فقاعة الفضائيات المصرية

فقاعة الفضائيات المصرية

القاهرة – في الوقت الذي أشارت فيه دراسة حديثة شملت عدة دول عربية، أعدها نادي دبي للصحافة بالتعاون مع شركة ”ديليوت“ العالمية للاستشارات والتدقيق، إلى انخفاض عائدات الإعلان في قطاع الفضائيات في مصر بنسبة 30% خلال الفترة من عام 2011 إلى 2015، فإن ذلك لم يمنع من حدوث زيادة مضطردة في أعداد القنوات الفضائية منذ ذلك التاريخ، وحتى بدايات العام الجاري، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات محيرة.

 هذه التساؤلات انطلقت من كون ”الإعلان“ هو ”الحليب الطبيعي“، الذي تعتمد عليه أي قناة كي تستطيع أن تظل على قيد الحياة، بحسب وصف الأكاديمي والخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز، والذي قال بدوره في تصريحات خاصة لوكالة الأناضول: ”ما نشهده الآن من قنوات تغلق وأخرى على وشك وثالثة تعيش في أزمات مالية، إنما يرجع إلى افتقاد هذه القنوات للحليب الطبيعي، واعتمادها على الحليب الصناعي“.

ومثل أزمة عدم توفر ”الحليب الصناعي“ التي تتسبب في تهديد حياة الرضع حال حدوثها في أي دولة، فإن حالة الجفوة التي حدثت بين الفضائيات وبين مصادر الحليب الصناعي، وهو ”المال السياسي“، وفق تعريف الخبير الإعلامي، تسببت في حدوث الأزمات واحدة تلو الأخرى، مهددة ”فقاعة الفضائيات“ التي امتلأت خلال الأربع سنوات الماضية بـ“الانفجار“ بعدما جفا عنها الحليب.

والفقاعة، مصطلح اقتصادي في الأساس، يرتبط بالإقبال على شراء الأسهم في البورصة دون وجود مؤشرات حقيقية لتحقيق الأرباح، وهو ما يؤدي لانخفاض حاد في أسعار تلك الأسهم، عندما لا تتحقق هذه الأرباح، وهو ما حدث في مجال الإعلام، خلال الفترة من بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 وحتى بدايات العام الجاري.

وشهدت مصر بعد الثورة إقبالا كبيرا على إنشاء قنوات فضائية، لم يتم استنادا إلى دراسات اقتصادية مستقبلية تدرس فيها طبيعة صناعة الإعلام ولا متطلباتها المستقبلية ولا حجم المنافسة، الأمر الذي يهدد بقاء هذه القنوات، كما قال سامي عبد العزيز العميد السابق لكلية الإعلام جامعة القاهرة.

وقبل ثورة 25 يناير/ كانون ثان 2011، كانت 9 قنوات تسيطر على السوق الفضائي، من بينها 3 قنوات دينية، إضافة إلى القناة الفضائية المصرية.

وشهدت الفترة اللاحقة للثورة دخول عدد من القنوات إلى المشهد الإعلامي تجاوز عددها الـ 20 قناة، مدفوعة بسيولة الأحداث السياسية، وصراع مصالح ما بعد الثورة، بين مؤيديها ومعارضيها، ثم ما لبثت أن غابت الأحداث السياسية عن الشارع المصري، وتبدلت مصالح الممولين لهذه القنوات بفعل الأحداث السياسية الإقليمية، فبدأت بوادر انفجار الفقاعة.

وظهرت بوادر الانفجار بشكل واضح في إغلاق قناة ”الفراعين“، وإنهاء تعاقدات عدد من مقدمي البرامج في قناتي ”الحياة“ و“النهار“، وتقليص ميزانيات برامج أخرى، واستغناء قنوات أخرى مثل ”سي بي سي“ عن عدد من العاملين.

