تدمر وملكتها ”الزبّاء“ نافست عرش روما وأسقطها ”داعش“‎

تدمر وملكتها ”الزبّاء“ نافست عرش روما وأسقطها ”داعش“‎

المصدر: طهران ـ أحمد الساعدي

دمشق – بسقوط مدينة تدمر وسط سوريا في يد ”داعش“ وإقرار النظام السوري بذلك، سقط بيد التنظيم كنز تاريخي وأثري يلخص تاريخ حضارة تعود إلى أكثر من 30 قرناً من الزمن في المنطقة، وإرث مملكة سادت ونافست روما في سلطانها، بل طمحت ملكة تدمر العربية ”زنوبيا“ في أوج قوتها إلى أن تعتلي عرش روما.

وتثير سيطرة ”داعش“ على المدينة الأثرية في تدمر، المدرجة على لائحة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ”يونسكو“، مخاوف من نهب أو تدمير الآثار الموجودة فيها وفي متحفها، خاصة بعد أن قام التنظيم خلال الأشهر الماضية بتدمير عدد من المواقع والمدن الأثرية في المناطق التي يسيطر عليها مثل متحف الموصل بمدينة الموصل شمالي العراق، وآثار مدينتي النمرود والحضر التاريخيتين شمالي العراق، ما أثار موجة من الإدانة من قبل المنظمات الأممية المهتمة بالآثار، بحسب رصد مراسل ”الأناضول“.

التسمية

اسم تدمر(بالميرا باللاتينية) يعني ”الجميلة“ أو ”الأعجوبة“ بحسب الأبجدية القديمة الخاصة بها، وتلقب حديثاً بـ“عروس البادية“ كونها تتوسط البادية السورية وسط البلاد، واقترن اسمها بملكتها العربية ”زنوبيا“ التي كان طموحها أن تصبح إمبراطورة على روما.

الموقع والأهمية

موقعها استراتيجي منذ القدم حيث تعد محطة هامة على ”طريق الحرير“ أي طريق القوافل التجارية القديم الواصل بين الصين وروما، وحديثاً هي تصل العاصمة السورية دمشق التي تبعد عنها حوالي 215 كلم فقط، بشرق البلاد ويمر فيها الطريق الرئيسي من العاصمة إلى محافظتي الحسكة ودير الزور.

آثارها القائمة من أكثر المواقع الأثرية شهرة في العالم، وورد اسم تدمر في رقم طينية (لوحات) تعود إلى القرن 18 قبل الميلاد وتذكر وثائق تاريخية أن الكنعانيين والعموريين والآراميين سكنوها منذ 30 قرناً قبل الميلاد، وهم الذين أعطوها اسمها ”تدمر“.

وصلت إلى أوج ازدهارها منذ القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، وأصبحت إمارة عربية في القرن الثاني للميلاد وكانت عاصمة التجارة الدولية بين الشرق والغرب، حكمتها أسرة عربية من أشهر ملوكها أذينة الأول وحيران وأذينة الثاني زوج زنوبيا ملكة تدمر الشهيرة، ووالد وهب اللات.

وتتميز بأن معالم الحاضرة القديمة شبه متكاملة، وتتوزع الأطلال فيها على مساحة تتجاوز 10كم2 ويحيط بها سور دفاعي من الحجر المنحوت، وآخر للجمارك من الحجر واللبن، وتتوزع بيوتها حسب المخطط الشطرنجي.

 وأهم معالمها القلعة الأثرية الشهيرة والمعابد، منها ”الإله بل“ و“بعلشمين“ و“نبو“ و“اللات“ و“ارصو“، إلى جانب الشارع الطويل وقوس النصر والحمامات ومجلس الشيوخ، والسوق العامة، ووادي القبور، والمدافن البرجية، كما يوجد في مدينة تدمر متحف كبير يضم آثاراً تعود لأكثر من 30 قرناً من الزمن.

الملكة زنوبيا

هي أشهر من حكم تدمر واسمها ميسون بنت عمرو ابن السميدع، تنحدر من عشائر الفرات الأوسط العربية ولقبت بـ“زنوبيا“ و“بت زباي“، واشتهرت أيضاً بلقب ”الزباء“ لغزارة شعرها وطوله، وكانت أمها ترجع بنسب إلى الملكة كليوباترا في مصر، بحسب مراجع تاريخية.

ولدت زنوبيا في تدمر وتعلمت في الاسكندرية (شمال مصر) فدرست تاريخ الإغريق والرومان وتخلقت بأخلاق كليوباترا وبطموحها، وكانت امرأة هاجسها المجد والسلطان، بحسب ما تصفها المراجع التاريخية.

ورأت في أذينة الثاني سليل العائلة الحاكمة في تدمر فرصتها لتحقيق هذا الطموح، وكانت تشهد معه مجالس القوم وجلسات مجلس الشيوخ، وهكذا نشأت معه على أهداف واحدة، وما إن وصلت إلى المُلك قتل زوجها، واعتلت العرش نيابة عن ولدها ”وهب اللات“ لصغره، وقادت الحكم ومجلس الشيوخ والحروب، كما قادت أعمال الإعمار والبناء.

أكثر الآثار القائمة حتى اليوم في تدمر، يعود الفضل في تشييدها إلى زنوبيا التي حكمت تدمر منذ اللحظة الأولى التي اعتلى فيها زوجها العرش على تدمر، فلقد كانت بذكائها وقوة شخصيتها قادرة على توجيه الحكم إلى حيث ما ترسم من مجد لتدمر ولسلطتها.

وعندما اعتلت العرش كانت لا تخفي رغبتها أن تصبح يوماً امبراطورة على روما ذاتها، وكانت زنوبيا تعد أولادها لاعتلاء العرش، وذلك بتعليمهم لغة روما وآدابها وتاريخها، واتخذت مظاهر القياصرة فكانت تركب مركبة ملكية تضاهي مركبة القياصرة، رصعتها بالذهب والفضة والأحجار الكريمة.

كانت روما اعترفت بوهب اللات ملكاً وبزنوبيا وصية عليه، فقامت الأخيرة بتوطيد حكمها في تدمر والبادية وبإقامة الثغور مثل قلعتي حلبية وزلبية، وما زالت آثار الثغرين قائمة حتى اليوم على ضفتي الفرات في محافظة دير الزور التي تبعد عن تدمر نحو 200 كم، وتمت لها السيادة على آسيا الصغرى ومصر.

وعثر على آثار تعود للحضارة التدمرية في شاطئ الساحل السوري (غرب) وقرب دمشق وفي الإسكندرية المصرية وبعلبك بلبنان.

وكانت زنوبيا تشرف بنفسها على عمليات التوسع والإنشاء، وتنتقل على ظهر فرسها تلبس لباس الرجال، تسوس دولتها بعين لا تنام ولا تغفل، وبعزيمة ترهب الرجال، وعلى الرغم من حجم إنجازاتها الحضارية ومن تحركاتها المجهدة، فإنها لم تنس يوماً حلمها بالتوسع في آسيا ومصر وروما، فلقد وصلت جيوشها إلى بيزنطة في العصر الروماني وقتلت هيراكليون قائد القصر، ثم فتحت الإسكندرية.

كانت روما قلقة جداً من توسعاتها، وبعد اعتلاء الإمبراطور ”أورليان“ العرش في روما سنة 270 م، الذي كان معروفاً عنه قسوته وبطشه، مارس أولاً ليناً إزاء زنوبيا فاعترف لها بالنفوذ على الإسكندرية، ثم لم يلبث أن نقض اعترافه واسترجع نفوذه على الإسكندرية بعد عام واحد، في وقت كانت فيه زنوبيا مسلوبة القوى حزناً على وفاة ابنها وهب اللات.

وكان ”أورليان“ يتابع انتصاراته في آسيا، حتى هدد تدمر، فكان عليه أن يقضي على تلك المرأة المناوئة لعرشه في روما، وقبل أن يغادر أنطاكية، كانت جيوش زنوبيا تجابه زحفه إلى تدمر، لقد كانت الحرب سجالاً، ولكن خصومها القابعين في حمص خذلوا جيوشها، فعادت إلى تدمر لكي يلاحقها ”أورليان“ ويحاصرها.

فحاولت الاستنجاد بالفرس، وذهبت متخفية لملاقاة ”هرمز“ ملك الفرس، وقبل أن تعبر نهر الفرات، كانت جيوش الرومان ترصدها، فقبضوا عليها وأعادوها إلى خيمة ”أورليان“ الذي عاد بها إلى روما أسيرة مكبلة بأصفاد من الذهب.

وتتباين الروايات حول وفاة زنوبيا مثلها مثل تفاصيل حياتها، حيث تذكر إحدى الروايات بأن زنوبيا لم ترضى أن تصل أسيرة إلى روما وأرادت أن تفوّت نشوة النصر على ”أورليان“ فتناولت سماً كان بخاتمها وهي في الطريق إليها ما أدى لموتها، في حين تذكر رواية أخرى أنها أكملت حياتها في ضاحية روما تيفولي، أما الرواية الثالثة فتذكر أن أحد العملاء حاول قتلها عندما دخل إلى قصرها متخفياً فلما اكتشفت أمره ابتلعت سماً كان في خاتمها وقالت المثل المشهور(بيدي لا بيد عمرو) والذي ينسب إليها حتى اليوم.

الأبجدية الخاصة

تتألف أبجدية تدمر من 22 حرفاً تكتب وتقرأ من اليمين إلى اليسار، ووجدت نقوش بالأبجدية التدمرية في تدمر، وفلسطين، ومصر ومواطن أخرى من شمال أفريقيا كانت قد سيطرت عليها أو وصلت إليها الحضارة التدمرية، وتشير بعض المراجع التاريخية إلى أنه عثر على نقوش مرقومة بالأبجدية  التدمرية في مناطق أبعد من ذلك مثل ساحل البحر الأسود وهنغاريا وإيطاليا وبريطانيا.

وأقدم النقوش التدمرية يعود إلى عام 44 قبل الميلاد، وأحدثها يعود إلى عام 274 للميلاد، بحسب المراجع نفسها.

متحف تدمر

وهو بناء حديث يضم آلاف القطع واللقى الأثرية التي تلخص 30 قرناً من الزمن، ويتألف البناء من طابقين، الطابق الأرضي يحوي منحوتات وفسيفساء ومصوغات ذهبية وأدوات فخارية وزجاجية وجصية.

وفي الطابق الأول، بيت ريفي ونماذج من الصناعات الشعبية في البادية مع وسائل الحياة والتنقل والإقامة في البادية، وبعض الحلي الشعبية، مع بعض المجسمات التي تعبر عن البيئة البدوية.

وليس بعيداً عن المتحف يقع الخان العثماني الذي رمم، وأصبح مقراً لمتحف التقاليد الشعبية التدمرية والبدوية نقلت إليه من المتحف الأثري.

المدافن التدمرية

لعل أبرز خصائص فن العمارة التدمري يكمن في عمارة المدافن التي تميزت بفخامتها وجمال تصميمها وبمحتواها الغني بالتحف والتصوير، مما يبعدها عن رهبة المقابر ويقربها من أماكن الاستقبال، حيث أن الموتى يوضعون فوق أسرة جنائزية تغطى بجدران وسقوف حجرية، أما مدخل المدفن فهو مغلق بباب حجري سهل الحركة.

والمدافن التدمرية على أشكال عديدة، أشهرها البرجية وليس لها نظير في العمارة الرومانية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com