المخاوف من غسيل الأموال وتمويل الإرهاب تبعد المؤسسات المالية الكبرى عن إيران

المخاوف من غسيل الأموال وتمويل الإرهاب تبعد المؤسسات المالية الكبرى عن إيران

المصدر: محمد زهور – إرم نيوز

لم تكتمل على ما يبدو فرحة طهران برفع العقوبات الاقتصادية عنها في كانون الثاني/ يناير الماضي من قبل الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، على الأقل في الوقت الراهن، والسبب يكمن في التضيق الاقتصادي والخوف من التعامل مع إيران من قبل المؤسسات المالية والشركات التجارية الكبرى حول العالم.

واشتكت إيران مرارا وتكرارا من أن البنوك والشركات الأوروبية تحجم عن استئناف العلاقات التجارية معها، في أعقاب رفع العقوبات عنها. وكانت طهران أعلنت سابقا أنها طلبت من صندوق النقد الدولي تبديد مخاوف هذه المؤسسات، ورغم ذلك أحجمت مؤسسات أوروبية عن التعامل مع إيران، خشية مواجهة مشكلات قانونية أميركية، إذا استأنفت الروابط المصرفية.

و لم تأت خطوات ربط معظم البنوك الإيرانية في شهر شباط /فبراير بشبكة جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (سويفت) أكلها بشكل تام، على خلفية امتناع مصارف عربية وعالمية من التعامل حتى وقتنا هذا مع البنوك الإيرانية وبتبرير أنها لا تستطيع إبرام تعاملات مع طهران بالدولار الأميركي بموجب الأوضاع الراهنة، وإن تمكنت إيران من استعادة أموالها المجمدة أو جزء منها في البنوك الأوروبية والأمريكية والمقدرة بنحو 100 مليار دولار.

هذا الخوف دفع رجل الدين علي خامنئي إلى التذمر من النظام المالي العالمي، معتبرا أن البنوك تخاف من أمريكا وبالتالي فهي لا تفضل التعامل مع طهران حتى بعد رفع العقوبات عنها.

وقال خامنئي وقتها في كلمته بمناسبة البدء بالعام الفارسي الجديد في شهر أذار/ مارس الفائت: ”في الدول الغربية والمناطق الخاضعة لنفوذ الولايات المتحدة تواجه الصفقات المصرفية وتحويل أموالنا من بنوكهم مصاعب… بسبب خوف البنوك من الأمريكيين.“

وتابع: ”لم يلتزم الأمريكيون بتعهداتهم ورفعوا العقوبات على الورق فقط“.

وكانت السلطات الرقابية الأميركية فرضت على بنوك أوروبية غرامات بمليارات الدولارات بعد إتهامها بخرق العقوبات على طهران – قبل رفع تلك العقوبات – ومنها بنوك HSBC ، وبي.ان.بي باريبا والتهديد بإلغاء ترخيص ستاندرد تشارترد.

تسويق ولكن..

وهنا يُطرح السؤال الأهم، هل كانت غاية واشنطن من رفع العقوبات عن إيران مجرد حبر على الورق من الناحية الاقتصادية؟!! وبدون مواربات أو تحليلات يأتي الجواب من الزيارات المكثفة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري إلى أوروبا خلال الشهرين الماضيين، والهدف هو طمأنة حلفائه الأوروبيين ومن خلفهم البنوك العالمية في أن التعامل مع طهران من جديد لن تكون له أي عواقب وخيمة على المؤسسات المالية والشركات التجارية.

وقال كيري في شهر مايو الفائت، خلال اجتماعه بعدد من كبار المسؤولين المصرفيين في لندن، إن ”الولايات المتحدة لن تعاقب البنوك الأوروبية التي تستأنف علاقاتها التجارية مع إيران بشكل مشروع“.

وقبلها كيري لم يعدم الوسيلة خلال لقائه نظيره الإيراني، محمد جواد ظريف، يوم 23 أبريل/نيسان المنصرم في نيويورك، بأن رفع العقوبات المفروضة على طهران، سيأتي أكله في القريب العاجل.

وعلى الرغم من تلك الإجراءات والزيارات والتطمينات الأمريكية، فإن المؤسسات المالية العالمية حتى وقتنا الراهن تتخوف من التعامل المباشر مع البنوك والمؤسسات التجارية الإيرانية، ولايمكن لوم النظام العالمي المالي على ذلك، فأساس أي تعامل مالي مهما كبر أو صغر حجمه، سيعتمد بدون أدنى شك على الائتمان ووجود استقرار مالي وقانوني يضمن الوفاء بالالتزامات وضمان سير التعاملات التجارية على أكمل وجه، وهو أمر لم يتحقق بعد في التعامل مع إيران الخارجة حديثا من العقوبات الاقتصادية، وآثار تلك العقوبات مازال جاثما على صدور ومؤسسات طهران، فدورة المال في المصارف الإيرانية تعاني من أثقال الماضي، وليس سهلا أن تتم محاصرة هذه البنوك لأكثر من 10 سنوات دون أن تصاب بشيء من التراجع والانكماش، سيما أن تعاملاتها خلال تلك السنوات العجاف، قد انحصرت في التعاملات المالية الداخلية فقط.

_86802147_gettyimages-450869640

حلول..

الحلول التي ابتكرتها طهران على ما يبدو في الوقت الراهن، تكمن في مد الروابط والجسور المالية مع مؤسسات أجنبية صغيرة، وهي الأقل تخوفا واحترازا من مثيلاتها الكبرى المتخوفة أصلا من آثار العقوبات الاقتصادية ولاسيما من قضايا غسيل الأموال والتلاعب المصرفي وتمويل الإرهاب وغيرها من المسائل التي تقض مضاجع أصحاب القرار في المؤسسات المالية العالمية، ليستتبع ذلك تعامل تلك المؤسسات الصغيرة مع المؤسسات الكبرى باسمها الخاص وليس تبعا لأي جهة إيرانية، على الأقل من الناحية الظاهرية.

ونقلت مواقع اقتصادية أمريكية نقلا عن مصرفيين قولهم، إن إيران بدأت في إذابة ثلوج آثار العقوبات الاقتصادية عنها من خلال التعامل مع مصارف أجنبية عبر مؤسسات صغيرة لها أنشطة محدودة في الولايات المتحدة، وبالتالي لن تشعر البنوك الكبرى بأي حالة حرج في هذا التعاملات مع المؤسسات الصغيرة، كما لو أنها تتعامل مع مؤسسات إيرانية بشكلها الواضح والصريح.

الغاية

ودون أدنى شك، فإن العقوبات الاقتصادية إن استخدمت يوما من الأيام للضغط على إيران، ستُستخدم آثارها مرة أخرى لتجديد هذا الضغط من قبل واشنطن وحلفائها، ليس كرها ربما بطهران، بل لتمرير الأجندة السياسية والاقتصادية في المنطقة، وترتيب رقعة شطرنج الشرق الأوسط بما يتناسب مع صعود تحالفات جديدة وغياب عداءات ظلت ظاهرية لعقود طويلة، والتهيئة لنظام اقتصادي جديد تظهر المنافسة فيه على أشدها بين أقطابه وليس أدل مثالا على ذلك من أسواق النفط والحصص السوقية المتوزعة فيها، وهنا سيبدأ ظهور تحالف علني ظل لعقود يتذبذب بين التفاهمات الضمنية والتصريحات العلنية المتعارضة.

image_650_365