رغم الخلاف حول سوريا.. هل أسهمت قطر بإنقاذ روسيا من أزمتها عبر صفقة ”روسنفت“؟

رغم الخلاف حول سوريا.. هل أسهمت قطر بإنقاذ روسيا من أزمتها عبر صفقة ”روسنفت“؟

المصدر: حنين الوعري - إرم نيوز

تحمل الصفقة ”المفاجئة“ التي اشترى بموجبها صندوق الثروة السيادي القطري ومجموعة ”جلنكور“ لتجارة السلع والتعدين 19.5% من شركة ”روسنفت“ للنفط والمملوكة للدولة الروسية، ”آثارًا واسعة النطاق“ على المستويين الجيوسياسي للشرق الأوسط، والسياسة الداخلية الروسية ”المبهمة“ وسوق النفط.

وحقق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وشريكه القديم الرئيس التنفيذي لروسنفت إيغور ستشين ”انتصارًا“ بسبب الصفقة على الرغم من أن أسهم الشركة تم بيعها بسعر أقل من سعرها السوقي.

وجرى اتخاذ قرار تخصيص روسنفت هذا العام لسببين: أحدهما مالي والآخر سياسي، حيث كانت روسيا بحاجة لسد العجز في الميزانية الذي نشأ عن انخفاض سعر النفط بسبب نفور بوتين من ازدياد الدين الحكومي، خاصةً أن أسواق الدين لا تلقى ترحيبًا في العالم. ويتعلق السبب السياسي بمحاولة إثبات الرئيس الروسي عدم كفاءة العقوبات المفروضة من الغرب ضد بلاده.

ولا تحظر العقوبات مشاركة المستثمرين من أوروبا والولايات المتحدة مباشرةَ في الخصخصة، إلا أنهم جعلوا المستثمرين حذرين. فخلال غالبية السنة الحالية، لم يكن يبدو أن صفقة روسنفت ستخدم هدفها السياسي. وأشير إلى شركات من الصين وكازاخستان باعتبارهم مشترين محتملين. إلا أن الاحتمال الأكبر كان أن تقوم روسنفت بشراء حصصها ”بنفسها“ حتى تحصل الميزانية الروسية على 700 مليار روبل (11مليار دولار) من الخصخصة المقررة، ثم تعرض الأسهم للبيع أمام المستثمرين في الخارج مجددًا في العام الذي يليه.

ولو أن ذلك حدث لكانت النتيجة مُذلة ومُؤلمة، على الرغم من أن روسنفت كانت تملك المال اللازم للقيام بذلك، ففي نهاية شهر أيلول/ سبتمبر كانت تملك أكثر من 19 مليارات دولار نقدًا، وكان يقع على عاتق ستشين إنقاذ الموقف.

A woman walks past the headquarters of Russia's state-controlled oil giant Rosneft in Moscow on November 15, 2016. Russia on November 15 charged Economy Minister Alexei Ulyukayev with bribe-taking after he was detained on suspicion of accepting a two-million-dollar payoff over a deal involving state-controlled oil giant Rosneft. / AFP / Alexander NEMENOV (Photo credit should read ALEXANDER NEMENOV/AFP/Getty Images)

سمعة سيئة..

يفوق سوء سمعة ستشين أي مقرب آخر لبوتين. وبالرغم من أنه عمل مع الحكومة خلال أغلب مسيرته المهنية إلا أنه تحول إلى شركة روسنفت المساهمة العامة في عام 2012، وهو ”ثري للغاية“ ويحمي مصالحه بشراسة. ففي الآونة الأخيرة، رفع دعوى على صحيفة ”فيدوموستي“ الروسية اليومية للأعمال التجارية لنشرها مقالًا يتحدث عن منزله الفخم بالقرب من موسكو، مجبرًا الصحيفة في النهاية على تدمير أية نسخ لا تزال بحوزتها، وإزالة المادة المخالفة من موقعها الالكتروني. وأجبر حكم قضائي مماثل صحيفة ”نوفايا غازيتا“ اليومية على حذف مقال حول يخت ستشين المسمى الأميرة أولغا على اسم زوجته الشابة الجديدة. ورفعت روسنفت الآن دعوى قضائية ضد مؤسسة إخبارية روسية أخرى ”RBC“ تطالب من خلالها بـ 3 مليارات روبل – أكثر من المال الذي تملكه المؤسسة- بسبب نشرها قصة تتناول تفاصيل خصخصة الشركة المخطط لها.

نمط حياة ستشين الفاخرة وميله للتباهي بها عبر وسائل الإعلام لا يتناسب مع توجهات بوتين والقائمة على تبني أعضاء دائرته الداخلية حياة أكثر سرية ومنحهم روسيا المحاصرة بعضًا مما أعطتهم في السابق، حيث فقد مقرب آخر لبوتين؛ فلاديمير ياكونين، وظيفته كرئيس للسكك الحديدية المحتكرة في العام الماضي لعدة أسباب انحصر جلها في جلبه الإحراج لبوتين.

وخلال خطابه للأمة في الأسبوع الماضي، أصدر بوتين تحذيرًا غريبًا، ”الصراع ضد الفساد ليس عرضًا“، فبوتين لم يعد يرغب بأن يكون الفساد في الحكومة وتورط دائرته الداخلية موضوع للمناقشة؛ هو يرغب فقط بأن يعلم الروس أن لا أحد آمن من العقاب.

يقدم أكثر مما يأخذ

وعلى غير العادة، لم يكن ستشين في الكرملين للاستماع لخطاب الأمة. ولعدة أسابيع كان يتغيب عن اجتماعات مهمة في موسكو ليقوم بعشرات الرحلات الخارجية حتى يتمكن من تأمين صفقة للخصخصة لن تجلب لروسيا السخرية. ولم يكن ليجرب القيام بهذه المهمة الصعبة لو أن مكانته أكثر أمنًا؛ إلا أنه عاد الآن منتصرًا. وعلى النقيض من ياكونين، تمكن ستشين من تثبيت مكانته الآن على أنه ”الرجل الذي يقدم لبلاده أكثر مما يأخذ“.

وعندما هنأه بوتين علنًا على الصفقة، أظهر ستشين أنه يعلم مكانته، قائلاً: ”نظرًا للوضع الاقتصادي الخارجي الصعب للغاية والجدول الزمني الضيق لمثل هذا المشروع، أنا أبلغك أن الصفقة التي أتممناها أصبحت ممكنة التحقيق بفضل مساهمتك الخاصة والدعم الذي تلقيناه منك“.

قطر والغاز والأزمة السورية

وكانت مساهمة بوتين الشخصية بلا شك مهمة. فقطر ليست حليفة تقليدية لروسيا، فحتى وقت مبكر من هذا العام كانت العلاقات بين البلدين متوترة، وهما يتبنيان رسميًا مواقف متناقضة من الأزمة السورية. إلا أن أمير قطر تميم بن حمد الثاني زار موسكو في يناير/ كانون الثاني، وقضى ساعتين وهو يتحدث مع بوتين. ووقع الاجتماع وراء أبواب مغلقة، إلا أن أجندة الاجتماع ليست صعبة التكهن. فقطر مهتمة بشدة بإنهاء الحرب السورية لأنها ترغب ببيع الغاز لأوروبا عبر خط أنابيب يمر بطبيعة الحال بسوريا. ويبدو أن حدوث هذا سيكون ضد مصالح روسيا الخاصة مباشرة، على اعتبارها المورد الرئيس للغاز إلى أوروبا، ومشاركة روسيا في المنطقة تجعل الخطة أقل واقعية. وبالرغم من أن بوتين يعمل بشكل وثيق مع إيران في سوريا، فهو لا يريد علاقة تصادمية مع دول الخليج، بسبب اهتمامه باستثمارهم وعلى استعداد لمناقشة مستقبل سوريا لما بعد الحرب معهم، ويكمن مربط الفرس في ذلك، من ”مدينة حلب“.

وفي هذا السياق، نسبت وكالة انترفاكس للأنباء، إلى سيرجي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسية قوله: ”في الأيام القليلة الماضية حدث تبادل مكثف للوثائق بشأن الوضع في حلب ونقترب من الوصول إلى تفاهم لكن أريد أن أحذر من رفع سقف التوقعات“.

في المقابل أعلنت واشنطن أن وزراء خارجية قطر وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة سيجتمعون في وقت لاحق من الأسبوع القادم بالعاصمة الفرنسية باريس، لبحث سبل إيقاف القتل في مدينة حلب السورية.

صفقات

وتملك البنوك الأوروبية التي ما زالت حذرة في الآونة الأخيرة من عقد صفقات متعلقة بروسيا، خاصة الشركات التي تسيطر عليها الدولة، أسبابًا أقل للخوف من العقوبات. ومع احتلال فرانسوا فيون المعادي بشكل رسمي لسياسة العقوبات صدارة سباق الانتخابات الرئاسية الفرنسية، ومع قرب تولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة رسميًا، أصبح من المتوقع ضعف التصميم على العقوبات.

وأقدم بنك ”انتيسا سان باولو“ الإيطالي على مجازفة سياسية عندما اتفق على أن يكون مستشار عملية خصخصة شركة روسنفت في أيار/ مايو، وأقدم على مجازفة أقل عندما أمن الجزء الأكبر من حصة ”جلنكور“ من الأموال في الاتفاق النهائي.

وجاء اسم جلنكور في الصفقة متوجًا لبوتين وستشين. فعلى الرغم من أن مقر الشركة المتخصصة بتجارة السلع في سويسرا، إلا أنها لاعبة رئيسة في مجال الصناعات الغربية الكبرى. وهذه إشارة واضحة للأسواق بأن الرئيس التنفيذي للشركة إيفان غلاسنبرغ يراهن على الأصول الروسية، بدليل أن قيمة أسهم روسنفت ارتفعت منذ الإعلان عن الصفقة.

مفاجأة سارة

تشير جلنكور أنها ستضع 300 مليون يورو من مالها الخاص فقط، رغم أنها تملك حصة متساوية في المجموعة مع صندوق قطر. ويأتي ما تبقى من المال من شركة أنتيسا، إلا أنها اتفاقية ”لا يمكن الرجوع بها“ ما يعني أن جلنكور مخولة بالتصرف بحصتها فقط من الأسهم. إضافة إلى أن الشركة التجارية تملك اتفاقية جديدة لبيع 220 ألف برميل في اليوم من نفط روسنفت – أكثر من حصتها المقررة بـ190 ألف برميل في اليوم، وفقًا لاتفاق العام 2013 الذي ينتهي في العام المقبل. وتسمح الزيادة لجلنكور ببناء عمليتها النفطية المتباطئة إلى حد ما، وتتيح لروسيا رد معروف تدين به لتجار السلع الرئيسة – جلنكور، ترافيجورا، وفيتول- الذين ساعدوا روسيا في الحفاظ على مستوى صادراتها النفطية في عهد العقوبات.

وبيعت حصص روسنفت بسعر أقل من سعر السوق، ولو أن ستشين أخبر بوتين أن هذا أفضل سعر تمكن من الحصول عليه. أما فيما يتعلق بالمال الذي ستحصل عليه الميزانية الروسية- الأثر الأبرز للصفقة ومبرراتها – فإن ستشين قدم أقل بقليل مما كان مطلوبًا منه. إذا كانت قيمة الصفقة 10.2 مليار يورو كما أعلنت جلنكور- وليس 10.5 مليار يورو كما قال بوتين عندما هنأ ستشين- وستتلقى روسيا قرابة 697 مليار روبل أي أقل بـ 3 مليارات من الهدف.

في النهاية، مراهنات بوتين أتت بثمارها، والأصول الروسية تتخلص من الآثار السلبية التي عانت منها خلال العامين الماضيين.

13ba1d6713ff322ad854ac1a2d3b6897