التسول في فلسطين امتهاناً أو اضطراراً

التسول في فلسطين امتهاناً أو اضطراراً

المصدر: رام الله - من سراب عوض

مع تردي الأوضاع الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية؛ تفاقمت ظاهرة التسول، ولجأ المزيد من الأسر الى هذه الوسيلة البائسة، لتأمين الحد الأدنى من مستلزمات الحياة. فأمام المحال التجارية والبنوك ومحال الصرافة، وعند إشارات المرور، يرى الداخلون والخارجون والعابرون، نساء واطفالا وشيوخاً، يقتربون من هذا أو ذاك، متذللين طلبا للمال، أو عارضين سلعاً بسيطة يتوسلون شراءها.

(م.س) 16 عاما يجهر بصوته الحزين على مدخل الرعاية الصحية في مدينة رام الله ويلتفت يمينا ويسارا عل أحدا يشفق على حاله لينقذه هو وعائلته من الفقر والمرض والجوع. وينظر الكثيرون لفتى كهذا، على افتراض أنه يتحايل، وأنه متكاسل أصلاً، ويمتهن التسول قاصداً ومختاراً لهذه المهنة التي يفضلها عن سواها.

لكن الفتى (م. س) يقول:“أعاني وعائلتي ظروفا معيشية صعبة. والدي فقد بصره بعد إصابته بمرض السكري، وجميع إخوتي أصغر مني سناً. أحدهم خرج من المدرسة ويبيع المناديل الورقية، ومعظم الوقت يعود الى البيت غير موفق في بيع شي منها على النحو الذي يسد الرمق. وأنا المعيل الوحيد لأسرتي، وفي اليوم الذي لا أخرج فيه للشارع ننام دون طعام“!

امرأة أربعينية تفترش الأرض مع طفلها المعاق على دوار المنارة في رام الله، تكاد تدوسها أقدام المارة، توخياً لبعض الشواقل. وتقول: ”لي ثمانية أطفال أحدهم مصاب بالسرطان، وأنا مصابة بالضغط والسكري، توفي زوجي قبل 6 أعوام ولا معيل لنا“. وتمثل ”أم أحمد“ شكلاً أكرم وأدعى الى التجاوب. فهي أمرأة تجاوزت السبعين، تجر كيسين من النباتات البرية ( الخبيزة، والنعناع، والزعتر البري) بالإضافة إلى ورق عنب محفوظ في علب بلاستيكية، وتطوف بهما في السوق لعل أحدا من المارة أو المتسوقين من سوق الخضراوات يبتاع منها، أو يتصدق عليها بالمال.

تقول وهي تمسح ما جادت عيونها في ذلك المأزق من دموع:“لي خمسة أبناء ولديهم التزامات عديدة، وكل واحد منهم في بيته منشغل بأسرته، لذا أنا مضطرة للعمل لكسب قوت يومي، ولا أحب أن أبقى في البيت. أخرج إلى الجبل وأقطع النباتات البرية وأبيع منها وأجفف بعضها الآخر لأبيعه في غير موسمه والحمد لله على كل حال“.

مشاهد عدة، لمعوزين من الجنسين ومن كافة الأعمار يظهرون في كل مكان. أعدادهم تزداد يوميًا، في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في ظروف الاحتلال وتبعاته الاقتصادية بالغة الصعوبة.

توجهنا لاستقصاء خلفيات هذه الظاهرة المتفشية، إلى أستاذ علم الاجتماع بسام أبو عليان، الذي اعتبر أن التسول ظاهرة موجودة في كل المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن درجة تحضر المجتمع وتقدمه الاقتصادي، مشيرا إلى أن السبب الرئيسي في انتشار هذه الظاهرة في المجتمع الفلسطيني تعود لأسباب مختلفة أبرزها الاحتلال الاسرائيلي الخانق على الشعب الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وما تتعرض له الأسر الفلسطينية من هدم للبيوت وغياب المأوى، وبالتالي تلجأ بعض الأسر إلى التسول، باعتباره الطريق الأقصر للحصول على المال والكسب في ظل غياب فرص العمل.

واعتبر عليان أن الحد من الظاهرة يتطلب جهداً مجتمعياً كبيراً، تتعاون فيه المؤسسات الحكومية مع مؤسسات المجتمع المدني، بحيث يقف الكل عند مسؤولياته، كما أنه يحتاج إلى قيام المؤسسة الدينية وخطباء المساجد والوعاظ لبيان موقف الشرع من ظاهرة التسول لتردع شريحة أولئك الذين امتهنوا التسول باعتباره أقصر الطرق للحصول على المال.

من جهته أكد وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية د. محمد أبو حميد ، أن وزارته ترصد هذه الظاهرة بشكل مكثف، انطلاقا من مسؤوليتها الاجتماعية. فالمتسولون متنوعون، منهم الأطفال والمقعدون والنساء والرجال. ومساعدتهم تكمن في معرفة قدراتهم وتحديد الدعم اللازم لهم، منوها إلى أن الرجال الأصحاء يمكنهم العمل وتوفير مصدر رزق لعائلاتهم، وقد يكون ذلك بتعليمهم حرفة.

وأشار أبو حميد إلى أن وزارته وبالتعاون مع الشرطة ومديرية التربية والتعليم تقوم بإعادة الأطفال المتسربون، الذين تدفعهم أسرهم إلى الشوارع للتسول، إلى مدارسهم وتوفير احتياجاتهم.

فهؤلاء الأطفال إما متسربون من المدارس لهذه الغاية، أو يمارسون عمالة الأطفال في أسواق المدينة أو على حواجز الاحتلال، ما دفع وزارة الشؤون الاجتماعية الى مخاطبة المحافظات لضرورة المساعدة في الحد من هذه الظاهرة. وتم على الفور تشكيل لجنة لمتابعة عمالة الأطفال في عام 2011 تضم المحافظة وشرطة الأحداث ووزارة التربية والتعليم ووزارة العمل ووزارة الشؤون الاجتماعية.

وتطرق أبو حميد إلى دور وزارته في حملة التوعية على الصعيدين الوقائي والعلاجي، مؤكدا على أنه لا يمكن السيطرة بشكل تام على هذه الظاهرة نتيجة الصعوبات المالية والاقتصادية والسياسية التي يمر بها الوطن.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة