فرنسا.. الملايين تحت خطر الفقر ولا حلول في المدى القريب

فرنسا.. الملايين تحت خطر الفقر ولا حلول في المدى القريب

تتفاوت حدة الأزمات التي تعصف باقتصادات القارة الأوروبية، حسب إمكانيات كل دولة وظروفها، فمن المؤكد أن إعصار التضخم كان تأثيره على دولة غنية مثل لوكسمبورغ مقتصراً على هزات خفيفة لركائز الاقتصاد، إلا أنه صدع بنى الاقتصاد التحتية في دول مثل إيطاليا وبولندا والمجر.

ومهما اختلفت ارتدادات هذه الهزات وتأثيراتها، تبقى دول القارة مجتمعة على وجع واحد، يسمع فيه أنين الاقتصادات المنكمشة والخوف من الركود الذي يزحف نحو أسوار القارة، ولا شيء يجابهه سوى ميزانيات طوارئ وإجراءات خجولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

والواقع ينذر بأيام عجاف، الطبيعة والمناخ قررا تأخيرها، لكنها قادمة لا محال، وستكون مدوية في حال استمرار توقف إمدادات الغاز الروسية، حتى مع احتمالية نجاح القادة الأوروبيين بتأمين بدائل من مصادر أخرى في الشرق الأوسط وأمريكا، لن يكون من السهل إعادة ملء المخزونات الأوروبية قبل الشتاء القاسي المقبل.

ضائقة خانقة في فرنسا

وتعاني فرنسا من اجتياح الفقر لشرائح مجتمعية واسعة على إثر التضخم وأزمة الطاقة، وهذا يخلق واقعاً جديداً لأسر غير مستقرة تتلمس قوتها اليومي، وأبرزها الأسر الوحيدة الوالد وكبار السن ذوو المعاشات المنخفضة والتقاعدية، والأفراد الذين لا مأوى لهم.

وقالت منظمة Secours Catholique، إن تسعة ملايين شخص يعيشون تحت خط الفقر في فرنسا بمتوسط دخل شهري يساوي 500 يورو تقريباً، وهو مبلغ قيمته أقل بمرتين من خط الفقر الذي حدده المعهد الوطني للإحصاء.

9 ملايين شخص يعيشون تحت خط الفقر في فرنسا بمتوسط دخل شهري يساوي 500 يورو تقريبا.

وتحدثت المنظمة في تقريرها الذي صدر مؤخراً عن شريحة من المجتمع الفرنسي يعيشون في ضائقة اجتماعية واقتصادية، بسبب عدم قدرتهم على الاستفادة من الخدمات الاجتماعية والمساعدات نتيجة ما أسمته الفجوة الرقمية، وضربت مثالاً على أشخاص لم يعودوا يأكلون كل يوم للسماح لأطفالهم بأكل ما يتوفر، وأشخاص يغسلون الأطباق كل يومين فقط لتوفير الماء الساخن.

أرقام التضخم وهمية

وقال الفرنسي ماتيه كورنيل (51 عاماً) لـ"إرم نيوز": "لم نتعافَ من أزمة كورونا الاقتصادية بعد، وأدت الأزمات المتتالية إلى تفاقم المشكلة، كيف أعيش أنا وعائلتي بمبلغ قدره 1500 يورو شهرياً في هذا الغلاء..!؟ باختصار.. يتوجب عليّ الاختيار بين الإطعام أو التدفئة".

وأضاف كورنيل الذي يعيش في مدينة نيس ويعمل بائع سمك: "الأسعار كلها ارتفعت، وهناك الكثير من العائلات ليس لديها موارد كافية وليس لديها مدخرات، مثل عائلتي، وأعرف عائلات فقيرة أصبحت تأكل وجبتين في اليوم بدلاً من ثلاث لتتمكن من دفع الإيجار".

وختم كورنيل حديثه: "الشعور بآثار التضخم يختلف من شخص لآخر حسب دخله الشهري وقدرته الشرائية، لكن كل الأرقام التي تصدر عن المراكز البحثية وجهات الإحصاء غير نزيهة، ويتم التلاعب بها، خاصة في ما يتعلق بالتضخم والقدرة الشرائية، الوضع أسوأ بكثير مما يتحدثون عنه".

ووفقًا لمسح أجراه بنك دوفرانس، يعتقد نصف الفرنسيين أن التضخم أعلى من 7%، أي أكثر من المستوى الذي يقيسه المعهد الوطني للإحصاء "INSEE" وأن معظم الفرنسيين لا يتوقعون تباطؤ التضخم على المدى القصير.

أما الميزانية التي يخصصها الفرنسيون لشراء الحاجيات الكمالية فقد انخفضت بشكل كبير بحسب دراسة حول سلوك المتسوقين الفرنسيين قامت بها شركة In-Store Media.

وقرر 87% من المتسوقين في المتاجر التوفيق بين إمكانياتهم ورغباتهم بحسب الدراسة، كما يبدي حوالي 30% فقط من الفرنسيين استعدادهم لدفع المزيد مقابل المنتجات الصديقة للبيئة، وهي نسبة قليلة مقارنة بما قبل الحرب.

العادات تغيرت في العمل والمنزل

وقالت الفرنسية بيترا برونو (31 عاماً) لـ"إرم نيوز" إن "كل شيء تغير في الشهرين الأخيرين، عاداتنا الغذائية، وسلوك التسوق والتنزه وعطلات نهاية الأسبوع، أصبحنا نبحث عن النشاطات التي تحتاج إلى إنفاق أقل".

وأضافت برونو التي تحضر لرسالة الدكتوراه في جامعة السوربون: "الأزمة طالت جميع الطبقات الاجتماعية لكن بشدة مختلفة، لكن الجميع يعاني، خاصة من يعتمد على الوقود بشكل كبير في المواصلات والتدفئة".

87% من المتسوقين قرروا التوفيق بين إمكانياتهم ورغباتهم، و30% من الفرنسيين مستعدون لدفع المزيد مقابل المنتجات الصديقة للبيئة.

واضطرت برونو إلى تبديل آلية عملها في شركة المقاولات التي تعمل فيها بصفة مراقب محتوى، وانتقلت من صيغة العمل عن بعد في المنزل إلى الدوام في الشركة.

وهنا قالت: "العمل من الشركة أفضل بالنسبة لي، فقضاء 8 ساعات في الشركة سيوفر عليّ تشغيل التدفئة في المنزل لحوالي 40 ساعة في الأسبوع.. اضطررت إلى تحميل نفسي مشقة الذهاب إلى الشركة، لكن ذلك أفضل، فلن أتحمل قيمة الفواتير الجديدة".

وقام عدد كبير من العمال في فرنسا بالتخلي تدريجياً عن عملهم إما بغرض اللجوء إلى المساعدات، وإما بغرض اللجوء إلى العمل الحر عبر الإنترنت، بحسب دراسة أعدها معهد جانجوريس الفرنسي.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com