هل بدأت العملات الخليجية تنفر من علاقاتها الودودة مع الدولار الأمريكي؟

هل بدأت العملات الخليجية تنفر من علاقاتها الودودة مع الدولار الأمريكي؟
Currency from the Gulf state of Saudi Arabia, a Saudi Riyal, sits with a U.S. dollar note displayed for a photograph in Dubai, United Arab Emirates, on Wednesday, Nov. 21, 2007. Gulf Arab states may fail to keep consumer prices in check by revaluing their currencies against the dollar, according to strategists at HSBC Holdings Plc and Citigroup Inc. Photographer: Charles Crowell/Bloomberg News

المصدر: محمد زهور – إرم نيوز

حافظت دول الخليج ضمن سياساتها المالية وعلى مدار العقود الماضية، بربط عملاتها مع الدولار الأمريكي باستثناء الكويت التي ربطت دينارها بسلة من العملات وإن كان الدولار هو الأرجح وزنًا فيها.

وشكلت تلك الاستراتيجية المالية آمانًا نوعيًا لاقتصادات الخليج التي تعتمد بشكل أساسي في إيرداتها المالية على النفط والذي يشكل 80% من العائدات الحكومية، إلا أن تدهور أسعار النفط خلال العامين الماضيين دفع الكثيرين للتساؤل عن استمرار ربط دول الخليج لعملاتها بالدولار في ضوء تذبذب الأسعار وتقلبات السوق، وما يستتبعها من تغيرات سياسية واقتصادية تدفع الاقتصاد العالمي نحو الهبوط أو الصعود.

منافع

ويرى خبراء اقتصاديون، أن ربط العملات الخليجية بالدولار أمر جر ”النفع“ على مدار عقود لدول الخليج، فليس من المنطقي بأي حال من الأحوال فك هذا الارتباط، خاصة أن ذلك سيستتبع انعكاسات ليست بالهينة على اقتصادات الخليج والتي يمكن أن تفقد 20% من قيمة عملاتها حال فك الارتباط، في وقت يترنح الاقتصاد العالمي تحت وطأة تقلبات السوق، ابتداء من تذبذب أسعار النفط وإن استعادت بعض عافيتها، وتقلص معدلات النمو في أغلب دول العالم، وتراجع الاستثمارات الدولية وتفاقم ظاهرة الإرهاب، وليس انتهاء بتصويت بريطانيا لصالح الخروج من التكتل الأوروبي وما لحق ذلك من انتكاسة حادة في البورصات العالمية وأسواق العملة لم يكن منها ناج إلا الملاذات الآمنة كالذهب.

ويبدد معهد التمويل الدولي الشكوك حول فك الارتباط مع الدولار استنادا إلى أربعة عوامل تنطلق من اقتصاد يرى المعهد أن طابعه العام ”الاستدامة“ وهو ما يعني ضمنا استمرار ربط العملات الخليجية بالدولار، على الأقل لـ 5 أعوام قادمة وفق مايلي: انخفاض معدلات الدين الحكومي، والاحتياطات المالية الكبيرة التي تتمتع بها دول الخليج، والتعافي الجزئي في أسعار النفط، والانضباط المالي الكبير المخطط له في السياسات الاقتصادية الخليجية.

وذكر تقرير المعهد الذي حمل عنوان “دول مجلس التعاون الخليجي: ربط العملات بالدولار سيستمر”، أن حكومات الخليج لا تزال ملتزمة بربط عملتها بالدولار، مشيراً الى أن الربط ظل على حاله حتى في أصعب الظروف، لا سيما خلال التسعينات حين هبطت الأصول الأجنبية دون مستوياتها الحالية من حيث تغطية الواردات كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت معدلات الدين الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي أعلى بكثير.

وعلى خلفية هبوط أسعار النفط منذ منتصف 2014، تقلّص الإنفاق الحكومي لدول التعاون بمعدل 12% خلال 2015، مقارنةً مع متوسط الزيادة السنوية البالغ 11% بين 2003 و2014، ومن المتوقع استمرار التراجع هذا العام.

واستناداً لانخفاض الإنفاق خلال 2016 و2017، وتجميد مستوى الإنفاق للفترة التي تلي 2017، من المتوقع تراجع معدل الإنفاق الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي ليبلغ 45% بغضون 2020، مقارنة بذروته نهاية 2014 حين سجل 64%.

مخاوف

وذكر أحد التقارير الصادرة عن وكالة ”ستاندرد آند بورز“ للتصنيف الائتماني، أن خفض قيمة العملة – وهو أمر لا مفر منه في حال فك الارتباط مع الدولار – عادة ما يؤدي إلى حدوث تضخم مرتفع وخفض مستوى المعيشة.

كما سيستتبع ذلك خروج رؤوس الأموال الأجنبية من الخليج لعدم اليقين المالي في المنطقة، وبالتالي لايمكن أن تلجأ دول الخليج على الأقل في الوقت الراهن لفك الارتباط مع الدولار إلا إذا كان ذلك هو الملاذ الأخير لها، أي كخطوة إنقاذية.

كذلك لسياسة تثبيت السعر ايجابيات، منها توفير ثقة مالية واستقرار نقدي لدول الخليج في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة، كما تساعد هذه السياسة في احتواء التضخم وتعزيز ثقة المستثمرين الأجانب، والحفاظ على المستويات المعيشية المعتادة في دول الخليج.

وأوردت كذلك وكالة ”فيتش“ للتصنيف الائتماني في تقرير لها نُشر في أيلول سبتمبر من العام 2015، استبعاد فك دول الخليج ارتباط عملاتها مع الدولار على الرغم من انخفاض أسعار النفط وارتفاع الدولار.

وقال المدير في «فيتش» بول غامبل: ”يوجد ضغط على ربط سعر الصرف في المنطقة، لكن لن يحدث ذلك. في الحقيقة لا أتوقع أي تغيير في ربط سعر الصرف“، مضيفاً ”إن الإلغاء سيكون قراراً سياسياً وليس اقتصادياً“.

ليس إلى ما لا نهاية

في المقابل، يرى محللون اقتصاديون أن دول الخليج لايمكن أن تحافظ على سياسة ربط عملاتها بالدولار إلى ما لانهاية، واعتبر مدير تحليل المخاطر السيادية في ”آي اتش أس غلوبال انسايت“ يان راندولف أن الأداء المتناقض بين الاقتصاد الأمريكي واقتصادات دول الخليج سيزيد من الضغوط على سياسة ربط العملات بالدولار، متوقعا أن تتباين السياسات النقدية أيضا بين ”تحفيز في دول مجلس التعاون الخليجي (خفض الفوائد) في مقابل تشديد في الولايات المتحدة“.

ويشير راندولف إلى حاجة الدول الخليجية لعملات محلية ضعيفة بعض الشيء ومعدلات فوائد منخفضة لتعزيز اقتصاداتها لا سيما تنمية قطاع الصادرات غير النفطية، و ”كلما طالت مدة التباين بين الاقتصاد الأمريكي واقتصادات الدول الخليجية كلما بات الانتقال إلى سياسة سعر صرف مرنة منطقيا أكثر“ بحسب ما أورده موقع سي أن بي سي الاقتصادي.

السباقون في فك الارتباط

ويُرجح أن تكون الإمارات من أوائل دول الخليج التي يمكن لها أن تفك ارتباط درهمها مع الدولار، خاصة أن إمارة دبي على سبيل المثال لا الحصر، تتفنن في جذب رؤوس الأموال إليها وتنويع مصادر الدخول، مع الأخذ بعين الاعتبار أن خفض قيمة الدرهم سينعكس ايجابا على قطاعات معينة وخاصة السياحية منها، إذ ستصبح الإمارات أقل كلفة بالنسبة للسياح وأكثر جذبا للأعمال الغير مرتبطة بالقطاع النفطي.

كذلك يستنبط من رؤية السعودية 2030 والتحول الاقتصادي الذي يشرف عليه ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أن تتوجه السعودية ولو في المستقبل البعيد إلى فك ارتباط ريالها بالدولار من خلال الاعتماد على مصادر دخول آخرى غير القطاع النفطي أي القطاع الخاص، وجذب المستثمرين الأجانب وتسهيل إنشاء الشركات وتغير القوانيين والأنظمة الاقتصادية لتكون أكثر مرونة مع المستثمرين.

تصنيفات

وخفضت وكالة التصنيف الائتمانية الدولية، موديز، تصنيف السعودية الائتماني في 2016، من ”A1“ إلى ”Aa3“ ولكنها حافظت على نظرة مستقبلية مستقرة للدولة، مستندة إلى هبوط أسعار النفط وزيادة العجز في الموازنة العامة للدولة وإن طرأ بعض التحسن على أسعار النفط.

وصنفت وكالة ”فيتش“ السعودية في عام2015 من ”AA+“  إلى ”AA-“ على خلفية هبوط النفط وزيادة الإنفاق الحكومي.

وتربط السعودية أكبر بلد مصدر للنفط في العالم، سعر الريال عند 3.75 للدولار، في حين تثبت الإمارات سعر الدرهم عند 3.6725 منذ عام 1997.

ويبقى اللاعب الرئيس في أمر فك الارتباط من عدمه، قدرة دول الخليج على تأمين بدائل للدخول عن النفط وانتهاج سياسات اقتصادية بعيدة المدى مع عدم إغفال أثر التقلبات السياسية في المنطقة و ملحقاتها الاقتصادية والتنافس في زيادة حجم الحصص المباعة من النفط في الأسواق العالمية، وزيادة أو إنقاص معدلات الفائدة لتتماشى مع متطلبات الأسواق الخليجية.

مواد مقترحة