ما الذي يعرقل خطط التنمية المستدامة في السعودية؟

ما الذي يعرقل خطط التنمية المستدامة في السعودية؟

المصدر: ريمون القس- إرم نيوز

مع انخفاض أسعار النفط إلى النصف وبروز الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها المملكة العربية السعودية، بات تأخر خطط التنمية المستدامة في أكبر مصدر للنفط الخام في العالم من الأمور المثيرة للتساؤل في ظل تصدي عدد من المثقفين والكتاب السعوديين لوضع أيديهم على أسباب ذلك التأخر والطرق الكفيلة بتسريع العمل بالخطط التنموية.

وفي مقال له في صحيفة ”الوطن“ السعودية، تحت عنوان ”إشكالات التنمية في السعودية“، يشير الكاتب شتيوي الغيثي إلى أنّ التنمية المستدامة في المملكة ”كانت يجب أن تأخذ بُعد الإصلاح على اعتبار أن أي منتج بعد فترة التداول الإنساني أو العملي سوف يطرأ عليه نوع من الخلل الذي يستوجب التحسين أو الصيانة أو حتى التغيير أحيانًا إذا لزم الأمر ذلك، وسيرة 80 عامًا من التنمية الصاعدة ستكون بالتأكيد في حالة من المراجعة لكثير من الخلل الذي يطرأ على السياقات كافة“.

توسع المنظومة البيروقراطية

ويقول الكاتب إن الأربعين عامًا الماضية شهدت ”توقفًا للتنمية بعد الطفرة الأولى، وصعود تيارات متشددة، وتوسع كبير في المنظومة البيروقراطية التي أثقلت التنمية ودخلت في تفاصيل الحياة اليومية الوظيفية، حتى أنتجت مجتمعًا غير فاعل أو هو بالأحرى فاعل وفق ما تسمح به تلك البيروقراطية من عمل، أي أن اللوم لا يقع على المواطنين بقدر ما يقع على أداء المنظومة المؤسساتية التي كانت وريثة الاقتصاد الريعي الذي اعتمد -فقط- على تدفق النفط في الخليج، تدفقاً لم يسمح بفتح المجال لأي تنوع اقتصادي لاحقًا“.

ويضيف أن الصعود بشكل ضخم جدًا بعد الطفرة الاقتصادية الثانية، التي بدأت بعد عام 2005 تقريبًا، مع صعود قيمة النفط عالميًا، سرعان ما انهار ”لندخل في أزمات اقتصادية استلزمت الترشيد الذي يحصل حاليًا“.

ويؤكد الكاتب أن ”إشكالات التنمية في السعودية تذهب أكثر ما تذهب إليه، في الخدمات التي تقدم إلى المواطن؛ المواطن الذي كان في الحالة السعودية مستقبلًا لا منتجًا بمعنى أنه ليس الفاعل الوطني في بلاده.. بسبب أداء المنظومة المؤسساتية التي تعتمد عليها التنمية، بوصفها منظومة بيروقراطية تعتمد على عدم استقلاليتها عن الحكومة، وخللها واضح في كثير من قضايانا“.

التعليم نموذجًا

ويستشهد الكاتب بوضع التعليم في المملكة، كنموذج لتراجع الخطط التنموية المستدامة؛ إذ تتراكم مشكلات التعليم ”حتى بعد محاولات التصحيح مع المناهج التعليمية الجديدة المتطورة، إذ لا تزال هناك حلقة مفقودة في عملية الإصلاح التربوي“.

بدورها؛ تشير الكاتبة السعودية، عزة السبيعي، في مقال نشرته الصحيفة ذاتها، تحت عنوان ”تقويم المدارس وقصة الرشيد والهيئة والهدر ورؤية 2030“ إلى تعثر إحدى أهم الخطط الخمسية لتطوير التعليم في المملكة، بعد إطلاقها مطلع التسعينيات من القرن الماضي، إذ شهد العام 2006 توقف العمل في برنامج طموح يسعى للاستفادة من التجربة البريطانية في مجال التعليم.

وتقول الكاتبة إن وزارة التعليم قامت ”بإعداد جائزة سمّتها جائزة التعليم، والمبالغ نفسها صرفت عليها لإعداد معاييرها، وتجنيد العشرات للقيام بالتقويم مع ملايين المكافآت التي تشكل هدرًا حقيقيًا في ميزانية الوزارة، أضف إليه الوقت وهو أهم.. بعد ذلك أصدر مجلس الوزراء قراره التاريخي بإنشاء هيئة تقويم التعليم كمؤسسة مستقلة ترتبط بمجلس الوزراء، وترسل تقاريرها أيضًا لوزارة التعليم“.

وتساءلت السبيعي ”ما الهدف من التقويم الشامل؟ ما الهدف من تقويم جائزة التعليم؟ ما الهدف من تقويم هيئة تقويم التعليم؟ تطوير التعليم هل أدواته واحدة؟ في الحقيقة هي متشابهة إلى حد ما، هل جيوش الموظفين هنا وهنا وهناك يتسببون في هدر مالي وهدر في الوقت والجهد؟ نعم ولا شك، إذًا لماذا تتأخر عن توحيدهم في النهاية، كلهم يتبعون الحكومة.. عندها لن يتوقف الهدر، بل ستتخلص الوزارة من آلاف المشرفين العاملين في التقويم ومرتباتهم وتنقلهم للهيئة، ومن لا يرغب إذا كان أهلًا للتدريب يذهب إلى التدريب، ومن ليس أهلًا لذلك يعود معلمًا“.

معاناة الشباب

وفي مقال نشرته صحيفة ”الاقتصادية“ السعودية، اليوم الأحد، تحت عنوان ”كيف الوصول لدعم المشاريع الشبابية الصغيرة؟“ يسلط الكاتب والأستاذ الجامعي، رشود الخريف، الضوء على عقبة أخرى في طريق التنمية المستدامة؛ تتمثل في معاناة الشباب السعودي من جملة من المشكلات، إذ تصل نسبة الشباب في المملكة (ما بين 15 إلى 25 عامًا) إلى حوالي 30%، وهذه النسبة الكبيرة ”يمكن أن تتحول إلى نقمة ومصدر اضطرابات، في حال إهمالها وعدم استثمارها أو التساهل في نتائجها“.

ويقول الكاتب إن الشباب لن يستطيعوا ”أن يحققوا أحلامهم وأحلام الوطن بتأسيس مؤسساتهم التي تسهم في الناتج الإجمالي المحلي وزيادة توظيف الشباب إلا من خلال تسهيل الإجراءات وتزويدهم بالدعم الفني المتوافر والخدمات المتاحة والأساليب المناسبة، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا من خلال إيجاد بوابة إلكترونية لهذا الغرض، وعقد ورش عمل متنوعة تتبناها الجمعيات الخيرية التي تسهم في بناء قدرات الشباب وتمكينهم لتحقيق أحلامهم“.

اقتراح جملة من المحفزات

ويقترح الخريف جملة من المبادرات المحفزة للشباب؛ وهي ”إطلاق برنامج وطني لدعم مشاريع الشباب الصغيرة يتضمن بوابة إلكترونية تفاعلية.. وأن تقوم الجمعيات الخيرية بإعادة النظر في أهدافها وأنشطتها لتتضمن بناء قدرات الشباب من خلال تقديم دورات نوعية بشكل دوري وفي مختلف المناطق الإدارية“.

كما يطالب الكاتب بزيادة ”إسهام الجامعات وتفعيل دورها في دعم ريادة الأعمال وخدمة المجتمع من خلال بناء قدرات الشباب وتوفير الدعم الفني لهم وتبني أفكارهم ومبادراتهم.. وتفعيل المؤسسات القائمة لتوفير مكتب استشاري مجاني للشباب لتقديم المشورة لهم وتوجيههم.. وأن توسع وزارة العمل وصندوق الموارد البشرية من أنشطتها في الحد من البطالة“.

المطالبة بحلول سريعة لأسباب البطالة

وفي ظل أزمة البطالة المتفاقمة التي تبلغ 12.1%، وتُعد من أبرز عوائق التنمية المستدامة، يطالب اقتصاديون سعوديون بالحد منها ومعالجة أسبابها؛ إذ أرجعوا ارتفاعها إلى سوء التنسيق السريع بين التعليم والتدريب والوظيفة، وعدم تنظيم الأجور وخفض الأسعار، بالإضافة لعدم وضع آلية صارمة على أصحاب العمل للحد من الاستقدام.

ونقلت صحيفة محلية، اليوم الأحد، عن الأستاذ الجامعي، سلطان آل فارح، أن ”وزارتي العمل والتجارة معنيتان بخفض معدلات البطالة من خلال تقليص نسب العمالة (الوافدة).. وكذلك الحال بالنسبة للعنصر النسائي المعطل والذي لا يزال العامل الأجنبي يحتل أماكنهن في عدد من الوظائف في المحلات التجارية وبعض المراكز الطبية“.

ويقول آل فارح إنه ”يقع على عاتق وزارة التجارة، أيضًا تدخل عاجل لخفض أسعار المواد الاستهلاكية، حتى يقبل طالب العمل بوظائف منخفضة الأجور وبذلك يستطيع الشباب السعودي ضمان الكفاية والاستطاعة والقبول بالوظائف منخفضة الأجر“.

في حين يرى الأستاذ الجامعي، عبد السلام آل شيد الغامدي، أن ”المشكلة لدينا ليست في عدم توافر الوظائف، بل في سوء توزيعها وتنظيمها، وعدم وجود إستراتيجية تعليم ووظيفة متناسقة، بالإضافة إلى بعض العيوب الثقافية والاجتماعية في قبول الوظائف“.

كل تلك الآراء وغيرها الكثير، التي تتناول تعثر الخطط التنموية الرسمية، باتت من الأمور المثيرة للسجال في السعودية، أغنى الدول العربية، على خلفية تضرر إيراداتها جراء هبوط أسعار الخام، أكثر من النصف، منذ العام 2014، والعجز في الموازنة الذي بلغ مستوًى قياسيًا عند 98 مليار دولار، العام الماضي؛ إذ يحاول كتاب ومثقفو المملكة وضع اليد على مكامن الخلل في تلك الخطط وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة