لماذا لا تستثمر الصناديق السيادية الخليجية في مصر؟ – إرم نيوز‬‎

لماذا لا تستثمر الصناديق السيادية الخليجية في مصر؟

لماذا لا تستثمر الصناديق السيادية الخليجية في مصر؟

القاهرة – الدعم الخليجي للاقتصاد المصري بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 3 يوليو/ تموز 2013، أخذ صورا عدة، منها الودائع المصرفية بالبنك المركزي المصري، ومنها مشتقات بترولية، وقروض طويلة الأجل، ومنح لا ترد. وفي البداية أعلن عن أن حجم هذا الدعم 12 مليار دولار.

ولكن السيسي أثناء حملته الانتخابية للرئاسة صرح لوسائل الإعلام بأن هذا الدعم وصل إلى ما يزيد عن 20 مليار دولار خلال عشرة أشهر فقط. وقد لُمس أثر هذا الدعم في نجدة العديد من المؤشرات الاقتصادية لمصر، مثل استقرار احتياطي النقد الأجنبي عند 17.2 مليار دولار بنهاية مايو/ أيار 2014، وحدوث نوع من المحافظة على سعر الجنيه من الانهيار بشكل كبير. كما أن خدمات الكهرباء حسنت من أداءها وخرجت من تهديد سقوط الشبكة بسبب العجز في الوقود، وقد قدر الدعم الخليجي للوقود بمصر بمتوسط 750 مليون دولار شهريُا على مدار الشهور العشر الماضية.

وفور الإعلان بفوز السيسي برئاسة مصر، أعلن ملك السعودية عن استمرار دعمه للاقتصاد المصري، وكذلك دعوته لمؤتمر مانحين لمصر الذي من المتوقع أن ينعقد في أغسطس/ آب القادم (بعد عيد الفطر).

كما صرح وزير الخارجية الإماراتي باستمرار دعم بلاده للاقتصاد المصري، وأنهم يمتلكون خطة لإنعاش الاقتصاد المصري، وأنهم سوف يستعينون في ذلك بدول قوية مثل ألمانيا، والمؤسسات الدولية.

إلا أن الملاحظ في أداء هذه الدول الخليجية، أن دعمها يأتي في ضوء المسكنات، وليس في إطار الحلول الناجزة، فماذا تعني مليارات معدودة لمساندة الاحتياطي النقدي الأجنبي، أو شحنات بترولية، وكلها لأجل محدود، وحسب تصريحات مسؤولين إماراتيين بأن دعمهم المالي لمصر لن يكون للأبد.

فهذه الدول لديها حلول تغني مصر عن تلك المسكنات، كما تغنيها عن اللجوء للتفاوض مع صندوق النقد الدولي أو غيره، وهذا الحل يتمثل في ضخ جزء من أموال الصناديق السيادية التي تمتلكها هذه الدول، في شرايين الاقتصاد المصري.

فيمكنه خلال سنوات قصيرة، لا تتعد الخمس سنوات، أن يتعافى ويعاود معدلات نموه المرتفعة التي تتوافق ومعدلات الزيادة في نمو سكانه، كما يمكنها أن تحدث تغيراً في هيكل الناتج المحلي الإجمالي لمصر، فيكون اقتصادها قائم على الإنتاج بشكل أكبر مما هو عليه الآن.

الاستثمارات العربية بمصر

على مدار تسع سنوات مثلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من الدول العربية لمصر، نحو 14.5 مليار دولار، لتبلغ نسبة 24 % من إجمالي الاستثمارات الأجنبية التي تدفقات على مصر، خلال تلك الفترة والتي بلغت 60.5 مليار دولار. وكان المتوسط السنوي لتدفق الاستثمارات العربية لمصر 1.6 مليار دولار.

