تقرير: أردوغان يكتب شيكات لا يمكن للاقتصاد التركي سدادها‎

تقرير: أردوغان يكتب شيكات لا يمكن للاقتصاد التركي سدادها‎

المصدر: توفيق إبراهيم – إرم نيوز

يعتمد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استراتيجية تقوم على تدمير اقتصاد البلاد على المدى الطويل؛ لضمان الفوز في الانتخابات والحفاظ على سلطته لمدة إضافية، وفق ما رأى تقرير لصحيفة ”فورين بوليسي“ الأمريكية.

ويقول التقرير إنه وبعد ”أن واجه حزبه هزائم لاذعة في الانتخابات البلدية في أنقرة وإسطنبول الشهر الماضي، وعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتقديم برنامج اقتصادي قوي لرفع اقتصاد بلاده، وهو محق في الاعتقاد أن تركيا تعاني من مشاكل اقتصادية خطيرة“.

ويفسر التقرير المشاكل بالقول: ”البطالة آخذة في الارتفاع، والتضخم وصل إلى حوالي 20%، وهو أعلى مستوى خلال العقد الماضي، ولكن أردوغان يواجه معضلة مؤلمة، فالخطوات التي قد تتخذها حكومته لتحسين الاقتصاد على المدى المتوسط من شأنها أن تسبب معاناة على المدى القصير“.

ووفقًا للصحيفة، فإن هذا احتمال مقلق للرئيس بينما يفكر فيما إذا كان سيعلن عن إعادة انتخابات بلدية إسطنبول على أمل أن يفوز حزبه في التصويت الجديد. فبينما يود أردوغان زيادة النمو الآن، من شأن الأساليب التي سيستخدمها لتحقيق ذلك أن تؤدي إلى تفاقم مشاكل البلد على المدى الطويل.

ويرى التقرير أن المشكلة الأساسية في تركيا هي أن الحكومة تواصل محاولاتها لتحفيز الاقتصاد حتى لو كان ارتفاع التضخم يشير إلى أنه ينبغي عليها أن تفعل العكس. فهناك منطق سياسي واضح وراء التحفيز، حيث واجه أردوغان سلسلة من الاستفتاءات الكبيرة في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الاستفتاء على الدستور في عام 2017، والانتخابات الرئاسية في عام 2018، والانتخابات الإقليمية لهذا العام.

ولأن حزب أردوغان بنى سمعته بتحقيق نمو اقتصادي سريع، كان عليه الاستمرار لمنع تراجع الاقتصاد خلال كل تصويت واستفتاء لاحق.

وبالفعل نجحت هذه الاستراتيجية، ولكن كان لذلك ثمن، فبفضل برامج التحفيز، يستمر أردوغان في الفوز في الانتخابات، بمساعدة قمع المعارضة والسيطرة الصارمة على وسائل الإعلام، ولكن كل محاولة لتحفيز الاقتصاد ترفع معدل التضخم أعلى بقليل من هدف البنك المركزي المتمثل في 5 % خلال معظم العقد الماضي إلى 10 % في عام 2017، و20 % اليوم.

ومع زيادة التضخم، تنخفض قيمة الليرة، فقبل 10 سنوات كان الدولار يساوي أقل من 2 ليرة، واليوم، أصبح يساوي 6 ليرات.

وهذا الانخفاض في سعر الليرة جعل الأتراك أفقر، حيث تضاعفت الأسعار 3 أضعاف مقارنة بالعقد الماضي بسبب الفارق بين سعر الدولار والليرة، فتركيا تعتمد نسبيًا على التجارة، وبالتالي تضررت كثيرًا بانخفاض سعر العملة.

ولا تتخذ الحكومة التركية الإجراءات الكافية لوقف هذا التدهور، فعلى الرغم من ارتفاع سعر الفائدة الرئيسي من 8 % قبل عام إلى 24 % اليوم، وهو معدل قد يبدو مرتفعًا، إلا أن الحقيقة أنه لا يتجاوز معدل التضخم بفارق يذكر، وهو أقل بكثير مما يجب أن يكون لضمان استقرار الليرة.

لماذا لا ترفع تركيا أسعار الفائدة أكثر؟

ووفق التقرير، فقد جادل أردوغان مرارًا وتكرارًا بأن تقلب الليرة هو ”عملية غربية تقودها الولايات المتحدة لمحاصرة تركيا“، وأن ”معدل التضخم سينخفض مع انخفاض أسعار الفائدة، إلا أن معظم خبراء الاقتصاد يتفقون على أن الحقيقة عكس ذلك، ولكن إذا وضعنا أفكار أردوغان غير التقليدية بخصوص أسعار الصرف جانبًا، سنجد أن هناك منطقًا سياسيًا لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة نسبيًا.

