محطة محروقات في إحدى المدن الليبية
محطة محروقات في إحدى المدن الليبية رويترز

التحذير من سيناريو رفع الدعم عن الوقود والسلع في ليبيا

إعادة سحب ملف رفع الدعم من أدراج كل حكومة ليبية أخفقت في معالجة أزمات الندرة في الوقود والسلع، تعيد حقيقة مصطلح "الدولة الاجتماعية"، الذي ظل لصيقا بليبيا منذ عقود.

واليوم، تم التراجع عن هذا المكسب بالنسبة للفئات الهشة التي ستدفع ثمنا آخر لقرارات سلطة تنفيذية "غير منتخبة"، يقول متابعون إنها رضخت لإملاءات خارجية.

وفي إحدى المبررات التي ساقها رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في محاولة لتمرير قرار رفع الدعم عن المحروقات، حمّل مسؤولية فشل وعجز الدولة إلى المواطنين.

وأشار إلى أن فواتير ونفقات البنزين والماء والكهرباء ما بين استهلاك ونقل تتكلف سنويًّا ملايين الدنانير، وتتحملها الدولة وحدها، قائلا: "نحن مجتمع اتكالي لا يعمل ولا ينتج".

لكن هل الظروف ملائمة لاتخاذ قرار رفع الدعم الذي سبق وأن أوصت دراسة صادرة عن البنك الدولي قبل سنوات، بضرورة أن يتم خفض الدعم عن السلع في ليبيا عبر خطوات متتابعة، وعلى مدى زمني واسع، ما يؤدي لتحقيق وفورات مالية في الميزانية، مع الحرص على عدم حدوث اضطرابات اجتماعية.

وأكدت الدراسة أن إلغاء الدعم الكامل على المواد الغذائية والوقود، سيرفع معدل الفقر بنحو 4%، ليصل إلى 21.7 %، وأن تقديم دعم نقدي مباشر للمواطنين سيكون كافيا لتثبيت معدلات الفقر.

ومن جانبه، أعلن صندوق النقد الدولي، لدى إعلان استئناف أنشطته الرقابية في ليبيا قبل أشهر بعد توقف عقد من الزمن منذ عام 2011، موصيا بـ"تجنب السلطات الإنفاق الكبير في حال جودة الاقتصاد والادخار في أوقات التباطؤ".

أخبار ذات صلة
ليبيا.. رفع الدعم عن الوقود يشعل غضبا واسعا

متابعا أن "هذا يتطلب من ليبيا الخروج بشكل عاجل بميزانية شفافة، تقلل التكاليف المرتبطة بارتفاع الإنفاق على أجور القطاع العام والإعانات".

ووفق خبراء فإن رواتب القطاع العام تهيمن على الإنفاق الحكومي، خاصة أن قرابة المليونين و200 ألف مواطن، بما يمثل نحو ثلث السكان يعملون بالقطاع العام.

كما تبلغ الإعانات المقدمة والتي يذهب الجزء الأكبر منها إلى دعم الوقود نحو 25% من الإنفاق الحكومي، وأشار إليه الصندوق بأنه "يمثل إشكالية فالسعر المحلي للبنزين 3 سنتات لكل لتر وهو ثاني أدنى سعر في العالم".

غير أن الشارع الليبي يتخوف من تعرض ملف المحروقات لسيناريو تخلي الحكومات السابقة عن وعودها بشأن استبدال الدعم السلعي بالنقدي مثلما حدث سنة 2015، وما تبعه من فرض ضريبة على سعر الدولار على حساب جيب المواطن، وبعدها تخفيض قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية للدينار دون تعويض المواطن.

وللعلم كان الدعم السلعي في ليبيا يشمل 12 سلعة في عام 2011، قبل أن يبدأ رفع تدريجي للدعم عن عدة مواد غذائية منها الزيت، والسكر، والطماطم.

أما محاولات رفع الدعم عن المحروقات فتعود إلى عام 2000، وقتها حاول النظام السابق ذلك، ليتكرر الأمر في عام 2013 من قبل المؤتمر الوطني العام.

ويستغرب رئيس الهيئة التأسيسية لحزب التجمع الوطني الليبي أسعد زهيو، من القرارات المتسرعة، مشيرا إلى تركيبة المجتمع الليبي الذي يعد بطبيعته مجتمعا تكافليا، في حين الدولة غنية وتتمتع بموقع جغرافي إستراتيجي مهم، ولديها ثروات كبيرة لم يتم توظيفها بالشكل الأمثل لبناء الدولة.

واعتبر المحلل السياسي زهيو في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن مثل هذه "القرارات غير مدروسة، وتحتاج إلى عمل طويل الأمد، وتهيئة الوعي المجتمعي عند المواطنين".

وتابع أنه إذا ما تم رفع الدعم سيكون المبرر على الأقل إقناع المواطنين بمخاطر الاعتماد المفرط على النفط، أو التضخم الحاصل في الرواتب، حيث ثلثي ميزانية الدولة تذهب للمرتبات، بينما ليبيا بحاجة لإعادة إعمار البلاد.

وعرّج أسعد زهيو على طبيعة السلطة المؤقتة، فهي "غير مخولة باتخاذ قرارات إستراتيجية من هذا النوع، وقد جاءت عبر اتفاق سياسي هش وضعيف وليست لديها مشروعية اتخاذ القرارات، بل رفع الدعم يحتاج لبرنامج عمل متكامل ودراسة مستفيضة وليس بين ليلة وضحاها تطل الحكومة بهذا الإجراء"، متوقعا أن تكون حالة الرفض كبيرة في الشارع.

ولا يستبعد المحلل وقوف إملاءات من صندوق النقد الدولي وراء القرار نتيجة الصرف غير الطبيعي، وهو ما جعله يضع اشتراطات لتقنين الإنفاق العام.

وبدوره، يلفت الخبير الاقتصادي الليبي محمد أحمد إلى منهجية صندوق النقد والبنك الدولي اللذين يشترطان استهداف الفئات المحتاجة بالتحويل النقدي وتنفيذ أي رفع للدعم بطريق تدريجي، لكن "المشكلة في الإدراك من جانب الليبيين، إضافة إلى نوع من التسرع واللاعقلانية في اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية".

وأرجع محمد أحمد، أسباب التراجع عن مكتسب الدولة الاجتماعية، إلى نقص الخبرة في إدارة الدولة والشأن العام من قبل النخبة السياسية، وعدم وجود رؤية إستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى الحفاظ على الكيان الوطني.

وأكد الخبير صعوبة إيجاد تبرير منطقي للقرارات الحالية بما فيها السياسات النقدية، والاقتصادية، والتجارية، والنفطية أيضا.

ويرى أن الدولة عليها ديون تفوق 200 مليار دينار وأي توفير تحققه من رفع الدعم سيذهب تلقائيا إلى الإنفاق العام، أو لإطفاء الدين في أحسن الأحوال.

الأكثر قراءة

No stories found.


logo
إرم نيوز
www.eremnews.com