اقتصاد

وسط معاناة اللبنانيين.. محادثات الإنقاذ مع صندوق النقد وصلت طريقًا مسدودًا
تاريخ النشر: 01 يوليو 2020 17:36 GMT
تاريخ التحديث: 01 يوليو 2020 20:20 GMT

وسط معاناة اللبنانيين.. محادثات الإنقاذ مع صندوق النقد وصلت طريقًا مسدودًا

في الوقت الذي يغذي فيه الفقر المتسارع مشاعر الغضب، واليأس، والخوف، من انفجار اجتماعي، يبدو أن جهود النخبة الحاكمة في لبنان لإنقاذ البلاد من انهيار مالي بمساعدة

+A -A
المصدر: رويترز

في الوقت الذي يغذي فيه الفقر المتسارع مشاعر الغضب، واليأس، والخوف، من انفجار اجتماعي، يبدو أن جهود النخبة الحاكمة في لبنان لإنقاذ البلاد من انهيار مالي بمساعدة صندوق النقد الدولي تسير في الاتجاه العكسي.

وفي لبنان الذي اشتهر وسط بلدان الشرق الأوسط بأنه ”سويسرا الشرق“، أصبح الفقر الذي حل بالبلاد منذرًا بعواقب وخيمة تتبدى في صور مواطنين يستجدون في الشوارع أو ينبشون القمامة بحثًا عن شيء يصلح للأكل أو يقايضون أثاث بيوتهم بالطعام.

2020-07-sdffsd

ويتفق العديد من المسؤولين اللبنانيين الحاليين والسابقين، والدبلوماسيين، والمسؤولين الدوليين، وخبراء الاقتصاد والمحللين، على أن المحادثات مع صندوق النقد لانتشال لبنان من أزمته الاقتصادية تشرف على الانهيار، لكن الوقت بدأ ينفد.

وقال ناصر سعيدي وزير الاقتصاد السابق وهو من قيادات مصرف لبنان المركزي سابقًا عن المحادثات مع صندوق النقد الدولي، إنها“بلغت طريقًا مسدودًا“.

وتقول غالبية المصادر التي اشترطت عدم الكشف عن هويتها، إن الطبقة السياسية، التي يتكتل أفرادها وفق أسس طائفية وعائلية أبعد ما تكون عن الاتفاق على نهج مشترك، لا تزال تتشبث بمصالحها الخاصة بل يصل الجدل بينها إلى حد الاختلاف على ما إذا كان لبنان قد أفلس فعلًا.

واستقال اثنان من أعضاء فريق التفاوض اللبناني خلال شهر واحد استنادًا إلى ما وصفاه بمحاولات للتخفيف من خسائر مالية هائلة في خطة الحكومة.

وقال مسؤول كبير مطّلع على المحادثات:“هم لا يتفاوضون على برنامج“ مع صندوق النقد الدولي. وأضاف:“لا يوجد توافق لبناني على التشخيص، لذا ما الذي يمكن أن يتفاوضوا عليه؟“

2020-07-fdfddsds

 

وبدأ النقد الأجنبي ينفد بسرعة من لبنان الذي يبلغ عدد سكانه 6 ملايين نسمة.

وعمدت الدولة التي تشهد انهيارًا في إيراداتها إلى طباعة النقد لصرف أجور العاملين فيها والذين يقدّر عددهم بنحو 800 ألف موظف.

وقال دبلوماسي غربي:“ثمة خطر حقيقي أن يحدث انفجار“؛ مضيفًا أن ثلث مليون شخص فقدوا وظائفهم منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عندما تفجرت احتجاجات على الطبقة السياسية وأدت إلى استقالة الحكومة.

