”كاسترو و ماركيز“.. حين يسقط المثقف في فخ الحاكم

”كاسترو و ماركيز“..  حين يسقط المثقف في فخ الحاكم

المصدر: نعمة عزالدين- إرم نيوز

في العام 2012، اجتمع الزعيم الكوبي الأشهر فيدل كاسترو،  والذي رحل عن عالمنا، صباح الجمعة، عن عمر ناهز التسعين، لأكثر من تسع ساعات متواصلة مع مثقفين من 22 بلداً، شاركوا في معرض الكتاب الدولي، بالعاصمة الكوبية ”هافانا“، من بينهم الحائز على جائزة نوبل للسلام 1980 أدولفو بيريث اسكيفيل، والحائز على جائزة سرفانتس 2005 وسيخيو بيتول، وعالم اللاهوت البرازيلي فراي بيتو، والصحفي الفرنسي الإسباني انياسيو رامونيه، حيث دعاهم إلى النضال من أجل السلام وعدم الانسياق إلى ”الإحباط والتشاؤم“.

واقترح آنذاك الزعيم الشيوعي ”كاسترو“، على مثقفي اليسار، تأليف كتاب يتضمن كل الأفكار المعبر عنها خلال أكثر من تسع ساعات من النقاش.

اللافت في هذا اللقاء التاريخي، بين الزعيم الكوبي ونخبة من مثقفي العالم، هو غياب الكاتب الكولومبي الكبير ”جابرييل غارسيا ماركيز”، المثقف العالمي المقرَّب من كاسترو، حيث تعود صداقتهما إلى العام 1958، عندما حل ”ماركيز“ في العاصمة الكوبية هافانا، لتغطية أحداث ثورة ”كاسترو“، من خلال فرع ”بوغوتا“ في وكالة أنباء كاسترو برنسالاتينا، لتستمر صداقة الرجلين حتى رحيل ”ماركيز“ العام 2014.

السؤال المعلق..لماذا سكت ماركيز عن زلات كاسترو؟

وعلى الرغم من أن مواقف ”ماركيز“ المعلنة كمثقف كبير وكاتب استثنائي رافض لجميع أشكال الممارسات القمعية لديكتاتوريات العالم، وديكتاتوريات أمريكا اللاتينية خاصة، والذي نفى نفسه طوعياً خارج هياكل البطش والقمع، معرفاً واجب الكاتب الثوري بقوله: ”أعتقد أن واجب الكاتب الثوري أن يكتب جيداً، ذلك هو التزامه“، إلا أن هذا الموقف الإنساني العاشق للحرية والعدل الإنساني من جانب مؤلف ”الحب في زمن الكوليرا“ لم يمنعه من صداقة الرئيس الكوبي ”كاسترو“ الشخصية الخلافية، والأكثر جدلاً في بلاده، والذي سيطر على زمام السلطة في كوبا، لخمسة عقود، واجه فيها الولايات المتحدة، وبقيت كوبا في ظل حكمه، البلد الشيوعي الوحيد في نصف الكرة الغربية.

صداقة ماركيز وكاسترو في مرمى الانتقادات

”غارسيا جابيريل ماركيز“، الذي عرفه العالم العربي من خلال أعماله الأدبية ذات النكهة الخاصة بعوالمها السحرية الغريبة التي رسمها في: ”خريف البطريرك“ و“الحب في زمن الكوليرا“ و“عشت لأروي“ و“مائة عام من العزلة“، والتي نال عنها جائزة نوبل، تعرض حينها لحملة انتقادات شنها عليه عدد من المثقفين، آخذين عليه تلك العلاقة الملتبسة مع الرئيس الكوبي ”فيديل كاسترو“.

تصدرت الحملة المنتقدة لماركيز الروائية الأمريكية ”سوزان سونتاغ“ المرأة المشاكسة في السياسة وحقوق الإنسان، فانتقدت الكاتب الكولومبي لصمته، إزاء ما وصفته بـ(حملة القمع التي شهدتها الجزيرة الشيوعية أخيراً ـ تقصد كوبا).

وأضافت ”سونتاغ“،“ بعض الكتاب يقررون اتخاذ مواقف في الميدان السياسي، ويرتكبون هفوات, غارسيا ماركيز على سبيل المثال، يبدو لي كاتباً كبيرًا لكنني غير موافقة على مواقفه السياسية, قد يكون كاتباً كبيراً حائزاً على جائزة نوبل, غير أنه مخادع وخبيث“.

كما كتبت الروائية الكوبية ”زوي فالديس“ عن علاقة ”ماركيز“ برئيس بلادها ”كاسترو“، قائلة :“ماركيز يقوم منذ سنوات بإنقاذ حياة شخصيات وصحفيين بإخراجهم من كوبا، لكنه يتناسى أن هؤلاء الأشخاص، لا يمكنهم أن يرووا ما حدث لهم، لأنه يطلب منهم عدم الإفصاح عن ذلك، حتى لا يسيء الأمر إلى مكانته لدى فيدل كاسترو“.

وانضم الكاتب المكسيكي ”أنريكي كراوزي“ إلى الحملة، فاتهم ”غارسيا ماركيز “ بتبرير الطغيان، حيث نشر مقالة بعنوان (غابوا في متاهته) في صحيفة (ريفورما) أخذ فيها على ”ماركيز“ استمراره في دعم ”كاسترو“ ، رغم الأدلة الواضحة على قمع جميع حريات التعبير والإبداع والإيمان والتجمع والتظاهر والتحرك والانتقاد والمبادرة والتصويت والانتماء السياسي في كوبا.

ماركيز يرد على منتقديه

ولم يصمت ”ماركيز “ طويلاً في وجه منتقديه، ولم ير في الصداقة التي تربطه بالرئيس الكوبي ما يستحق الانتقاد ككاتب كبير له موقف إزاء الحرية والعدل وحقوق الإنسان، ففي تصريح لصحيفة الـ(تيامبو) في بوغوتا، قال ماركيز: ”لا يمكنني أن أحصي عدد السجناء والمنشقين والمتآمرين الذين ساعدتهم على مدى 20 عاماً، وفي صمت مطلق على الخروج من السجن أو الهجرة من كوبا، مؤكدا أن العديد منهم لا يعرف ذلك، أما الذين يعرفون، فإن راحة البال والضمير تكفيني“.

ماركيز يشفق على كاسترو

من يقرأ رائعة ”ماركيز“ الروائية: ”لا أحد يكتب للكولونيل“ والتي طبعت منها حوالي إحدى عشرة مسودة، ربما سيكتشف أن هناك نوعًا من الإشفاق على شخصية الديكتاتور أكثر من التعاطف معه، حيث نقرأ فيها عن عقيد انتهى دوره السياسي، وأصبح خارج اللعبة، يرصد جزيئات حياته اليومية، عارضاً بؤسها، فالرجل الذي قضى حياته عسكرياً مرموقاً في ظل الديكتاتورية التي تحكم بلداً من بلدان العالم الثالث، أصبح الآن وحيداً، منبوذاً، يعاني من بؤس وفراغ مدمرين، يتشبث يائساً بالحياة، منتظراً بريداً لا يصل أبداً.

هل كان يرى ”ماركيز“ في ”كاسترو“، الكولونيل المتقاعد الذي لن يكاتبه أحد، وحيداً منبوذًا بما قدمت يداه وأفعاله؟! ..ستظل الإجابة على هذا السؤال معلقة، فـ“ماركيز“ و“كاسترو“ رحلا وتركا وراءهما إرثا اختلف العالم في تقييمه، و صداقة تتأرجح بين متفهم لها، ورافض لوجودها من حيث المبدأ.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com