رحلة جيولوجية في ذاكرة الأرض في الجنوب التونسي

يتميز الجنوب الشرقي التونسي بآثاره الخالدة على امتداد الحقب التاريخية السحيقة منذ عهد الديناصورات إلى بداية وجود الإنسان، وكل منطقة من مناطق الجنوب تتميز بحضارتها الثرية.

تخبرنا الروايات العلمية الدقيقة أن ارتفاع وانخفاض مستوى مياه بحر “التيتس” على الحافة الشمالية للقارة الإفريقية طيلة الحقبة الجيولوجية الثانية أدى إلى العديد من الامتدادات الواسعة النطاق والتي غزت اليابسة في العصر الجوراسي العلوي (150 مليون عام) والعصر الطباشيري العلوي (90 مليون سنة)، ويظهر ذلك من خلال الترسبات الغنية بالحفريات البحرية كما أدت إلى تراجعات مهمة خلال العصر الترياسي (120 مليون سنة) والعصر الطباشيري السفلي (100 مليون سنة) تاركة المجال للحياة القارية، كما تشير على ذلك جذوع الأشجار المتحجرة وبقايا عظام الديناصورات.

وتمتاز الحقبة الجيولوجية الرابعة بظهور الإنسان الأول بحضارته البدائية وبميلاد الصحراء الكبرى وكثبانها الرملية المكونة للعرق الشرقي الكبير والتي تخللتها العديد من حقول الورود الرملية.

وتدعوننا المنطقة لرحلة “جيولوجية في ذاكرة الأرض” لاكتشاف أهم ثلاثة مواقع خلدها الزمان هنا، وهي: سهل بني غدير أو بقايا بحر “التيتس”، والحواجز “الجوراسية” لوادي الزعفران، وأخيرًا جبل ميتر أو منتزه “الديناصورات”.

يقع سهل بني غدير أو بقايا بحر “التيتس” في مدخل مدينة غمراسن، وفي أحد السهول العديدة المنتشرة والمكونة من الرسوبات من العصر الجوراسي الأعلى، موقع يحتوي على حيـوانات متحجرة كانت تحيا عندما كـان البحر يغمر هذه الربوع منذ (150 مليون سنة)، وكان المناخ المداري يوفر كل شروط العيش والتكاثر لهذه الحيوانات البحرية لتكون بهذه الوفرة وهذا التنوع. ويعد سهل بني غدير متحفاً مفتوحًا في الهواء الطلق، يبرز قدرة الإنسان في التحكم بالطبيعة والتغلب على قساوتها باعتماده الفلاحة مصدرًا للرزق.

أما وادي الزعفران، فتكونت فيه العديد من الحواجز الصخرية من المرجان أساسًا، وهي لا تزال ظاهرة في طبقات الحجارة الصلبة التي أنبنت منها القصور الصحراوية، وأشهرها قصر الحدادة، وبناءات أخرى على الضفة الشمالية لوادي الزعفران على سفح الطريق الرابط بين غمراسن وبني خداش. ويذكر هذا المشهد بجزر “البهاماس”.

وأخيرًا، عند خاتمة الطريق الملتوية التي تصل إلى جبل “ميتر”، وعلى أعلى قمة هذا الجبل، تم العثور على بقايا هذه الزواحف الضخمة وكذلك بقايا تماسيح وسلاحف وأسماك. كلها كانت تعيش منذ (100 مليون سنة) في سهول غندوانة الشاسعة والتي كانت تشقها أنهار عديدة وتغطيها غابات كثيفة كما تدل على ذلك جذوع الأشجار المتحجرة. وما تزال الحفريات والأبحاث متواصلة في المنطقة، وهي تكشف كل يوم عن أسرار هذا العالم المفقود.