وعن مساهمة الدول الخليجية الداعمة للاقتصاد المصري (السعودية، الإمارات، الكويت) بعد 3 يوليو 2013، من الاستثمارات المباشرة بمصر خلال نفس الفترة المذكور، فقد بلغت 11.02 مليار دولار، وبما يمثل 76 % من إجمالي الاستثمارات العربية، ونسبة 18 % من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر خلال نفس الفترة أيضًا.

وكانت الإمارات صاحبة المرتبة الأولى بين الدول الثلاث في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لمصر، خلال الفترة، بقيمة بلغت 6.6 مليار دولار، وبمتوسط سنوي بلغ 740 مليون دولار، ثم أتت الكويت في المرتبة الثانية بإجمالي استثمارات في مصر قدرت بنحو 2.18 مليار دولار، وبمتوسط سنوي قدر بـ 242 مليون دولار، أما السعودية فاحتلت المرتبة الثالثة بإجمالي استثمارات بلغ 2.17 مليار دولار، وبمتوسط سنوي قدر بـ241.5 مليون دولار.

ويغلب على الاستثمارات العربية في مصر ممارسات الأنشطة الخدمية والبعد عن الأنشطة الإنتاجية، فغالبية الاستثمارات العربية تتجه لمجالات العقارات والسياحة والخدمات المالية وبخاصة في البنوك، والاتصالات.

ويتسبب هذا التوجه للاستثمارات الخليجية في توجه العديد من الانتقادات إليها على مدار السنوات الماضية، حيث إنها لم تمس قضايا جوهرية لاحتياجات الاقتصاد المصري.

أيضًا هناك انتقاد أخر للاستثمارات العربية، بأنها لا تُدخل كامل رأس مال استثماراتها بالعملة الصعبة، ولكن تدخل فقط نسبة لا تزيد عن 20 %، ثم تقوم بضمان مشروعاتها بالحصول على التمويل من البنوك المصرية، وبذلك تضيع على الاقتصاد المصري فرصة الحصول على موارد مالية جديدة، تمثل دماء جديدة تضخ في شرايينه.

والمعلوم أن الاستثمارات العربية التي تم ضخها في الاقتصاد المصري خلال الفترات الماضية هي في غالبيتها مملوكة للقطاع الخاص بالدول الخليجية، وهو ما نلمسه من خلال الاطلاع على الشركات الخليجية الموجودة بالسوق المصري، ولا يوجد تمثيل ملموس وواضح لاستثمارات الصناديق السيادية.

غياب الصناديق السيادية

لا شك أن كافة البدائل المطروحة على مصر لسد الفجوة التمويلية، والتي يقدرها البعض بنحو 47 مليار دولار، سوف يكون لها تكلفة يتحملها المجتمع المصري على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، ففي حالة اختيار بديل توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي والحصول على قرض، فالأجندة معروفة، من خلال فرض ضرائب جديدة ورفع الدعم، من أجل معالجة عجز الموازنة.

وفي ذلك تكلفة مرتفعة تتمثل في زيادة أعباء الطبقة الفقيرة، والشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة، حيث سترتفع أسعار العديد من السلع والخدمات.

أما البديل الثاني وهو اللجوء للاقتراض، سواء الداخلي أو الخارجي، فالثمن باهظ، حيث ستدخل مصر في دوامة مزعجة من تكلفة أعباء الدين، ومزاحمة الحكومة لقطاع الأعمال بالاقتراض من الجهاز المصرفي، مما يقلص فرص التوسع في الاستثمار، وخلق فرص عمل جديدة.

وبالتالي فإن من أفضل الحلول المطروحة، هو أن تدخل الدول الخليجية الداعمة للاقتصاد المصري، بجزء من أموالها الخاصة بصناديقها السيادية وليكن 100 مليار دولار، على أن يضخ في استثمارات للبنية الأساسية والمشروعات الإنتاجية، وعلى أن يكون مصحوبًا من قبل الحكومة المصرية بإصلاح حقيقي في جهازها الحكومي، وترشيد نفقاتها بالموازنة العامة، وإدارة اقتصادية حقيقية للهيئات الاقتصادية وشركات قطاع الأعمال العام.

وحسب تقديرات مؤسسة (swfinstitute ) المتخصصة في دراسة استثمارات الحكومات والصناديق السيادية، فإن الدول الثلاث تعد من أكبر الدول صاحبة الصناديق السيادية، فوفق احصاءات يناير/ كانون الثاني 2014 فقد بلغت الأصول المالية للصناديق السيادية للدول الخليجية الثلاث (الإمارات والسعودية والكويت)، 1.85 تريليون دولار.

وتحتل إمارة أبوظبي المرتبة الثانية عالميًا بعد النرويج، من حيث قيمة صندوقها السيادي، والأولى عربيًا، بقيمة بلغت 773 مليار دولار، ثم المملكة العربية السعودية 675 مليار دولار، ثم دولة الكويت بقيمة بلغت 410 مليار دولار.

وإذا ما اتخذت مثل هذه الخطوة من قبل الدول الخليجية الثلاث بدعم الاقتصاد المصري بنحو 100 مليار دولار من رؤوس أموال صناديقها السيادية، فإنها ستكون بمثابة مشروع مرشال العربي، وفي نفس الوقت فلن يمثل المبلغ شيء مؤثر في القيمة الإجمالية لأموال تلك الصناديق، فهي لا تمثل سوى 5 % فقط من قيمة الأصول المالية المنشورة لهذه الصناديق.

وليس المطلوب بالضرورة سحب أموال هذه الصناديق من دول أخرى، قد تؤثر على علاقاتها بالدول الخليجية صاحبة الصناديق السيادية، ولكن من الممكن أن يضخ هذا المبلغ من فوائض موازنة هذه الدول، المتراكم من فروق أسعار البترول، التي تشهد طفرات متتالية بسبب الأحداث السياسية المستمرة التي تشهدها المنطقة.

مؤثرات خارجية

الحديث عن الأموال العربية وتغريدها خارج السرب العربي، ووقوعها أسيرة المناطق الأوروبية وأمريكا، ومؤخرًا في الصين ودول آسيا، لا ينقطع، ولكن ما المانع أن تنال مصر في ظل ظروفها الاقتصادية الحرجة جزء لا يؤثر على توزيعات هذه الاستثمارات في الدول غير العربية؟.

هل تمتلك الدول التي تحتكر رؤوس الأموال العربية، باعتبارها المشترية للنفط العربي، أوراق ضغط على الدول الخليجية، بحيث يعاد استثمار أموال النفط لديها مرة أخرى؟. أما أن الأزمة المالية العالمية وتداعياتها في أوروبا وأمريكا، تلزم هذه الدول الخليجية بتوجيه أموالها لهذه الدول، حتى لا تتعرض لمزيد من الانكشاف الاقتصادي؟.

لقد مُثلت السعودية بعضوية مجموعة العشرين، بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008، وكان التفسير الغالب لهذا التمثيل بأنها تمتلك التمويل اللازم، والذي يعد أحد المفاتيح المهمة لحل الأزمة المالية العالمية، بعد انهيار المؤسسات المالية في أمريكا والغرب.

وهل ستسمح الظروف المحلية والإقليمية التي تمر بها تلك الدول الخليجية، والمتمثلة في حالة واضحة من عدم الاستقرار، بأن تضحي بمثل مبلغ 100 مليار دولار لصالح الاقتصاد المصري من صناديقها السيادية؟. دون أن تكون قد دخلت في دوامة من مشكلات مطالبة الداخل والاستحقاقات الإقليمية الأخرى، بالدول المجاورة.

القرار ليس بالسهل، ولكنه بمقدور الدول الخليجية، ولكن سيكون لها حسابات كثيرة، تضمن لها استقرار شكل الخريطة السياسية بالمنطقة، وفق رؤيتها الخاصة، من بقاء أنظمة وزوال أخرى، وماذا تمثله تلك الأنظمة من أمن أو خطر لدول الخليج.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com