اغتصاب السمراوات.. إرث استعماري يظهر من جديد

اغتصاب السمراوات.. إرث استعماري يظهر من جديد

اعتداء البيض على السود جنسيا، قصة تمتد جذورها إلى القدم، بقيت فصولها المؤسفة على حالها ولم يتغير منها سوى أسماء الجناة، والضحايا. وكأن لوحة الفنان الهولندي، كريستيان فان كوينبيرغ، ”اغتصاب الزنجية“ التي تظهر اعتداء 3 رجال بيض على امرأة سوداء تعيد نفسها في كل حين مذكرة في كل مرة ببشاعة النظام العبودي القديم.

وإذ تستعد الإنسانية لتوديع عام 2015، تطل قضية اتهام 14 جنديا فرنسيا باعتداءات جنسية على 14 طفلا بإفريقيا الوسطى، برأسها على العالم، ليصير من المشروع طرح السؤال على طاولة البحث: هل الاعتداء الجنسي على الأفارقة عادة استعمارية؟.

ردود الأفعال كانت قوية، وجاءت من كل جانب، لا سيما من منظمات غير حكومية نددت بشدة بهذه التجاوزات التي وثقها تقرير داخلي لمنظمة الأمم المتحدة، وكشف عنها في أبريل/نيسان الماضي، مدير عمليات المفوض الأعلى لحقوق الإنسان، أندرياس كومباس، ما كلفه منصبه بداعي ”انتهاك بروتوكول“ المنظمة الأممية في هذا الجانب.

فرنسا سارعت من جانبها إلى فتح تحقيق في الغرض وتعهدت عن طريق الرئيس فرانسوا أولاند بعدم التساهل بتاتا مع هكذا قضايا، ولفي تصريحات صحفية، رفض وزير دفاعها جان إيف لودريان أن ”تشوه“ مجموعة صغيرة من العسكريين، صورة جيش بأكمله.

أما الاطفال الضحايا، وعدد من حددت هويتهم 10 أطفال، فإنهم يخضعون في الوقت الراهن إلى جلسات استماع على يد محققين فرنسيين بعثت بهم باريس إلى العاصمة بانغي – حسبما صرحت الثلاثاء للأناضول والدة أحد الفتيات، تدعى ايليزابيت آم – لإماطة اللثام على حيثيات القضية.

البروفيسور السوداني عبد الله إبراهيم، أستاذ التاريخ الاستعماري و ما بعد الاستعماري في إفريقيا بجامعة ميسوري بالولايات المتحدة الأمريكية يرى من جانبه، أن ”لا شيء جديد تحت الشمس“، فهذه الأحداث التي أثارت حنق منظمات حماية الطفولة، تعتبر مع شديد الأسف، أمرا ”مألوفا“ وتمتد جذورها إلى القدم.

وتابع عبد الله إبراهيم تحليله قائلا : ”نحن نتناسى أحيانا ما حصل في القرن 19 حين تجسد العنف الاستعماري عبر عمليات اغتصاب لجأ إليها الفرنسيون والبريطانيون ضد الأفارقة، غير أن هذه الممارسات لم تحظ بالتغطية الإعلامية التي تحظى بها الآن ملفات مماثلة، ولم تكن صادمة لأحد حينها، كونها كانت ظاهرة مقبولة في المخيال الأوروبي“

ويذكّر الخبير بأن ما اعتبر في ذلك الحين ”حقاً جنسيا“ لا يقتصر على القارة الإفريقية، فقد عمد الجنود الفرنسيون و البريطانيون إلى اغتصاب نساء ينتمين إلى القارة الأوروبية.

طرح أيدته خبيرة التاريخ، ميريام جيبهارددت في مؤلفها ”آلس داي سولداتن كامين“ (حين يأتي الجنود)، وأوردت فيه أن الجنود الفرنسيين و البريطانيين و الامريكيين قاموا باغتصاب 190 ألف ألمانية في قرى ومدن ألمانيا مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، على الرغم من أن مؤرخي ذلك الحين حاولوا إبراز الأمر على أنه ممارسات تتعلق بالدعارة أكثر منها عمليات اغتصاب، بغاية تمييع المسألة على ما يبدو.

وإن تناقصت حدة الظاهرة مع الوقت الراهن، بعد أن كانت عرفت أوجه في فترات العبودية والحملات الاستعمارية، فإن البعض يجد أعذارا – لا يقبلها المدافعون عن حقوق الإنسان – لتبرير ممارسات الجنود الذين كان يفترض بهم حماية السكان في مناطق الحروب، وهو الشأن على الأقل بالنسبة لوزير الدفاع الفرنسي السابق، جان بيير شوفانمان (1988-1991)، الذي اعتبر في تصريح لإذاعة أوروبا 1 في مايو/أيار الماضي، أن اغتصاب الأطفال يعود إلى ”ظروف العمل الصعبة“ التي يتواجد فيها العسكريون الفرنسيون.

وجاء تصريح الوزير الفرنسي السابق المثير للجدل كالتالي: ”من الواضح أن الدخول في اتصال مع سكان بائسين ومهمشين، يمكن أن يعزز من ممارسات من هذا الصنف“، قبل أن يؤكد على أنه ينبغي ”ترك الجيش الفرنسي بمنأى عن كل هذا لأنه يقدم خدمات كبيرة لإفريقيا ويتكفل بالمهام الموكولة إليه بطريقة جد احترافية“.

رد فعل الرئيس الفرنسي لم يستقبل في الأوساط الإفريقية بدهشة كبيرة، وقد عقب دبلوماسي إفريقي في حديث مع الاناضول على هذا التصريح قائلا إن ”عنجهية الساسة الفرنسيين تجاه إفريقيا ليس بالأمر المستجد، فقد حاولت فرنسا السيطرة سياسيا و اقتصاديا و عسكريا على القارة الإفريقية، وليس العنف الجنسي سوى تمظهر لهذه لإرادة السيطرة هذه“.

وختم الدبلوماسي حديثه بالقول: ”من الآن فصاعدا، ينبغي على الساسة الأفارقة فرض أنفسهم عبر المطالبة على سبيل المثال، بتسليط عقوبات حقيقية على القوات الفرنسية وعبر الالتزام بشكل أكبر في مجهود الحوكمة الرشيدة و حماية حقوق الإنسان في مناطق الصراع على وجه الخصوص، كي لا يتمكن أي بلد آخر من إبداء رأيه في مثل هذه المواضيع وإلحاق الضرر بنا في هذا الاتجاه“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com