”الذهب الأسود“ في سوريا.. عقوبات وأضرار جسيمة تنذر بسيناريو قاتم

”الذهب الأسود“ في سوريا.. عقوبات وأضرار جسيمة تنذر بسيناريو قاتم

المصدر: إبراهيم حاج عبدي- إرم نيوز

كشف احتجاز حكومة جبل طارق، التابعة لبريطانيا، لناقلة نفط إيرانية، للاشتباه في توجهها إلى سوريا، أن قطاع ”الذهب الأسود“ في البلاد قد يشهد فترة قاتمة مستقبلًا، لدرجة تبدو معها أزمة الوقود الحالية- التي تعاني منها المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري، والتي تفاقمت في الشتاء الماضي- مجرد ”بروفا“  لأزمة نفطية حادة أكثر وطأة.

وتشترك بحسب خبراء، عوامل عديدة لتعزيز هذا السيناريو القاتم، تبدأ من العقوبات المفروضة على دمشق، والتي أظهرت أوروبا تشددًا حيال انتهاكها، والأضرار والخسائر الجسيمة التي نتجت عن الحرب الدائرة في البلاد منذ 8 سنوات، والتي تقدر بمليارات الدولارات، في الوقت الذي لا تزال فيه أبرز حقول النفط خارج سيطرة النظام.

ورغم أن الاعتقاد السائد يفيد بأن إيران هي ”الدولة المارقة“، وهي التي تعاني من العقوبات الغربية، غير أن واقعة الناقلة المحتجزة، أظهرت مرونة أوروبية حيال طهران دون دمشق، إذ أبلغ وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هنت، السبت، نظيره الإيراني محمد جواد ظريف، بأن بريطانيا ستسهل الإفراج عن ناقلة النفط الإيرانية المحتجزة إذا حصلت على ضمانات بأنها لن تتوجه إلى سوريا.

ويرى خبراء أن هذا التصريح البريطاني، يكشف عن مدى الجدية والتشدد الذي تصر عليه أوروبا حيال أي انتهاك للعقوبات التي فرضتها على دمشق منذ بداية الاحتجاجات في البلاد العام 2011، فضلًا عن عقوبات أمريكية مماثلة، الأمر الذي يصعب مهمة السلطات السورية في تأمين حاجيات قطاع حيوي في البلاد، مثل النفط، والذي تتأثر به مختلف القطاعات الأخرى.

وشكل قطاع النفط والغاز مساهمًا رئيسيًا في إيرادات الحكومة السورية، إذ ساهم في العام 2010 بنسبة 35% من عائدات التصدير، ونحو 20% من إيرادات الدولة، لكن مع اندلاع النزاع عام 2011، تعرض القطاع لأضرار كبيرة نتيجة المعارك، وخسرت السلطات السورية أبرز حقول النفط والغاز، تزامنًا مع فرض الدول الغربية عقوبات اقتصادية واسعة على دمشق.

خسائر فادحة

وكان وزير النفط السوري، علي غانم، كشف مؤخرًا، أن خسائر بلاده في قطاع النفط والغاز بلغت خلال سنوات النزاع أكثر من 74 مليار دولار أمريكي.

وبلغ إنتاج النفط الخام، قبل الأزمة السورية نحو 385 ألف برميل يوميًا، مقابل 21 مليون متر مكعب من الغاز، لكن هذه الأرقام هبطت بشكل حاد ليصل في العام 2016 إلى أدنى مستوياته، مع ألفي برميل نفط يوميًا، ونحو 6.5 مليون متر مكعب من الغاز.

وإثر استعادة قوات النظام السوري السيطرة على بعض الحقول في السنتين الأخيرتين، ارتفع الإنتاج بشكل محدود، لكنه لم يسدّ حاجة سوريا التي تقدر بنحو 136 ألف برميل نفط يوميًا، وهو ما يعني أن ما ينتج حاليًا يشكل 20% من حاجة البلاد من النفط، وما بين 60 و70% من حاجتها للغاز.

واضطرت دمشق نتيجة العقوبات والأضرار إلى استيراد حاجتها من الدول الحليفة من خلال الالتفاف على العقوبات، وكانت إيران هي المقصد الأول التي دعمت دمشق فعليًا بالنفط، خلال السنوات الماضية، لكن انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي فتحت الأعين مجددًا على طهران ودمشق معًا، وما تخططان له في السر، فخسرت دمشق موردًا رئيسيًا كان يزودها بحاجتها من النفط.

وبحسب المعلومات المتوفرة، لم تصل أي ناقلة نفط من إيران إلى سوريا منذ نحو 10 أشهر، وهو ما أجبر دمشق على اتخاذ إجراءات تقشفية خلال الشتاء الفائت، دون أن تجد حلًا لأزمة النفط المتفاقمة، رغم لجوء النظام في بعض الأحيان، إلى شراء النفط من خصومه في مناطق سيطرتهم داخل البلاد، لتأمين جزءًا من حاجياته.

الحكومة السورية أمام خيارين

وبالنظر إلى أن أكبر وأبرز حقول النفط الموجودة في شرق البلاد، الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من واشنطن، تجد الحكومة السورية نفسها أمام خيارين، بحسب خبراء، فإما أن تستعيد تلك المناطق عسكريًا، وهي مهمة صعبة في ظل وجود القوات الأمريكية، أو أن تعمل للتوصل إلى اتفاق مع قوات سوريا الديموقراطية، التي قالت في وقت سابق إن أي اتفاق مع النظام يجب أن يتضمن تقاسمًا عادلًا للثروات النفطية.

ورغم مساحة الأراضي القليلة نسبيًا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، شرق الفرات، إلا أن ثروات النفط والغاز تتركز بشكل أساسي في تلك المناطق، وهو ما دفع بعض الخبراء إلى القول إن تمركز النفط في تلك المنطقة هو السبب وراء حماية واشنطن لها، مشيرين إلى أن ”العامل الاقتصادي“ هو فقط الذي يحدد سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، سواء في سوريا أو غيرها.

وتسيطر قوات سوريا الديموقراطية بشكل رئيسي في دير الزور على حقول العمر، وهو الأكبر في البلاد، والتنك وجفرا، كما تسيطر على حقول الرميلان في الحسكة، وكذلك حقلي كونيكو للغاز في دير الزور والسويدية في الحسكة، فضلاً عن حقول أصغر شرق الفرات.

أما النظام السوري فيسيطر بشكل رئيسي على حقول الورد والتيم والشولة والنيشان النفطية في دير الزور، وحقل الثورة في الرقة، وحقل جزل في حمص، إضافة إلى حقل الشاعر، أكبر حقول الغاز، وحقول صدد وآراك في حمص.

ورغم ذلك، لا يستطيع النظام الاستفادة من الطاقة القصوى لهذه الحقول لأسباب أمنية بالدرجة الأولى، إلى جانب أسباب تقنية وفنية فرضتها ظروف الحرب التي دفعت شركات النفط العالمية إلى الانسحاب من سوريا.

وبحسب ما ذكرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، الأحد، فإن أحد خطوط نقل الغاز الممتد من حقل الشاعر في البادية السورية، توقف عن العمل نتيجة ”اعتداء إرهابي“، حسب وصف الوكالة، التي أشارت إلى أن الخط ينقل 2.5 مليون متر مكعب يوميًا إلى محطات توليد الكهرباء في مناطق سيطرة النظام.

وفي حزيران/يونيو الماضي، أعلنت دمشق تعرض عددًا من الأنابيب البحرية في مصفاة مدينة بانياس الساحلية لعملية تخريب، واتهمت جهات ترتبط بدول خارجية بالوقوف خلفها.

وكان رئيس الوزراء السوري، عماد خميس، قال في نيسان/إبريل الماضي إن ”القوات الأمريكية الموجودة في البحر المتوسط، أعلنت أن كل ناقلة متجهة إلى سوريا هي هدف لنيرانها، بالتوازي مع منع ومراقبة ومعاقبة الأفراد والطواقم والسفن، التي تشتبه في نقلها النفط لسوريا، وهي إجراءات جعلت استيراد سوريا للنفط ومشتقاته أمرًا صعبًا، ولعل احتجاز الناقلة الإيرانية يعد أحدث مثال على هذا التشدد.

ووسط تقارير عن سعي النظام السوري للاستنجاد بالنفط العراقي عبر استيراده برًا، يرى خبراء أن هذه الحلول الجزئية لن تحل المشكلة، وذلك لارتفاع تكلفة النقل البري أولًا، واحتمال تعرض الحمولات النفطية لعمليات إرهابية ثانيًا، أو حتى لضربات من التحالف الدولي ضد داعش، مشيرين إلى أن الحل الأرجح والوحيد في الظروف الحالية، هو التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، تلغي العقوبات، وتعيد مختلف المناطق، وخصوصًا شرق الفرات، الغنية بالنفط، إلى سيطرة النظام السوري.

وبما أن هذه التسوية السياسية المحتملة بعيدة المنال حاليًا، فإن السلطات السورية ستعاني من وطأة أزمة الوقود في الأشهر المقبلة، وهو ما قد يدفع بعض الموالين لها إلى التعبير عن التذمر والاستياء الذي قد ينذر بثورة ثانية، عنوانها هذه المرة، الاقتصاد.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com