة صحراوية إن ”زوجها لفظ أنفاسه الأخيرة قبل 18 سنة وسط الصحراء وتحديدًا بمنطقة سلوان برفقة أصدقائه بعد أن داست سيارتهم على لغم كبير‫“.

وتؤكد أن ”المشكلة ما زالت قائمة ما دمنا نسمع بين الفينة والأخرى انفجار لغم هنا أوهناك بالمدينة“، موضحة أن ”مسألة محاربة الألغام تحتاج إلى دعم واهتمام كبيرين“.

ودعت خديجة الحكومة إلى ”توفير منظومة علاجية للتدخل الفوري، باعتبار أن أغلب الوفيات ناتجة عن المماطلة أو غياب الإسعافات الأولية الفورية بالمدينة علمًا أنها تُعدُّ حقلاً كبيرًا للألغام“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة