طاحونة ”السويسة“ بلبنان.. مقصد سياحي ينتج ”ذهباً“

طاحونة ”السويسة“ بلبنان.. مقصد سياحي ينتج ”ذهباً“

عكار – ما يزال صوت حجر الرحى يعلو من بين حنايا جدران الطاحونة الوحيدة في منطقة ”عكار“، شمالي لبنان، ليمتزج مع خرير مياه نهر ”الأسطوان“ الذي يحرك حجارتها العتيقة، في سيمفونية تراثية يسمع لحنها منذ نحو مائتي عام.

ورغم اندثار العشرات من قريناتها، إلا أن القائمين على طاحونة بلدة ”السويسة“ المائية، في شمال لبنان، حافظوا عليها، كي يبقى هذا التراث الإنساني حياً، ولتتحول بعد عشرات السنين من بنائها على ضفة نهر ”الأسطوان“، إلى موقع أثري يحيط به العديد من المقاهي، والمنشآت السياحية، التي يقصدها، المئات من السياح خلال فصل الصيف.

                       20160121_2_13907875_4761275_Web

ويقول القائمون على هذه الطاحونة التراثية، إن الواقع الاقتصادي والاجتماعي السيء في بلدة ”السويسة“، والانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي، أعاد للطاحونة التي يحركها جريان مياه النهر مجدها، في مواجهة المطاحن الكهربائية الحديثة.

كما أن النكهة المميزة لخبز دقيق الذرة، الذي تنتجه طاحونة ”السويسة“، كما يقول أصحابها، تفوق عشرات المرات، طعم رغيف الخبز الاعتيادي، الذي ”يفتقد إلى الطعم والفائدة“، حسب رأيهم.

وإضافة إلى إنتاجها المميز، من دقيق الذرة الحجري، فإن تلك الطاحونة، باتت أحد أهم الأماكن السياحية والأثرية التي يقصدها أهالي منطقة ”عكار“، والشمال اللبناني، بشكل خاص، كونها تقع على المجرى الرئيسي لنهر ”الأسطوان“، الذي يعد شريان المنطقة المائي.

وتقع على مقربة من الطاحونة، عدة قرى تنتشر فيها المنشآت السياحية، والمقاهي المقامة على ضفتي النهر، والتي تستقطب المئات من السياح صيفاً.

الطاحونة تقع ضمن بناء حجري قديم يعود عمره، إلى أكثر من مائتي عام، كما يرجح أصحابها، ويجاورها شلال مائي خلاب، ما جعلها تستقطب السياح، للاستمتاع بذلك المشهد التراثي الذي تحتضنه الطبيعة.

                    20160121_2_13907875_4761278_Web

وحافظت هذه الطاحونة، على بقائها، لأنها تمثل مصدر رزق يعتاش منه أصحابها، في ظل ندرة فرص العمل والأزمات الاقتصادية، وغلاء المعيشة، إضافة إلى أن الكثير من المزارعين، والقروين، يقصدوها، لطحن أو جرش حبوب الذرة والقمح، ليحصلوا على ”البرغل“، و“الدقيق“، وهما المادتين الرئيسيتين في غذاء سكان القرى المجاورة.

ويقول المالك الحالي للطاحونة العتيقة، إسماعيل خالد مطر (56 عاماً)، إنه ورثها عن والده، وسيحافظ عليها ليورثها لأبنائه وأحفاده.

ويشير مطر، إلى أن طاحونته، هي الوحيدة التي ما تزال تعمل في المنطقة المعروفة باسم ”وادي نهر الأسطوان“، حيث تتوزع تسع مطاحن قديمة أخرى على مجرى النهر، ولكنها لا تعمل.

وحول الحقبة التاريخية التي بنيت فيها الطاحونة، يقول المزارع اللبناني، إن والده عايشها منذ صغره، وهناك رواية تقول إنها تعود لفترة الحكم العثماني، وأخرى ترجح عودتها إلى عهد الرومان والصليبيين، قبل مئات السنين.

وتحتاج الطاحونة المائية، لكي تدور رحاها إلى قوة في تدفق مياه النهر، لذلك فإنها تعمل لفترة محدودة، خلال العام تمتد من كانون الأول/ ديسمبر إلى نهاية كانون الثاني/ يناير، وفي بعض الأحيان تمتد فترة العمل إلى شباط/ فبراير.

وفي الآونة الأخيرة، باتت الطاحونة الأثرية، تواجه عقبات، من أهمها انخفاض مساحة الأراضي التي يتم زراعة الذرة فيها، وهو المحصول الأهم الذي تطحنه، إضافة لضعف تدفق مياه النهر، بسبب قلة هطول الأمطار في فصل الشتاء.

                       20160121_2_13907875_4761277_Web

من جانبه، يقول خالد محمود إسماعيل (50 عاما)، وهو من رواد طاحونة ”السويسة“، إن سكان ”عكار“ في الشمال اللبناني، يطلقون لقب ”مطحنة الذهب“ عليها، في إشارة إلى الطحين الذي تنتجه ولأنها الوحيدة المتبقية في المنطقة.

ويعرب إسماعيل عن أمله، أن تبقى الطاحونة تعمل، وأن يحافظ أصحابها عليها، ”لأنها جزء من تراثنا وتاريخنا العريق“.

ويشير إلى أنه يطحن سنوياً، نحو 100 كيلو غرام من الذرة، لافتاً إلى أن الطاحونة المائية، كانت في السابق موطئ قدم للمئات من اللبنانيين، والسوريين، الذين كانوا ينتظرون دورهم لأكثر من أسبوع، لطحن محاصيلهم من حبوب القمح والذرة.

ويقول إن ”هذه الطاحونة تجذب الأنظار لكونها مبنية من الحجر الطبيعي، كما أنها تتمتع بدرجة أمان عالية فيمكن، السير والجلوس إلى جوارها، والتمتع بالمشاهد الطبيعية الخلابة، ومشاهدة تراث أجدادنا الذي يعود عمره لمئات السنين“.

وتاريخياً، فإن المطاحن المائية، استخدمت في منطقة حوض البحر المتوسط، في القرن الأول قبل الميلاد، ولا زالت تستخدم في بعض الدول حتى اليوم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة