قرض صندوق النقد الدولي لمصر.. نعمة أم نقمة؟

قرض صندوق النقد الدولي لمصر.. نعمة أم نقمة؟

المصدر: محمد زهور و محمود غريب – إرم نيوز

في عصر الركود الاقتصادي وما يحيط به من أزمات سياسية تهز بلدان الشرق الأوسط، هل ستشكل القروض التي يُتحصل عليها من صندوق النقد الدولي بلسما شافيا لاقتصادات الدول المتعثرة وعلى رأسها مصر؟

اشتراطات

تنوعت الأراء بين من يؤيد الاقتراض من صندوق النقد وبين من يعتبره عبئا يضاف إلى الدولة المنهكة اقتصاديا، ويستدل أصحاب الرأي الثاني بأن الحكومات الطالبة للقروض غالبا ما يتجه سعيها بعد الحصول عليه إلى تطبيق شروط صندوق النقد، مبتعدة عن الغاية الرئيسة من القرض متمثلة في تحسين مستوى المعيشة لشعبها، إضافة إلى أن شروط الإقراض المفصلة تجعل القروض عبءً على الدول النامية لأنها فى أغلب الأحيان ”تقيد دور المؤسسات السياسية الوطنية وتحد من تطوير المؤسسات الديمقراطية المسؤولة“.

والواقع أن محاولة الوفاء بعشرات الشروط قد تصبح عائقا صعبا أمام مؤسسات صنع القرار فى عملية الإصلاح. وليس من الممكن فرض الإصلاحات المؤسسية على الدول بواسطة شروط تأتي من الخارج، بل ينبغى تصميم هذه الإصلاحات وتطويرها من الداخل.

في المقابل، لايمكن أن نجزم بأي حال من الأحوال فيما إذا كان القرض ضارا ضررا محضا أم نافعا نفعا محضا، دون الأخذ بعين الاعتبار وضع الدولة الاقتصادي وحجم القرض وماهي الشروط المطلوبة والتي غالبا ماتختلف بين دولة وأخرى.

نموذج

نورد مثالا من القارة السمراء بحسب بحث اقتصادي خاص بصندوق النقد الدولي، ومن نيجيريا تحديدا التي أولاها البنك الدولي وصندوق النقد عناية فائقة للنهوض باقتصادها المتعثر، ورغم ذلك لم تسعفها القروض المتتالية في تحسين مستوى الاقتصاد لديها بل على العكس، أدمنت القروض لتسبح في بركة من اشتراطات كما يقال في العامية“ ألها أول مالها آخر“، وبلغت شروط صندوق النقد والبنك الدولي عام 1999 على 13 دولة إفريقية 114 شرط لكل دولة، وثبت وفق البحث الاقتصادي استحالة تمكن تلك الدول من تلبية هذه الشروط وأن تنجح بذات الوقت من تحسين مستوى معيشة شعوبها.

مصر.. ورعب الاشتراطات

بعد أن حطت بعثة صندوق النقد الدولي رحالها في القاهرة أواخر الشهر الماضي، بدأت الأوساط الاقتصادية تستشعر القلق والارتياب من اشتراطات صندوق النقد، وحتى قبل أن يتم الإعلان عن القرض وحجمه من قبل الصندوق، وطيلة المدة المقررة لبعثة الصندوق، دخل الشارع المصري في حالة من الشد والجذب مع الحكومة المصرية، وكان سلاح الشائعات- بحسب ما وصفته الحكومة- المحرك للقلق من القرض المبتغى من الصندوق.

ووفق محللين اقتصاديين، تأتي الاستعانة بصندوق النقد بعد اتساع الفجوة التمويلية لدى الحكومة وتفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، حيث بلغ سعر الدولار في السوق الموازية 13 جنيها مصريا مقارنة بـ8.88 جنيهات لدى البنوك. وبلغ الدين الخارجي لمصر 53.4 مليار دولار بنهاية مارس/آذار الماضي، وهو ما يعادل 16.5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وبلغت ذروة الشد والجذب مع تخوف الشارع المصري من قيام الحكومة بتسريح نحو 3 ملايين موظف حكومي، كشرط من قبل صندوق النقد لتنفيذ اصلاحات في المؤسسات الحكومية، وهو الأمر الذي نفته وزارة المالية جملة وتفصيلا، مؤكدة عدم نتيها تسريح 3 ملايين موظف بالجهاز الإداري للدولة.

ما بعد القرض

توصلت بعثة صندوق النقد الدولي في القاهرة برئاسة كريس جارفيس- بعد دراسة مستفيضة لاقتصاد مصر – أمس الخميس، لاتفاق مع الحكومة المصرية لإقراضها 12 مليار دولار على 3 سنوات، ودعا الصندوق في بيان له شركاء مصر إلى مساعدتها في هذا الوقت الحرج.

الصندوق أكد أن البرنامج التمويلي يهدف إلى تحسين أسواق الصرف الأجنبي وتقليص عجز الموازنة وخفض الدين الحكومي، مشيرا إلى أنه من المتوقع انخفاض الدين من 98% من الناتج المحلي في 2015-2016 إلى 88% في 2018-2019.

ونوه الصندوق إلى أن البنك المركزي المصري سيسعى لتعزيز احتياطي النقد الأجنبي وخفض التضخم إلى معدل في خانة الآحاد، والتحول إلى نظام سعر صرف مرن، سيعزز القدرة التنافسية لمصر وصادراتها، وسيجذب استثمارات أجنبية مباشرة.

تفاؤل وتوجس..

الدكتور رشاد عبده رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية تحدث في تصريحات لـ“إرم نيوز“، عن ”مميزات وعيوب“ قرض صندوق النقد الدولي المقدم لمصر بقيمة 12 مليار دولار خلال 3 سنوات، لافتًا إلى أن قيمة القرض ستعمل على تعزيز الاحتياطي النقدي لمصر وبالتالي تغطي احتياجات المستوردين من السلع بشكل عام، يدفعهم للاستغناء عن السوق السوداء لصرف العملة الأجنبية، وهو ما يخفض بدوره سعر العملة الصعبة بالسوق السوداء.

وأشار عبده إلى أن مجرد قبول صندوق النقد الدولي إقراض مصر يعتبر شهادة دولية إيجابية، تشير إلى امتلاك القاهرة خطط إصلاح اقتصادي جديدة، وهو ما يشجع كثيرًا على المؤسسات المالية الأخرى على إقراض مصر، وفي الوقت نفسه يبعث برسالة إيجابية لدى المستثمرين لدخول السوق المصرية بالنظر إلى وجود ضمانات حقيقية وخططًا إصلاحية.

وحول عيوب القرض، قال رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، إن تحفظ ممثلي الصندوق عن كشف شروطهم حتى الآن، إلى حين عرض الاتفاق على المجلس التنفيذي للصندوق خلال الأسابيع المقبلة لا يزال يحمل توجسًا حول ماهية تلك الشروط.

وأضاف أن حديث ممثلي الصندوق عن ضرورة وجود شبكة حماية اجتماعية وسياسة نقدية مرنة، يشير إلى رغبة في تخفيض قيمة سعر صرف الجنيه، وهو ما سيعمل على رفع الأسعار وزيادة الأعباء على كاهل المواطنين.

من جانبها، تسألت الدكتورة علياء المهدي أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، عن عدم إعلان شروط صندوق النقد بعد أن تمت الموافقة على القرض، وقالت في تصريحات خاصة لإرم نيوز إن ”عدم كشف صندوق النقد عن شروطه حتى الآن يحمل علامات استفهام لا سيما في ظل التوصل إلى الاتفاق، لافتة إلى أن قرض الصندوق يحمل أبعاد اجتماعية مهمة يجب الإعلان عنها في القريب“.

و تكمن التخوفات بحسب المحللين الاقتصاديين في الاشتراطات الغير معلنة وما يتبعها من ضرورة إحداث تغيرات في البنية الاجتماعية المصرية، وهنا مربط الفرس في تصنيف القرض تحت خانة النفع أم الضرر، ولايمكن الجزم في الوقت الراهن إلا بحقيقة أن الاقتصاد الذي أدمن الاعتماد على الاقتراض لن يجدي معه الاقتراض، إلا إذا استتبع بخطة اقتصادية ناجعة بدءا من محاربة الفساد وليس انتهاء بإرساء قواعد العدالة الاجتماعية.