الأحلام تحولت لكوابيس وسط تراخي طفرة البناء في تركيا

الأحلام تحولت لكوابيس وسط تراخي طفرة البناء في تركيا

المصدر: إرم نيوز- حنين الوعري

كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن طفرة البناء في تركيا بدأت بالانهيار مهددةً بتعميق أزمة العملة التي تدفقت إلى الأسواق العالمية وأثارت قلق المستثمرين وسط عمليات تصفية واسعة النطاق في الأسواق الناشئة.

ووفقًا للمستثمرين والمديرين التنفيذيين في قطاع الإنشاء، تم إلغاء أو تجميد عشرات المشاريع الإنشائية في الأشهر الأخيرة في جميع أنحاء تركيا، وتعاني عشرات الشركات بسبب دفع ديونها بالعملات الأجنبية وسط ضعف العملة المحلية.

وذكرت الصحيفة أن العديد من الشركات تعمل على البيع بأقل من سعر البناء وسط تضخم عدد المنازل المتراكمة في تركيا إلى نحو مليوني منزل وهو ما يكفي لتغطية 4 أضعاف متوسط المبيعات الجديدة السنوية.

وقال طاهر تيلي أوغلو، وهو رئيس اتحاد مقاولي البناء في تركيا الذي يضم 120 ألف شركة إن “قطاع البناء في تركيا مريض بل هو على حافة الدخول في حالة غيبوية، 70% من جميع أعمال البناء الخاصة توقفت أو تباطأت”.

انهيار مفاجئ

وأوضحت الصحيفة أنه مع كون الإنشاءات مسؤولة عن جزء كبير من الاقتصاد وتوفير الملايين من الوظائف، يرجح أن يكون انهيار فقاعة قطاع العقارات مؤلمًا بشكل خاص، كما أن انهياره سيعرض تعهد للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي فاز بولاية جديدة مدتها 5 سنوات في حزيران/ يونيو، بترسيخ رخاء أكبر للخطر.

وذكرت الصحيفة أنه خلال فترة رئاسة أردوغان، تحوّلت تركيا إلى موقع إنشاءات، إذ أطلق الرئيس العشرات من مشاريع البنية التحتية بما في ذلك مطار إسطنبول الجديد الذي وصف بأنه أكبر مطار في العالم.

وانتشرت المباني العالية والمجتمعات المسورة والمنتجعات الفاخرة بسرعة في أنحاء البلاد؛ فعندما تولى أردوغان الرئاسة في 2003، كان يوجد في تركيا 50 مركز تسوق والآن وصل ذلك العدد إلى ما يزيد عن 400.

ولفت التوسع السريع للقطاع انتباه شركات ذات خبرة قليلة في مجال العقارات، بحسب ما ذكرته الصحيفة، إذ هرعت شركات القماش والزراعة للاستفادة من القروض الرخيصة وعقود العمل العامة الجذابة، وأغلقت بعض الشركات مصانع لتشييد مساكن على أرضها.

وكانت طموحات أردوغان تزامنت مع سيل من السيولة أطلقته أبرز البنوك المركزية في العالم في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، ونتيجة لذلك، بُني العديد من المشاريع الإنشائية المنتشرة في أنحاء تركيا والمتجاوزة لخط أفق إسطنبول على ظهر قروض رخيصة بالعملة الأجنبية.

تكرار أخطاء أيرلندا وإسبانيا

أشارت الصحيفة  إلى أنه مع خسارة الليرة التركية أكثر من 40% من قيمتها مقابل الدولار هذا العام، أصبح سداد هذه القروض أكثر صعوبة، وفي الوقت نفسه ارتفع ثمن معظم مواد البناء التي يتم تسعيرها باليورو أو الدولار بشكل هائل.

وقال المسؤولون التنفيذيون في القطاع، إن بعض المقاولين لجؤوا إلى بدء مشاريع جديدة فقط لتحصيل مدفوعات جديدة واستخدامها لدفع ثمن الخسائر من المشاريع السابقة، وقال جوخان تاس رئيس شركة “كولدويل بانكر” للوساطة العقارية في تركيا “إنه مخطط بونزي كبي. ستكون هناك أزمة بسبب إفلاس المقاولين”.

من جانبهم، قال بعض الخبراء الاقتصاديون إن حدوث انهيار بقطاع البناء في تركيا قد يحاكي تجربة إسبانيا وأيرلندا قبل عقد من الزمن عندما دفع انهيار فقاعة السوق العقاري إلى دفع تلك الاقتصادات للركود العميق، وهذا يمكن أن يسحب معه الأسواق الناشئة الأخرى.

وقال بول مكنمارا، مدير محفظة الأسواق الناشئة في لندن في شركة GAM لإدارة الأموال: “يبدو هذا مألوفًا بشكل مروّع لما حدث في إسبانيا أو أيرلندا، نحن نراقب بعناية”.

وبيّنت وول ستريت جورنال أنه تقريبًا تم بناء 500 ألف وحدة سكنية كل عام بين عامي 1995       و 2005، والتي تغطي الطلب على نطاق واسع، وفقًا لاتحاد مقاولي البناء. أما في العام الماضي وحده، فقد تم بناء أكثر من 1.5 مليون وحدة سكنية؛ ما أدّى إلى انتشار العقارات غير المباعة.

انخفاض قيمة الليرة يزيد الضغط

وفقًا للبيانات التي جمعها اتحاد العقارات، ارتفع سعر الحديد بالليرة إلى أكثر من الضعف منذ كانون الثاني/ يناير 2017 . وارتفع الأسمنت بنسبة 80% منذ ذلك الحين، في حين أن القطع الكهربائية التي يتم استيراد معظمها أصبحت أكثر تكلفة بنسبة 70%.

وذكرت الصحيفة أن مالك شركة عقارية صغيرة في منطقة “اسنيورت” وهي على الطرف الغربي من إسطنبول يدعى ناصي كوركوت لمس هذا الارتفاع وظهر خلال حديثه عبر الهاتف خلال ظهيرة أحد الأيام الأخيرة، إذ ارتفعت نبرة صوته وقلقه قائلاً أثناء إغلاقه الخط “ها نحن ذا من جديد، كل المواد ارتفع ثمنها مجددًا”.

وتوقفت جميع مشاريع البناء في أنحاء إسنيورت، ووقفت شاحنات الأسمنت ساكنة أسفل المباني المرتفعة غير المكتملة يوم الأربعاء، كما أن سلسلة من متاجر الأجهزة والطلاء كانت فارغة، بحسب وصف الصحيفة.

وألقى كوركوت اللوم على السلطات لسماحها للناس الذين لا يملكون أي خبرة في البناء بالدخول إلى هذا القطاع، قائلًا: “أصبح الذين لا يملكون أي معرفة بالبناء، ودون مكاتب أو عقود، بنائين بين عشية وضحاها، لقد قتلوا تلك السوق”.

ولإعادة إحياء القطاع، بدأت الحكومة في منح الدعم، وفي آب/ أغسطس بدأت الحكومة بتقديم قروض ميسرة وخصم بنسبة 10% على 100 ألف عقار مع  وقف تصاعد الحد الأعلى من الودائع المطلوبة عند نسبة 10 %.

حلم تحوَّل إلى كابوس

وكشفت “وول ستريت جورنال” عن وضع زينب دوزجون أوغلو التي باتت تعيش في خيمة في ساحة رملية في إحدى المدن التركية بعد أن وافقت على هدم منزلها منذ عامين، وعبَّرت عن خيبة أملها بالقول: ” كان يجب أن يكون هذا منزل أحلامي”.

وكانت الخياطة المتقاعدة البالغة من العمر 60 عامًا وُعِدَت إلى جانب ألف أسرة بشقة واسعة في سلسلة من المشاريع الإنشائية الشاهقة في الجانب الآسيوي من إسطنبول. بيدَ أن الشركة المطوّرة نفَدَت منها النقود ولا يزال “حلم بروكلين” الذي تملكه دوزجون أوغلو خيالًا.

“وادي الذئاب”

كان مشروع “حلم بروكلين ” ظهر عام 2016 في حملة إعلانية ذكرت في مقطع فيديو مدّته دقيقة أنه “للأشخاص الذين يريدون حياة نشطة تشبه الأحلام في وسط المدينة”، بحسب ما نقلته الصحيفة.

وبيّنت الصحيفة أن دوزجون أوغلو وافقت وجيرانها على هدم منازلهم في مقابل الحصول على بدل إيجار مؤقت ووعد بشقق حديثة، وكانت الشركة المطوّرة التي تدعى “باني يابي” تدار من قبل المنتج التلفزيوني والكاتب راجي شاشماز، المشهور بمسلسله التلفزيوني ” وادي الذئاب/ Valley of the Wolves” الذي يدور حول عصابة مافيا تركية.

لكن الشركة المطوّرة بانا يابي توقفت عن دفع بدلات الإيجار وأخبرت العملاء أنها لا تملك ما يكفي من النقود لمواصلة العمل في المشروع.

وقال ماهر شاشماز، وهو المنسق العام لبانا يابي والمتحدث الرسمي باسم شاشماز، في تعليقٍ أرسله للصحيفة عبر البريد الإلكتروني: “المشكلة النقدية مشكلة شائعة في جميع شركات القطاع تقريبًا. بالطبع نحن نبذل قصارى جهدنا لحل المشاكل”.

وقال المتحدث أن المنتج التلفزيوني دخل صناعة البناء كمستثمر واشترى لاحقًا شركة بناء تكافح لإنقاذ مشروع “حلم بروكلين”. وحتى لا تصبح عبئًا على أطفالها، استقرت دوزجون أوغلو في خيمة على ساحة مشروع “حلم بروكلين الرملية”.

وذكرت الصحيفة أن السيدة التركية قلقة بشأن اقتراب فصل الشتاء، إذ قالت مستعيدةً ذكرياتها حول منزلها المهدوم ذي الحديقة الصغيرة وشجرة التين التي كانت تجمع ثمارها في الصباح: “عندما كان لديّ منزل، لم أكن فقيرة”. وخلعت نظارتها لتمسح دمعة وقالت ” الآن أصبحت متسوّلة”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع