قطار ”البراق“.. أيقونة مواصلات المغرب يحقق طفرة في ”مفهوم الزمن“ (صور)

قطار ”البراق“.. أيقونة مواصلات المغرب يحقق طفرة في ”مفهوم الزمن“ (صور)

المصدر: محمد نور - إرم نيوز

حين دشن العاهل المغربي الملك محمد السادس، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الخط فائق السرعة “البراق“ الرابط  بين طنجة والدار البيضاء، في منتصف شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، كسب المغرب بذلك الريادة إفريقيًا في مجال النقل السككي، وحقق أهم إنجاز تحديثي في عهد الملك، الذي جلس على العرش قبل عقدين من الزمان.

ويمتد الخط  فائق السرعة على مسافةٍ تناهز 350 كيلومترًا بين طنجة، بوابة المملكة وإفريقيا، على أوروبا، وبين الدار البيضاء؛ الحاضرة الاقتصادية والمالية والقلب النابض للمغرب، على أن يمتد الربط فائق السرعة إلى مدينة مراكش في أفق 2025.

كلف المشروع أكثر من ملياري دولار أمريكي، واستغرق إنجازه نحو 11 عامًا، فقد أعطى العاهل المغربي انطلاقة المشروع رفقة الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، في عام 2007 بمدينة طنجة، وتولت إنجازه مجموعة “آلستوم“ الفرنسية.

البراق.. الوعي بالوقت

شيماء صحفية شابة في منتصف عقدها الثاني بالكاد، انتدبتها مؤسستها لتغطية رحلة “البراق“ الأولى التي سافر على متنها العاهل المغربي والرئيس الفرنسي.

التقيناها بمحطة طنجة وروت لنا تجربتها الفريدة: “انطلقت الرحلة من طنجة بعد الظهر، وبلغت سرعة القطار، كما تعرضها الشاشات المثبتة في المقصورة 320 كيلومترًا في الساعة.. ذُهل الجميع، وخيم الصمت. فالتجربة غير مسبوقة إلا بالنسبة لقلةٍ قليلة سبق وخاضتها في أوروبا والعالم المتقدم.. بعد ساعةٍ و20 دقيقة وجدنا أنفسنا بالرباط، وكان الأمر سرياليًا بكل معنى الكلمة، ففي اليوم السابق كان الوقت المحدد للرحلة بين طنجة والرباط 4 ساعات، وغالبًا تمتد إلى 5 ساعات، أما إذا تأخر قدوم القطار، وهو أمر شائع، فقد تأخذ منك الرحلة من 6 إلى 7 ساعات“.

حين تدخل المحطة الجديدة بـطنجة تنبهر لضخامة المبنى ومواصفاته المعمارية والفنية، إنه مبنى من الجيل الجديد الذي تُستخدم في تشييده تقنيات هندسية ومعمارية وفنية بالغة الدقة والجمالية، حتى أنَّ المرء يحسب المحطة القديمة، المجاورة لأختها الجديدة، أطلالًا لمبنى من عهد الحماية، رغم أنَّها كانت قبل سنواتٍ قليلة مضرب المثل بين محطات المملكة، لا تتفوق عليها إلا محطة مراكش التي أنشئت من جديد بالكامل.

تُقتنى التذاكر من فضاء فسيح جُهز بكراسي وثيرة رُتبت على شكل مربعات مستقلة عن بضعها، وبكل مربع ينتصب مكتب يجلس عليه وكيل أو وكيلة من مكتب السكك الحديدية.

الطاقم بالكامل مؤلف من شبان وشابات يرتدون بذلات موحدة أنيقة رمادية اللون. كانت المعاملات تتم بسرعة لافتة مقارنة بما كان عليه الحال قبل أشهرٍ قليلة.

يقول أحمد، وهو مسؤول بالمحطة: “القطار فائق السرعة له حظ من اسمه، وبالتالي فكل تأخير أو تعثر في المعاملات يترتب عليه أثرٌ بالغ السلبية على كامل الخدمة وعلى انتظام الرحلات، وبالتالي على المشروع ككل.. نحرص على أن تُستكمل كل الترتيبات وتُغلق البوابات المؤدية للسكة قبل موعد الرحلة بخمس دقائق على الأقل“.

رحلة الأحلام

عندما تلج إلى السكة، تلمح القطار الفريد جاثمًا على سكته بألوانه الأخضر والأحمر- وهي الألوان الوطنية المغربية – عكس القطارات العادية ذات اللون الرمادي مع عارضة برتقالية؛ وهي ألوان المكتب الوطني للسكك الحديدية.

يميز المرء البراق أيضًا بقاطرته ذات الشكل المحدب وشديدة الضيق مقارنة بقاطرات القطارات العادية، كما أن العربات أقل ومرقمة بشكل أكثر بروزًا.

أمام كل بوابة تجد عنصرًا من الشرطة على الأقل تميزه ببذلته القاتمة الأنيقة مع سوارٍ برتقالي على الذراع كُتبت عليه “الشرطة“. تجد أيضًا مرشدًا أو مرشدة مهمته توجيه الركاب إلى المقصورات المناسبة، فالجلوس في البراق مؤطر وفق نظام الترقيم المثبت على التذكرة، وإذا حدث أن ضل أحد الركاب عربته، فقدره أن يقضي الرحلة واقفًا، اللهم إذا كان من حسن ظنه أن المقصورة ليست ممتلئة بالكامل، وهو أمر نادر. فمنذ تدشين البراق وهو يشهد إقبالًا منقطع النظير مرده أساسًا إلى انخفاض كلفته حتى أن أسعار تذاكره تنافس أسعار القطار العادي.

في الداخل، تلقى المقصورات وقد رُتبت مقاعدها المريحة خضراء اللون في صفين متوازين يتألف كل واحد منهم من رفين من المقاعد رُتبت على شكل مربعات (مقعدان مقابل مقعدان)، مع مسندٍ لليدين يفصل بين كل مقعدين متجاورين وطاولة صغيرة تتوسط المقاعد الأربع.

انطلقت الرحلة عن الساعة التاسعة إلا خمس دقائق ليلًا، فخيم صمت مطبق لا تقطعه إلا وقع الإطارات الحديدية للبراق بنتوءات تقاطعات السكة التي تُؤمن تحويل مسار القطار من خط إلى آخر.

ما هي إلا 5 دقائق أو تكاد وتوارت عنا طنجة في موجات الضباب المخيم وغرقنا في موجةٍ من الظلام المطبق لا تنكشف إلا حين يمر القطار قرب إحدى القرى.

كانت عدادات السرعة تُشير إلى أننا نسير بسرعة 327 كيلومترًا في الساعة. تقول ”وداد“، وهي طالبة بمدرسة عليا للتجارة في عقدها الثالث كانت تجلس في المقعد المقابل “منذ أن بدأ تشغيل البراق تيسرت الأمور. لقد أنهيت حصتي الدراسية قبل ساعتين وسأتناول العشاء في البيت بالرباط.. في السابق، كنت مضطرة للمبيت في طنجة، ولا يُمكنني السفر إلى الأسرة إلا في صباح اليوم التالي.

واصل “البراق“ مسيره دون توقف إلى أن وصلنا القنيطرة بعد خمس وأربعين دقيقة، وهناك أحرزنا توقفًا قصيرًا ربما لم يتجاوز دقيقتين نزل خلالهما الواصلون وركب المغادرون إلى الرباط والدار البيضاء.

بين القنيطرة والرباط، نقص القطار من سرعته، وهو أمر علله أحد الوكلاء، الذي جال بين الركاب لمراقبة التذاكر، بكثرة منعرجات وتقاطعات الخطوط السككية.

استغرقت الرحلة بين القنيطرة والرباط 25 دقيقة وهي نفس المدة التي تستغرقها رحلة القطار العادي، ما يستدعي التفكير في إحداث خط خاص بــ“البراق“ وإن كان الأمر متعذرًا نظرًا لكون الخط السككي الموروث عن حقبة الحماية الفرنسية يمر وسط مدن القنيطرة والرباط والدار البيضاء، وبالتالي فإن إحداث خط جديد يعني حتمية إقامة محطاتٍ جديدة بعيدة من مراكز هذه المدن.

 ما تزال أشغال التهيئة متواصلة بــمحطة “الرباط المدينة“ وبالتالي لم يتوقف بها “البراق“، وواصل مسيره إلى المحطة الثانية “الرباط أكدال“، وهي تحفة معمارية بكل المقاييس، حتى أن ”رضا“، وهو مقيم ببريطانيا، يؤكد أنها ربما تفوق جمالية كثيرًا من محطات لندن.

بعد النزول، تصعد عبر سلم كهربائي إلى فناء الوصول المزركش وفق التراث المغربي الأصيل، وقد رُصت على حوافه موانع من الزجاج السميك تمنحك رؤية “بانورامية“ لكامل المحطة.

تنزل عبر سلالم أخرى إلى البوابة الرئيسة، وفي تلك الأثناء يُنادي نظام التوجيه الصوتي “القطار فائق السرعة القادم من طنجة والمتوجه إلى الدار البيضاء الميناء يغادر بعد قليل.. المرجو الابتعاد عن جادة الرصيف“.

أطلق “البراق“ صوت منبهه المدوي وانطلق سابحًا إلى البيضاء. ما يزال بوشعيب على متنه، وهو القاصد مراكش عبر الدار البيضاء.

قهوة في طنجة وعشاء في الرباط

عبد الله موظف بالقطاع الخاص في الرباط، ولكن هواه “طنجي“، فقد أمضى بحاضرة البوغاز سنوات لا تنسى من شبابه، ويحرص على زيارة المدينة بانتظام، وكان الأمر مشقة بالغة، أما بعد تدشين البراق فقد بات الأمر نزهة حقيقية.

يقول عبد الله: “اليوم مثلًا اصطحبت زوجتي، التي اقترنت بها حديثًا، إلى طنجة بعد تناول الغداء في الرباط. وصلنا طنجة ظهرًا وتناولنا قهوة المساء بأحد المقاهي على شاطئ المتوسط، وها نحن نعود إلى الرباط…إنه أمر لا يُصدق.. حقيقة هذا المشروع هو أهم مشروع تحديثي بالمغرب في العقود الأخيرة“.

وآخرون في الانتظار

حين نزلت من “البراق“، في الرباط، تركت بوشعيب على متنه وهو القاصد مراكش. سيصل بوشعيب البيضاء بعد أقل من ساعة، لكن الرحلة إلى مراكش ستستغرق ساعاتٍ طويلة وفي أحسن الحالات فإنه لن يصل إلا فجرًا، فالربط بين البيضاء مراكش تؤمنه القطارات العادية، وهي بطيئة ومواعيدها شديدة الاضطراب حتى أن التأخر عن مواعيد الانطلاق قد يصل أحيانًا نحو ساعتين.

حين روى عبد الله قصة غدائه وعشائه بالرباط وبينهما قوة وجولة في طنجة، لم يُخف بوشعيب غبطته وهو العاشق لمدينة طنجة.

يقول بوشعيب “أحلم بذلك اليوم الذي تصل فيه سكة (البراق) مراكش لتُصبح مدة الرحلة بين عاصمة النخيل وعروس الشمال ثلاث ساعات. حينها سوف لن أغبط عبد الله ولا سكان الرباط والبيضاء“.

سيظل حلم بوشعيب مؤجلًا إلى عام 2025 على الأقل.

فتح بالنسبة للقطاع الصناعي والطلاب

سألت أمين، هو شاب ثلاثيني يعمل بالقطاع الخاص، عن وجهته ودواعي سفره، أجاب “انا مكلف بالترانزيت في الشركة ولدينا سلع كثيرة نستوردها عبر ميناء طنجة المتوسطي، في السابق كانت هذه المهمة تأخذ مني يومين وتتطلب من الشركة توفير سيارة وسائق وحجز فندق لنا الاثنين لقضاء ليلتنا في طنجة. أما الآن، فالأمر تغير كثيرا. مثلا، سافرت في قطار السادسة صباحا وأنجزت مهمتي وها أنا أعود وأمامي متسع لتناول قهوة مع الأصدقاء قبل النوم“.

في طريق العودة جلست بجانبي فاطمة الزهراء، وهي طالبة في سلك ماستر خاص بطنجة وأستاذة للتعليم الثانوي مقيمة بالرباط.

تقول فاطمة إنَّ إطلاق خط “البراق“ حفزها على إكمال دراستها، فقد بات بإمكانها متابعة دراستها بطنجة في عطلة نهاية الأسبوع والعودة، إذ تصل طنجة مساء الجمعة وتحضر المحاضرات يومي السبت والأحد وتُقفل عائدة إلى الرباط مساء الأحد لتُدام بمؤسستها التعليمية صباح اليوم التالي.