الاجتناب المعرفي.. ما الذي تهرب منه؟

الاجتناب المعرفي.. ما الذي تهرب منه؟

نختار أحيانًا البقاء في المنزل وعدم الذهاب إلى حفلة، لأننا نخشى التعرض للمجتمع، وأحيانًا نؤجل المهام والمشاريع وأكثر من التزام واحد، لأننا نخشى الفشل، وكل ذلك لأن شروطنا الذاتية تمنعنا.

في كثير من الأحيان عندما نمر بيوم سيىء، نقضي ساعات طويلة على هواتفنا المحمولة نشاهد الصور المتبادلة ومقاطع الفيديو.

نحن كبشرمبرمَجون على تجنب المعاناة والبحث عن المتعة والأمان. ومع ذلك، ففي محاولتنا لتجنب المواقف غير المريحة نصل في النهاية إلى بلورة الانزعاج.

وبهذه الطريقة فإنّ الشيء الذي تخبرنا به نظرية الاجتناب المعرفي لبوركوفيتش هو أنّ ما تحققه هذه الأنواع من القرارات الذهنية هو تعزيز إدراك الخوف.

الاجتناب يوفر راحة مؤقتة، هذا صحيح، لكننا بحاجة إلى التفكير في تكلفة هذا السلوك على حياتنا.

اضطراب القلق العام، على سبيل المثال، يعتمد على هذا النهج النفسي الذي بدلاً من معالجة حقائق معيّنة يختار تخيّل أحداث كارثية وبالتالي يبرر الحاجة إلى الهروب.

ماذا يمكننا أن نفعل في مثل هذه الظروف المرهقة؟

معرفة أنماط الاجتناب قد تمكننا من معالجة ما يخيفنا من أجل تقليل مقدار القلق الذي يحدّ من وجودنا.

يعتاد الناس في وقت مبكر جدًا على اجتناب ما يجعلهم غير مرتاحين.

الناس يؤجلون ما يزعجهم ويتجنبونه ويتهربون منه في محاولة عبثية لتصديق حقائق معيّنة غير موجودة. وهذا يمنحنا إحساسًا خادعًا بالسيطرة
الاجتناب المعرفي.. ما الذي تهرب منه؟
الإيثار الفعال.. ما هو؟

مفاتيح لفهم نظرية التجنب المعرفي حسب بوركوفيتش

العملُ بمبدأ "اِفعله رغم الخوف" لا يفيد دائمًا. نودّ أن نكون قادرين على التصرف في المرة الأولى في كل المواقف التي تقلقنا، لكن الأمر ليس كذلك. يماطل الناس ليس لأنهم كسالى، ولكن لأنّ بعض المهام تسبّب لهم الخوف أو القلق.

بعض الأشخاص يقعون في الإدمان على الكحول، أو غيره من السلوكيات المسببة للإدمان، لأنهم بحاجة للهروب من المعاناة. هناك الذين يشعرون بالأذى، وهناك الذين يحملون صدماتهم في صدورهم وبدلاً من معالجتها يصرخون في وجوه شركائهم ويَعرِضون إحباطاتهم عليهم.

الناس يؤجلون ما يزعجهم ويتجنبونه ويتهربون منه في محاولة عبثية لتصديق حقائق معيّنة غير موجودة. وهذا يمنحنا إحساسًا خادعًا بالسيطرة.

ومع ذلك، مع هذه الآلية الناقصة للهروب مما لا نحب نضاعف حصص القلق لدينا. لأنّ مشاعر التكافؤ السلبية لا تزال موجودة، وكامنة. الألم الانفعالي والقلق والخوف والإحباط هي المصهر الذي يفاقم حدة الأفكار السلبية والوساوس. على المدى الطويل، ما يفعله العقل المتجنب هو تعزيز المعاناة النفسية.

تشرح نظرية بوركوفيتش Borkovec للتجنب المعرفي كيفية عمل هذه الآلية وكيف يمكننا تعطيل مفعولها.

القلق والخلل الانفعالي من أسباب سلوكيات الاجتناب لدينا.

عندما تعتقد أنّ كل شيء سوف يسير على ما يرام

في دراسة أجريت عام 2006 قام الطبيب النفسي والأستاذ بجامعة بنسلفانيا توما بوركوفيك بطرح نظريةٍ لشرح ما وراء سلوك الاجتناب. غالبًا ما يكافح الناس لإيجاد حلّ عقلي لمشكلة ما. لكن في هذه المحاولة كل ما يمكنهم فعله هو تخيل المزيد من النتائج السلبية والكارثية.

لفهم ذلك نقدّم مثالًا بسيطًا: " أنا مكلف بعقد مؤتمر في نهاية هذا الأسبوع، وهذا الوضع يجعلني أشعر بالقلق. أحاول أن أفكر فيما يجب أن أفعله لكي أنجح، وأن أجعل كل شيء يسير على ما يرام، لكن ظني أنني سأرتكب خطأ وأقلل من شأني في عيون الآخرين وأقع في الحرج. لذلك، ما دمت أعتقد أنني لن أتمكن من التعامل مع هذا الموقف فإن ما أختاره هو اجتناب هذا الموقف والقول إنني مريض".

تعلَم أنه يجب أن تبدأ مشروعك الأخير، لكن مجرد التفكير فيه يجعل معدتك تؤلمك. تعتقد أنّ الأمر سينتهي بشكل سيىء
الاجتناب المعرفي.. ما الذي تهرب منه؟
الأفكار الإيجابية جسر عبور إلى برِّ النجاح

الخوف والأفكار السلبية التي تعزز أفكارًا معيّنة هي التي تجعلنا نعتقد أنّ مواقف معيّنة تفلت من إرادتنا. هذا التصور بأنّ هناك مجالات من حياتنا لا يمكننا السيطرة عليها يسبب القلق، ولتهدئته نختار تجنب ما يجب أن نواجهه. هذه التجربة النفسية هي أساس اضطرابات القلق.

خلل انفعالي وأحاسيس جسدية

يُحبّ الدماغ شيئين اثنين: الأمن والاعتقاد أنّ كل شيء تحت السيطرة. ومع ذلك فإنّ الحياة غير مؤكدة، وإذا كان صحيحًا أنّ هناك العديد من المجالات التي يمكننا السيطرة عليها إلا أنّ هناك أيضًا العديد من المجالات الأخرى الخارجة عن سيطرتنا.

إنّ معرفة كيفية التنقل بين اليقين والشكوك تمرين مهم للوصول إلى الرفاه النفسي والشجاعة.

والحال أنّ نظرية بيركوفيتش حول الاجتناب المعرفي تكشف عن جانب ثان. هناك ردود فعل بين مشاعر التكافؤ السلبية والأفكار المختلة.

من ناحية، هناك خوف وخجل وقلق، ولكن من ناحية أخرى هناك هذه الأفكار الكارثية التي تزيد من حدة هذه الحالات الانفعالية.

وبالمثل، كلما زادت حدة دائرة القلق هذه حدثت تغيرات جسدية أكثر تكرارًا (صداع، توتر عضلي، إلخ). كل هذا يخلق نمطًا أكثر حدة ومنهِكًا من المعاناة. تتكثف حدة سلوكيات الاجتناب لتقليل هذا الانزعاج الجسدي.

على سبيل المثال، تعلَم أنه يجب أن تبدأ مشروعك الأخير، لكن مجرد التفكير فيه يجعل معدتك تؤلمك. تعتقد أنّ الأمر سينتهي بشكل سيىء، وأنك ستفشل وهذا يؤلمك كثيرًا. لذلك تقرر أن تترك ذلك جانبًا وأن تفعل شيئًا يجعلك تشعر بالرضا، مثل التسكع مع أصدقائك.

من الواضح أنه كلما زادت مماطلتك قلّ الوقت المطلوب لإنجاز هذه المهمة وزاد القلق الذي ستشعر به.

وراء سلوكيات الاجتناب تختفي الحقائق الأساسية التي نحتاج إلى معالجتها وحلها.

وراء الاجتناب المعرفي يكمن الخوف والقلق والتعاسة والصدمة ومجموعة من الحقائق غير المريحة التي لا نعالجها. هذه الأبعاد تتخلل أفكارنا، وتجلب مخاوف مزمنة

كيفية إدارة سلوكيات الاجتناب المعرفي

كما أشار إليه العالم النفسي كارل يونج، وفقًا للتقرير الذي نشره موقع nospensees فإنّ ما تقبله يغيّرك حتمًا، وما تنكره يُخضِعك. هذا هو الشعار الذي يجب أن نستوعبه للتعامل مع سلوكيات الاجتناب والإنكار.

لهذا السبب تؤثر نظرية الاجتناب المعرفي عند بوركوفيك على حقيقة أننا جميعًا نؤوي سلوكيات اجتناب يجب أن نفحصها ونكتشفها ونواجهها.

دعونا نفكر في ذلك. في بعض الأحيان، للحد من القلق والتوتر نذهب للتسوق وينتهي بنا الأمر بشراء سلع لا نحتاجها. يختار الأشخاص الآخرون الانفصال عقليًا وقضاء ساعات على الهاتف المحمول.

وبالطبع، هناك أيضًا أولئك الذين يقعون في سلوكيات تؤدي إلى نتائج عكسية مثل الإدمان أو اضطرابات الأكل.

وراء الاجتناب المعرفي يكمن الخوف والقلق والتعاسة والصدمة ومجموعة من الحقائق غير المريحة التي لا نعالجها. هذه الأبعاد تتخلل أفكارنا، وتجلب مخاوف مزمنة، وأفكارًا مختلة وغير عقلانية. إذًا ما العمل في مواجهة هذه البانوراما النفسية المعاكسة؟

نحتاج إلى مواجهة هذه التجارب الداخلية (النفسية) من أجل التحكم بشكل أفضل في التجارب الخارجية. الهروب لا يحل شيئًا، فهو يوسع هاوية المعاناة، وهو في النهاية أصل معظم مشاكلنا الذهنية. لذا يجب أن نطلب المساعدة المتخصصة ونركز على ما يهم حقًا، على ما نفقده.

Related Stories

No stories found.
logo
إرم نيوز
www.eremnews.com