والسبب هو أن رفع أسعار الفائدة سوف يقلل التضخم عن طريق الحد من النمو الاقتصادي. فإذا رفع البنك المركزي من تكلفة الاقتراض بالليرة، فسيضع ذلك ضغطًا كبيرًا على البنوك التركية. فهذه البنوك تمول نفسها جزئيًا باقتراض مليارات الدولارات من البنك المركزي، وعندما ترتفع أسعار الفائدة، تزيد تكلفة تمويل البنوك لنفسها.

وجميع القروض التي تقدمها البنوك التركية تقريبًا، والتي توفر الأموال للأتراك لشراء المنازل أو السيارات، هي لفترة أطول وبأسعار فائدة ثابتة. وفي كل مرة يرفع فيها البنك المركزي أسعار الفائدة، فإنه بذلك يرفع تكاليف البنوك دون زيادة إيراداتها.

وهنا تكون النتيجة أزمة ائتمان، فمع خفض البنوك لاستثمارها في الإقراض، تقل قدرة المستهلكين الشرائية، وتقل استثمارات الشركات، ويتباطأ الاقتصاد، وهذا عكس ما يحتاج إليه أردوغان للحفاظ على الدعم السياسي.

ولهذا ضغطت الحكومة التركية على البنك المركزي لإبقاء أسعار الفائدة أقل مما ينبغي، حتى لو كان ذلك على حساب ارتفاع التضخم وهبوط الليرة.

وفي الوقت الحالي، نجحت هذه الاستراتيجية بشكل جيد بما فيه الكفاية من الناحية السياسية، وساعدت أردوغان على الفوز باستفتاء عام 2017 والانتخابات الرئاسية في 2018، ولكن يبدو أنه بدأ دفع ثمن هذه الاستراتيجية، حيث كان هبوط قيمة الليرة وارتفاع الأسعار أهم أسباب فقدان حزب أردوغان السيطرة على ولايتي إسطنبول وأنقرة في انتخابات هذا العام.

ويضيف التقرير أن هناك أيضًا ثمنًا اقتصاديًا طويل الأمد، رغم أنه ما زال خفيًا في الوقت الحالي في النظام المصرفي للبلد، فبالإضافة إلى إقراض الليرة للمستهلكين الأتراك، أقرضت البنوك التركية الدولارات للشركات التركية، وكان ذلك منطقيًا عندما كانت الليرة مستقرة، لأن البنوك التركية كانت تمتلك سيولة كبيرة من الدولار، ولأن الشركات وجدت أن اقتراض الدولارات كان أقل تكلفة من الليرة.

إلا أن هبوط سعر الليرة أصبح بمثابة قنبلة موقوتة داخل البنوك التركية، حيث اقترض الكثير من عملاء البنوك الدولارات عندما كان سعر الصرف نصف المعدل الحالي، والآن تحتاج هذه الشركات لسداد ما يعادل ضعف قيمة القروض التي حصلوا عليها، ومع تباطؤ الاقتصاد يتوقع معظم الاقتصاديين تراجع الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، مما سيجعل مهمة المقترضين أصعب.

وفي الوقت الحالي، تصر بنوك تركيا ومنظموها على عدم وجود مشكلة، وتشير تجربة الأسواق الناشئة الأخرى التي تواجه أزمات مالية بطيئة الانتشار إلى أن المشكلة ستستغرق بعض الوقت حتى تصبح أكبر من أن يمكن تجاهلها.

وإذا هبطت الليرة أكثر من ذلك، فقد يأتي يوم الحساب في وقت أقرب، فالحكومة تدعم النظام المصرفي حاليًا، ولكن من المحتمل أن تكون التكلفة النهائية أكبر بكثير، ودافعو الضرائب في تركيا هم من سيضطر لسدادها في النهاية.

ويرى التقرير أن هناك مسارًا بديلًا، فانخفاض الليرة ناتج عن السياسات الحكومية الرامية إلى الحفاظ على نمو الاقتصاد. ومع ذلك، تؤدي كل محاولة تحفيز إلى تأثيرات جانبية أسوأ، بما في ذلك ارتفاع التضخم وهبوط الليرة، وهنا يكون البديل رفع أسعار الفائدة وكساد أعمق، الأمر الذي سيكون مؤلمًا أيضًا، ولكنه سيحد من الأضرار طويلة المدى.

فكل جولة إضافية من التحفيز تقرّب موعد دفع الثمن، ولكن لدى الحكومة التركية مشاكل أكثر إلحاحًا، وأبرزها قرار إعادة التصويت في إسطنبول، وطالما أن الانتخابات المقبلة أقرب من تاريخ دفع الثمن، سيختار أردوغان دائمًا تحفيز الاقتصاد والحفاظ على وضعه السياسي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة