جمال عبد الناصر.. رمز الكبرياء وزعيم الفقراء – إرم نيوز‬‎

جمال عبد الناصر.. رمز الكبرياء وزعيم الفقراء

جمال عبد الناصر.. رمز الكبرياء وزعيم الفقراء

المصدر: القاهرة- من محمد نوار

فقدت الأمة العربية رجلاً من أنقى الرجال، وأشجع الرجال، وأعز الرجال، كلمات بسيطة لكنها معبّرة عن شخصية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي رحل يوم الثامن والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 1970.

وُلد عبد الناصر في 15 كانون الثاني /يناير عام 1918، في قرية صغيرة تُسمى ”بني مر“ في محافظة أسيوط، كان والده يعمل ساعي بريد في وزارة الاتصالات، وبسبب طبيعة عمله كان يتنقل مع عائلته إلى أكثر من محافظة، حيث عاش في الإسكندرية فترة قصيرة ثم انتقل إلى القاهرة، ويقول ناصر في مذكراته: إنه عاش لمدة ثماني سنوات فقط في ”قريته المتواضعة والفقيرة..“، وتابع: إن ”خلفيته الفقيرة قد تكون وراء ميوله الاشتراكية، وحرصه على تحسين ظروف معيشة الفلاحين والعمال المصريين“.

خلال سنوات دراسته الثانوية، شارك ناصر في المظاهرات الطلابية ضد قوات الاحتلال البريطانية، وبعد حصوله على شهادة الدراسة الثانوية في عام 1937، دخل العسكرية الملكية المصرية وانضم للجيش المصري، حيث التقى مع عدد من زملائه في المستقبل، بما في ذلك أنور السادات وزكريا محيي الدين، وكلاهما شغل منصب نائبيه في وقت لاحق، وعبد الحكيم عامر الذي أصبح وزيراً للدفاع.

في عام 1942 تم نقل ناصر إلى السودان، حيث أسس هناك نواة ما يُعرف بتنظيم الضباط الأحرار، التي ينتهج أفرادها معارضة الاحتلال البريطاني لمصر، ورفض استمرار حكم العائلة المالكة، وهيمنة عدد من الإقطاعيين على الاقتصاد والبرلمان المصري، وفي عام 1948 كان عبد الناصر في الجيش المصري الذي حارب إلى جانب جيوش عربية أخرى تم إرسالها إلى فلسطين لإحباط قيام دولة إسرائيل، لكن النتيجة كانت هزيمة مذلة للجيوش العربية في حرب عام 1948، واحتلال فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل.

وبسبب الفساد في الأسلحة التي تم توريدها إلى الجيش المصري، كان التحرك ضد العائلة المالكة أمراً ضرورياً من قبل الضباط الأحرار، وفي 23 تموز/يوليو عام 1952 استولى عبد الناصر والضباط الأحرار على السلطة وتم إسقاط الملك، وبعد مرور عام أصدر المجلس الثوري لحركة الضباط الأحرار دستوراً جديداً، وتم إلغاء النظام الملكي، وأعلنت مصر جمهورية.

في عام 1956 انتُخب عبد الناصر رئيساً لمصر، وهو المنصب الذي شغله حتى وفاته في عام 1970، وخلال هذه الفترة قدّم ناصر للشعب العديد من التدابير الاشتراكية، بما في ذلك تأميم مختلف الصناعات، والشركات الخاصة، والبنوك، وتوسيع عمل القطاع العام بشكل كبير، وقدّم أيضاً مشروع الإصلاح الزراعي ومصادرة أراضي أثرياء وتوزيعها على الفلاحين، وكان الهدف من هذه التدابير الاشتراكية تحسين الظروف المعيشية للفلاحين.

بالإضافة إلى إصلاحاته الاشتراكية المحلية، اعتمد ناصر سياسة خارجية معادية للغرب ومناهضة للاستعمار، لكنه في البداية حاول التقرب إلى بريطانيا والولايات المتحدة لتوريد الأسلحة إلى الجيش المصري، لكن بعد رفض البلدين طلبه حصل على الأسلحة من الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، وعمل جنباً إلى جنب مع رئيس الوزراء الهندي ”نهرو“، والرئيس الإندونيسي ”سوكارنو“ على تأسيس حركة عدم الانحياز.

كما حاول ناصر الحصول على التمويل الغربي لبناء سد على النيل (سد أسوان)، من شأنه توفر الكهرباء إلى القرى والبلدات وزيادة مساحة الأراضي القابلة للزراعة المتاحة للمزارعين الفلاحين، في البداية وافقت إدارة الرئيس الأمريكي أيزنهاور على تمويل بناء سد أسوان، لكنها ألغت عرضها للاحتجاج على سياسات ناصر المعادية للغرب وتقاربه مع الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، والصين الشيوعية، وكانت ردة فعل ناصر تأميم شركة قناة السويس، على أمل استخدام الإيرادات المتأتية من الرسوم المفروضة على السفن العابرة للقناة لتمويل بناء السد.

ورداً على تأميم شركة قناة السويس، قامت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بعدوان ثلاثي على مصر عام 1956، وتحت ضغط من الأمم المتحدة اضطرت الجيوش الغازية لوقف عدوانها وتم نشر قوات حفظ السلام تابعة للأمم المتحدة في سيناء، لكن الحرب كثفت معارضة عبد الناصر ضد النفوذ الغربي، وجعلت منه مدافعاً قوياً عن القومية العربية والتحرر من السيطرة الاستعمارية، كما ساهمت الحرب في زيادة شعبية عبد الناصر في العالم العربي، ودعمت رسالته في العدالة الاجتماعية.

في استجابة لطلب من القادة العسكريين والمدنيين السوريين لدمج سوريا ومصر، تم إعلان الجمهورية العربية المتحدة عام 1958 كخطوة أولى نحو الوحدة العربية، ولكن انتهى الاتحاد في عام 1961 بعد امتعاض عدد من ضباط الجيش السوري والمدنيين من الهيمنة المصرية على السياسة السورية، وفي عام 1962 أرسل ناصر قوات من الجيش المصري إلى اليمن لدعم الثورة الشعبية ضد المملكة المتوكلية اليمنية، لكن قامت حرب أهلية بين الموالين للمملكة وبين الموالين للجمهورية العربية اليمنية، واستمر الوجود العسكري المصري في اليمن نحو خمس سنوات.

في أيار/مايو 1967 عندما طلب ناصر سحب قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة من سيناء، والتهديد بإغلاق خليج العقبة أمام السفن الإسرائيلية، شنت إسرائيل هجوماً مفاجئاً على مصر في الخامس من حزيران/يونيو من نفس العام واحتلت شبه جزيرة سيناء، وفي أعقاب هزيمة مذلة استقال ناصر من منصبه كرئيس للبلاد، لكنه تراجع في أعقاب تأييد شعبي واسع لبقائه.

بعد النكسة بثلاث سنوات توفي ناصر بنوبة قلبية في 28 أيلول/سبتمبر 1970، وحضر نحو خمسة ملايين مصري جنازته، فكانت أكبر جنازة في التاريخ، ولكن يظل إرثه موضوع نقاش حاد بين مؤيد ومعارض، إلا أن الجميع اتفقوا على أنه ناضل ضد الاستعمار الغربي، واستعاد الكرامة العربية، وكان يرغب في تحقيق الوحدة العربية والقومية، بجانب دوره في تحديث النظام التعليمي وجعله مجاناً للفقراء، فضلاً عن دعمه القوي للفنون والمسرح والسينما والموسيقى والأدب.

وفي هذا الإطار يقول فريد زهران نائب رئيس الحزب المصري الاجتماعي: إن ”ناصر سيظل زعيماً خالداً أبد الدهر، بسبب إنجازاته التي تعيش عليها الأجيال المصرية، بدءاً من توزيع الأرض على الفقراء، ومجانية التعليم، وإنشاء السد العالي وبرج القاهرة، جنباً إلى جنب مع آلاف المصانع والشركات“، وتابع: ”صعود ناصر إلى السلطة أزعج الغرب كثيراً، بعد أن شرع في قيام الوحدة العربية مع سوريا، ولكن تم إجهاض مشروعه بمخططات ومؤامرات عربية وغربية“.

واتفق في الرأي محمد سامي رئيس حزب الكرامة الناصري قائلاً: إن ”ناصر أعطى مصر والعرب الشعور بالكرامة الذي كان له السمة المميزة للأمة في عهده، كما سطر إنجازات داخلية أبرزها الإصلاح الزراعي، وتعبئة الشعوب العربية ضد الاستعمار، والتصنيع، بجانب تدابير اجتماعية واسعة“.

ويؤكد أن ناصر كان سياسياً براغماتياً وطنياً، يكره العنف والأنشطة الثورية المتطرفة، وكان هدفه الأساسي دائماً هو تطوير مصر وتحويلها إلى دولة حديثة، ومحاربة الفقر والجهل وتعزيز معنى الهوية الوطنية، موضحاً أن واحدة من المشاكل التي كانت تواجه مصر على أساس سنوي هي فيضانات نهر النيل، والتي كانت تهلك الأراضي الزراعية الخصبة، لكن كانت خطة ناصر بناء سد للاستفادة من مياه نهر النيل الغامرة لتزويد مصر بالطاقة الكهرومائية، والآن أصبح السد العالي من أهم مشاريع مصر القومية التي يعيش على أثرها الأجيال المتعاقبة.

ويشير د. محمد السيد أحمد أمين الشؤون السياسية بالحزب الناصري، إلى أن مشاريع ناصر القومية ما تزال تفيد المصريين، ولعل أبرزها بناء السد العالي ومصانع الحديد والصلب ومصانع الألمونيوم. وتابع: ”سيظل عبد الناصر نصير الفقراء ومفجر التحرر العربي من الاستعمار الأجنبي“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com