التضخم يأكل القيمة الحقيقية لموازنة سوريا

التضخم يأكل القيمة الحقيقية لموازنة سوريا

دمشق – أقرت حكومة النظام السوري موازنة العام 2015، والبالغة 1554 مليار ليرة بزيادة 164 مليار ليرة عن موازنة العام 2014، وقد وصفت بأنها “أعلى موازنة” في تاريخ سوريا، وهو رقم صحيح بالليرة السورية، لكنه ضئيل جداً مع احتساب تدهور سعر الصرف، نتيجة الخسائر الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد في مختلف قطاعاته بسبب الدمار والخراب وتراجع الصناعة والسياحة ودخل النفط، حتى أن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بدوره من 60 مليار دولار في العام 2010 إلى أقل من 30 مليارا في العام 2014.

وبالعودة إلى موازنة العام 2010، وهو العام الذي سبق اندلاع الثورة، فقد بلغت أرقامها نحو 750 مليار ليرة، وبما يعادل 16.55 مليار دولار على أساس سعر صرف الدولار 45.5 ليرة، وبلغ العجز المالي بين الإيرادات والنفقات نحو 3.9 مليارات دولار، وهو أفضل من العجز الذي كان مقدراً في موازنة العام 2009 والبالغ نحو خمسة مليارات دولار، وحتى موازنة العام 2011 والتي أعدت في العام السابق للثورة، فقد اعتمدت أيضاً السعر ذاته، وبلغت قيمتها 17.8 مليار دولار، أي بزيادة نحو 8 في المئة. واعتماداً على هذه النسبة وعلى أساس نمو تدريجي للزيادة في السنوات التالية، كان يجب أن يصل حجم موازنة العام 2015 الى نحو 25 مليار دولار، ولكن مع تدهور سعر صرف الليرة البالغ حاليا نحو 190 ليرة مقابل الدولار، يكون حجم موازنة العام المقبل 8.2 مليار دولار، وهي الأدنى خلال السنوات العشر الاخيرة، وتعادل أقل من نصف موازنة 2010، وثلث الموازنة العادية مع الارتفاع التدريجي الذي كان متوقعاً للاقتصاد السوري.

التضخم يأكل الليرة

إذا كانت موازنة العام 2015 تزيد بمقدار 164 مليار ليرة عن موازنة العام 2014 والبالغة 1390 مليار ليرة، فان احتسابها بالدولار يجعلها أقل منها بنحو 600 مليون دولار، لأن سعر صرف الليرة لدى إعدادها كان في حدود 158 ليرة للدولار، وقد تدهور حتى وصل حاليا إلى أكثر من 190 ليرة.

وهكذا، يأكل التضخم التي زادت نسبته عن 175 في المئة وقد يكون تجاوز الـ 200 في المئة، بسبب مضاعفة الأسعار وكلفة غلاء المعيشة، وأشار تقرير دوري لوحدة المعلومات الاقتصادية (مؤسسة مستقلة ضمن مجموعة ايكونومست ومقرها في لندن) أن أسعار الغذاء في سورية قد تضخمت نحو 322 في المئة بين أعوام 2000 إلى 2013، وبلغ استهلاك الغذاء 45.6 في المئة كنسبة من الإنفاق الأسري، وارتفعت أسعار السلع والمواد الغذائية خلال سنوات الازمة بشكل جنوني، حيث أظهرت بيانات رسمية أن أسعار بعض المواد ارتفعت بحدود 30 في المئة، في حين تضاعفت أسعار مواد أخرى عدة مرات، وتراجع موقع سوريا في مؤشر الأمن الغذائي العالمي لتحتل المركز 79 بين 107 دول، وحصلت على المركز 96 في مؤشر توافر الغذاء، وهو تراجع كبير، وجاءت في المركز 75 في مؤشر القدرة على تحمل التكاليف، والمركز 73 في مؤشر جودة وسلامة الغذاء.

أما بالنسبة إلى الفقر، فقد أشار تقرير لبرنامج الامم المتحدة الإنمائي أن أكثر من نصف الشعب السوري أصبح فقيراً مع دخول 6.9 ملايين مواطن تحت خط الفقر، منهم 4.4 ملايين تحت خط الفقر الشديد، ويعرّف البرنامج الفقر بأنه الحرمان من الخيارات والفرص المتاحة في مجالات رئيسية كالتعليم والصحة وتوليد الدخل، وهو ما يعني نقصاً في القدرة الأساسية على المشاركة الفعالة في المجتمع.

وفي الوقت نفسه تشير بيانات منظمة “الاسكوا” أن هناك أربعة ملايين سوري يعيشون اليوم تحت خط الفقر الغذائي مقارنة بنحو 200 ألف في العام 2010، وقد ارتفع عدد السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر الأدنى من مليونين إلى 8 ملايين مواطن، وكذلك الذين يعيشون تحت خط الفقر الاعلى من 5 ملايين الى 18 مليون مواطن.

مصادر التمويل

على الرغم من عدم الاعلان عن أرقام الايرادات في بيان وزير المالية اسماعيل اسماعيل، فقد أشار إلى المأزق المالي الذي تواجهه الحكومة “من خلال زيادة عجز الموازنة، نتيجة اضطرارها إلى زيادة حجم الانفاق العام لتعزيز مقومات الصمود الوطني والاستقرار الامني ودعم الاقتصاد، في مقابل انخفاض مصادر التمويل الداخلية والخارجية، بسبب تقلص المصادر الضريبية وتراجع الايرادات الاخرى للخزينة العامة، وأهمها الايرادات النفطية والسياحية”.

أما أولويات العمل المالي الحكومي في المرحلة المقبلة، فقد وصفها الوزير اسماعيل بأنها “تتمثل في الاستمرار بتأمين مستلزمات مكافحة الارهاب وإعادة الأمن والأمان وتأمين مستلزمات الاغاثة والإيواء والاستجابة للاحتياجات الانسانية وتحسين الواقع المعيشي وتطوير وتعزيز الانتاج الوطني، والتهيئة العملية لإعادة الإعمار”، مشيرا إلى أن هذه الأولويات ستحدد استراتيجية العمل الحكومي من خلال برنامج محدد لسياسات الإصلاح الاقتصادي والمالي.

وهنا السؤال المطروح: من أين ستؤمن الحكومة المال لتمويل الموازنة؟..

لقد خسرت الحكومة خلال سنوات الحرب عدة مصادر لتمويل موازنة الدولة، وأهمها النفط الذي كان يشكل 24 في المئة من الناتج الإجمالي وأكثر من 30 في المئة من عائدات الموازنة، ونحو 40 في المئة من عائدات التصدير، فضلاً عن تراجع التحصيل الضريبي مع تراجع الإنتاج وتدمير عدد كبير من المصانع والمؤسسات، وكذلك خسائر القطاع السياحي، علما أن تقارير الأمم المتحدة قدرت خسائر الاقتصاد السوري حتى نهاية العام 2013 بأكثر من 140 مليار دولار.

ولا يستبعد بعض الخبراء الاقتصاديين من أن تلجأ الحكومة إلى تمويل العجز في موازنة 2015، عن طريق طبع عمله بلا أرصدة، خصوصا وأن البنك المركزي لا يزال لديه كمية من احتياطي الذهب، بعدما خسر مبالغ كبيرة من احتياطيات من العملات الأجنبية.

وفي هذا المجال، تبقى الاشارة إلى أهمية وفاء الحكومة بإحالتها الموازنة في موعدها إلى مجلس النواب ضمن المهلة الدستورية، وقد اعتبر ذلك رئيس لجنة الموازنة والحسابات في مجلس الشعب حسين حسون بأنها “رسالة واضحة للأعداء على أن الاقتصاد السوري ومؤسسات الدولة بخير مهما طالتهما يد التخريب والاجرام”، ومبيناً أن “الموازنة قد تكون دون مستوى طموح ورغبات الشعب وأمانيه، لكنها كافيه وملائمة، وتغطي جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية المخطط لها”.

وربما يرتبط المخطط لها بالتطورات السياسية المرتقبة مع المساعي القائمة لتنفيذ مشروع المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا لحل الأزمة في سوريا بتقسيمها إلى مناطق يحكمها نظام الأسد ومناطق أخرى تحكمها المعارضة المسلحة، على أن يتم تجميد القتال طوال فترة عامين (2015 ـ 2016)، وتكون الموازنة تكفي لحاجات المناطق الخاضعة للنظام فقط.