وساعد على الوصول إلى هذه الحالة عدة عوامل نفصلها في الآتي:

أولا: نضوب في ضخ المال السياسي  

المفارقة بين انخفاض عائدات الإعلان في قطاع الفضائيات في مصر بنسبة 30% خلال الفترة من عام 2011 إلى 2015، وحدوث زيادة مضطردة في أعداد القنوات الفضائية منذ ذلك التاريخ، وحتى بدايات العام الجاري، ليس له تفسير عند الأكاديمي والخبير الإعلامي ياسر عبد العزيز، سوى أن الاموال التي دخلت في الصناعة لا تبتغي تحقيق الأرباح.

وقال عبد العزيز لوكالة الأناضول: ”جزء كبير من هذا المال، مال سياسي،  لم يضع في حساباته عوائد الاعلان ولم يستند إلى دراسات جدوى، وبالتالي لم تستطع هذه القنوات تحقيق تمركز في وسط الصناعة أو في المجال الاعلامي بناء علي توزان عائداتها وإنفاقها“.

وبحسب الخبير الإعلامي، فإن مشكلة الاعتماد على المال السياسي، أن وجود القناة مرتبط بمصالح من يمول، ومن ثم فإن تحقيق هذه المصالح، يكون مبررا لضخ الأموال، واختفاءها يكون مبررا لمنعها.

ثانيا: انتهاء دور مرحلي كان مطلوبا محليا وإقليميا

لعبت هذه القنوات دورا مرغوبا في الحشد للغضب الشعبي بحق نظام الرئيس الأسبق محمد مرسي، الأمر الذي قاد إلى مشهد 30 يونيو/ حزيران، حيث خرجت مظاهرات طالبت بعزل مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

وركز الإعلام في هذه الفترة على القضايا التي تمس احتياجات الجمهور وتجذب الانتباه، وهي غالبا ما تكون قضايا تغضب السلطة، ولقي هذا الدور قبولا لدى الممول المحلي والإقليمي، وبعد نجاحها في مهمتها، دخلت في مهادنة السلطة الجديدة، الأمر الذي أفقدها الجمهور، وبالتالي القدرة على التأثير.

ثالثا: الشروع في دور غير مرغوب فيه

وفي محاولة القنوات لاستعادة التأثير والمتابعة، شرعت في أداء دور غير مرغوب فيه محليا واقليميا، وانخرطت في مشهد لافت في انتقاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وعزا خالد صلاح رئيس تحرير صحيفة ”اليوم السابع“ انتقاد القنوات للرئيس، إلى رغبتها في زيادة نسبة المشاهدة، وذلك خلال حلوله ضيفا يوم الأحد 3 مايو/ آيار الجاري على برنامج ”السادة المحترمون“، الذي يقدمه الإعلامي يوسف الحسيني في قناة ”أون تي في“.

وربما يكون هذا التحول من الدور المرغوب إلى غير المرغوب هو أحد الأسباب التي أدت لتراجع المال السياسي.

غير أن اللافت هو انطلاق قناتين في وسط هذه الظروف الصعبة، التي تهدد بقاء القنوات الأخرى، وهما قناتا ”العاصمة“ و“Ten“.

ولا يفصل صفوت العالم، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، بين ظهور قناة ”العاصمة“ والدور المرغوب المنتظر منها.

وقال العالم: ”ظهور القناة يتزامن مع انتخابات برلمانية مقبلة، وربما تستطيع أن تكون (العاصمة) صوتا مسموعا ومعبرا وسط هذه الانتخابات، وبالتالي يكون ظهورها مفهوما في سياق أن الاستثمار في الإعلام في توقيت ينتظر انتخابات برلمانية أهم بكثير من استثمارات أخرى من وجهة نظر القائمين عليها“.

ويختلف الحال مع قناة (ten) والتي ينظر لها العالم نظرة مختلفة، مضيفا: ”هذه القناة مملوكة لوكالة إعلانية كبيرة وبالتالي يفهم ظهورها وسط الأزمات المالية للقنوات الأخرى لأن الاعلانات تستطيع أن تبقيها في ساحة الفضائيات“.

رابعا: رؤية النظام المصري لدور الإعلام

”الدور غير المرغوب للإعلام“، عبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة، عن تخوفه منه، وعبر عن رغبته في أن يكون الإعلام داعما ومؤيدا للسلطة.

وفي حفل تدشين حفر قناة السويس الجديدة في أغسطس/آب من عام 2014، قال السيسي معبرا عن هذه الرؤية: ”الزعيم الراحل جمال عبدالناصر كان محظوظا، لأنه كان يتكلم والإعلام كان معه“.. وأضاف أن ”الإعلام المصري عليه مسؤولية عظيمة، وعليه أن يكون في صف الشعب“.

ويبدو أن الخروج عن الخط المرسوم للإعلام أدى إلى بوادر توتر في العلاقة مع السلطة، الأمر الذي دفع أحدهم إلى انتقاد رؤية النظام المصري لدور الإعلام.

رابعا: ضعف السياسة والاحتجاج في الشارع المصري

متابعة الفعاليات الاحتجاجية والجدال السياسي، أحد أبرز عناصر جذب الجماهير لما تقدمه وسائل الإعلام، ولكن مصر تشهد الآن خمولا من الناحية السياسية، وكذلك الاحتجاجية.

ولم تعد في مصر أحزاب معارضة للسلطة بالمعنى الحقيقي لكلمة ”حزب معارض“، لأن أغلب تلك الأحزاب شاركت السلطة الحالية فيما يسمى بـ ”تحالف 30 يونيو“ الذي قاد الفعاليات المناهضة للرئيس الأسبق محمد مرسي، وأدت إلى عزله.

ومنذ صدور قانون التظاهر في نوفمبر / تشرين الثاني، قلت بشكل ملحوظ الفعاليات الاحتجاجية، بسبب العقوبات المغلظة التي يقرها القانون.

خامسا: تكرار القضايا والتشبع منها

وأمام حالة الجمود السياسي والاحتجاجي، بدأ الإعلام يكرر نفسه، ولم يعد أمامه سوى ”فزاعة الإخوان“ التي كثيرا ما يستخدمها بمبرر وبدون مبرر، الأمر الذي أفقدها مفعولها.

وحذرت مقالات صحفية وبرامج تليفزيونية من أن هذه الشماعة لم تعد ذات جدوى، وقال محمد بسيوني، القيادي بحزب الكرامة، إن ”شماعة الإخوان“ أصبحت أمرا مبالغا فيه لدرجة كبيرة.

ويحتاج الإعلام للتخلص من هذه الحالة، أن يكون صادقا مع الناس، بحسب سامي عبد العزيز العميد السابق لكلية الإعلام جامعة القاهرة.

وقال عبد العزيز: ”الرهان على بقاء القناة أو إغلاقها مرتبط باتجاهات الراي العام ومدى المصداقية لكل قناة، فالصادقون سيبقون والكاذبون سيخرجون“.

 سادسا: تراجع الاهتمام بالشأن المصري

تصاعد اهتمام الجمهور العربي بالأحداث الدائرة في اليمن منذ انطلاق عاصفة الحزم في السعودية، وأمام هذه الحالة تراجع الاهتمام كثيرا بالشأن المصري، ومع هذه التغيرات الإقليمية باتت الأولوية لدى الجمهور للقنوات الإخبارية لمتابعة تفاصيل عاصفة الحزم السعودية.

وفي المقابل لم تطور القنوات المصرية من أدائها وحبست نفسها في الشأن المصري، الأمر الذي دفع هذه القنوات إلى التركيز على أمور بدت مستفزة للمشاهد لعلاج اختفاء الأحداث المثيرة للمتابعة، مثل التركيز المبالغ فيه على قضايا ”سطحية“، مثل قضية قتل الكلب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com