 خلاف على الأرقام والإصلاح

مع التخلص من القيود التي فرضتها السلطات لاحتواء فيروس كورونا عادت مشاعر الغضب التي فجّرت الاحتجاجات في الخريف الماضي للظهور، بل وازدادت مظاهر الغضب بإلقاء قنابل حارقة على بعض فروع البنوك، التي أصبحت أكبر هدف للاستياء الشعبي بعد النخب السياسية التي تربطها بها صلات وثيقة.

وأخيرًا تولت الدفة حكومة جديدة في أوائل العام الجاري، ورغم أنها وُصفت بأنها حكومة من التكنوقراط فقد كان جميع أعضائها من ترشيح أصحاب السلطة الحقيقية.

وهي تضم بعض التكنوقراط إلى جانب مرشحين حزبيين، ويقول معارضون إن رئيس الوزراء حسان دياب أسير معروف من جاءوا به إلى السلطة وعلى رأسهم جماعة حزب الله الشيعية المدعومة من إيران، وحلفاؤها المسيحيون وأبرزهم الرئيس ميشال عون، وحركة أمل الشيعية برئاسة نبيه بري رئيس مجلس النواب.

2020-07-fdfdfdf

ونفى دياب مرارًا أن تكون حكومته منحازة إلى أصحاب المصالح السياسية.

توزيع الخسائر

وبلغ الأمر بلبنان حد الإفلاس، ولن يتمكن من سداد ديونه الضخمة بالكامل وجانب كبير منها مستحق للبنك المركزي والبنوك المحلية، لكن لم يطرح أحد إستراتيجية متفق عليها لتوزيع الخسائر بين المودعين وحملة الأسهم في البنوك وحملة السندات الأجانب والدولة.

والتحدي الأول هو القبول بحجم الخسائر، وأقر صندوق النقد الدولي أرقام الحكومة التي تشير إلى أن العجز يتجاوز 90 مليار دولار.

غير أن البنوك والبنك المركزي وأعضاء في البرلمان يمثلون فصائل سياسية نافذة يقولون إن الرقم الحقيقي نصف هذا الرقم. ويصف معارضون ذلك بأنه حيلة محاسبية قائمة على سعر صرف مشكوك فيه.

وقال رئيس الوزراء دياب في بيان، يوم الثلاثاء:“ملتزمون بالخطة المالية وبأرقام الخسائر الواردة فيها، وتجاوزنا ذلك، ونبحث الآن في كيفية توزيع الخسائر بالتواصل مع حاكم المركزي والقطاع المصرفي ووزير المال حتى نجد السيناريو المناسب، وليس هدفنا تركيع القطاع المصرفي أو مصرف لبنان ولن يدفع المودعون الثمن“.

وقالت عدة مصادر إن صندوق النقد حاول إقناع المصرف المركزي بقبول الأرقام الأعلى، لكن حاكم المصرف رياض سلامة تمسك بموقفه. وامتنع سلامة عن التعليق، وقال إنه لا علم له بمثل هذه الانتقادات.

2020-07-20200625104219afpp-afp_1u2507.h

وقالت لجنة برلمانية لتقصي الحقائق، اليوم الأربعاء، إنها تقدر الخسائر الإجمالية في النظام المصرفي ما بين 60 تريليونًا و122 تريليون ليرة لبنانية. ويقع هذا النطاق بين ربع ونصف المبلغ الذي تعترف به الحكومة ويقبله صندوق النقد.

وقال رئيس اللجنة إبراهيم كنعان المنتمي للتيار الوطني الحر، الذي يتزعمه الرئيس ميشال عون وقد وقف حوله نواب من الأحزاب الرئيسة الأخرى: ”الفرق كبير“.

وأضاف:“هذه هي الخيارات، وأتمنى على الحكومة أن تدرسها.. وننطلق إلى المرحلة الثانية والتي هي مرحلة التفاوض بوفد موحد ورؤية واحدة“.

وامتنع الصندوق عن التعليق على المناقشات مع الجانب اللبناني، لكنه اكتفى بتصريحاته السابقة، ومنها أن الأرقام الأصلية التي طرحتها الحكومة ”تتفق بصفة عامة مع الحجم السليم“.

وقال سعيدي الوزير السابق:“أمر لا يُصدق أن مجموعة من البرلمانيين في دولة فاشلة يحاولون التشكيك بخبرات صندوق النقد الدولي. ولا يمكن أن يقبل صندوق النقد ذلك“.

بل إن القبول بالأرقام لن يكون كافيًا، إذ يتعين على لبنان أن يعالج سبب المشكلة وهي إنفاق الحكومة بشكل مفرط لمكافأة أنصار تيارات بعينها.

2020-07-ffgfgfg

وسيتعين أيضًا تقليص كلفة مرتبات العاملين في الدولة ومعاشات التقاعد وهي كلفة باهظة. ويتفق الجميع تقريبًا على أن شركة كهرباء لبنان تتصدر قائمة الإصلاح إذ إنها تخسر حوالي ملياري دولار سنويًا.

كما أن البدء في التفاوض مع صندوق النقد يتطلب تنفيذ إصلاحات أساسية تجاهلتها الحكومة حتى الآن.

ويجب أن تفرض سلطة تنظيمية سيطرتها على الجمارك التي تخضع الآن لإقطاعيات حزبية، كما يجب إنشاء حساب موحد للمصروفات والإيرادات بوزارة المالية وتوحيد أسعار الصرف.

تحت خط الفقر

ومنذ أكتوبر / تشرين الأول، حُرم أصحاب الودائع إلى حد كبير من القدرة على السحب من حساباتهم الدولارية.

ويمثل الدولار عملة ثلاثة أرباع الودائع كلها تقريبًا وقد استغل البنك المركزي والحكومات المتعاقبة الجهاز المصرفي في تمويل الدولة فيما يصفه المنتقدون بأنه خطة تقوم على الاحتيال، لكنها على مستوى الدولة لا على مستوى الأفراد.

وفقدت الليرة اللبنانية 80% من قيمتها منذ تفجرت احتجاجات شعبية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ضد النخبة التي تحكم البلاد على أسس طائفية.

وكانت العواقب الاجتماعية مفزعة.

2020-07-fddfdfd

فالطبقة المتوسطة اللبنانية بدأت تغرق، وقدّر البنك الدولي أن حوالي 48 % من اللبنانيين كانوا يعيشون بنهاية 2019 تحت خط الفقر.

وتضاعفت أسعار المواد الغذائية ودفعت البطالة كثيرين إلى اللجوء للجمعيات الخيرية وبنوك الطعام، غير أن الجوع قد ينتشر على نطاق واسع عندما تنفد الدولارات التي يستخدمها البنك المركزي في دعم أسعار الخبز والدواء والوقود، وهو ما سيحدث عاجلًا أو آجلًا إذا لم يحصل لبنان على مساعدات خارجية.

ولعشرات السنين ظل المانحون الأجانب يقدمون العون منذ انتهاء الحرب الأهلية وعلى رأسهم: فرنسا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، ودول عربية خليجية، لكنهم أصبحوا غير مستعدين لانتشال لبنان من أزمته ويطالبون بالإصلاح.

وإذا انسحب صندوق النقد الدولي فعلى بيروت ألا تتوقع أن تتقدم دول من التي كانت تساعدها في السابق لإنقاذها.

ويقول الدبلوماسي الغربي:“إذا كان هذا الطريق (صندوق النقد) مغلقًا فستغلق كل الطرق الأخرى. فهم بحاجة لتنفيذ إصلاحات حقيقية يمكن التحقق منها، كما يشترط الصندوق، حتى إذا لم تكن مثالية“.

ويضيف:“لن يتقدم بلد أوروبي أو عربي خليجي ولا أمريكا بالطبع لإنقاذ لبنان. يجب على القيادات اللبنانية أن تستجمع إرادتها لإنقاذ بلادها“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك