الذهب الأبيض في مصر.. روح توشك أن تصعد للسماء‎ – إرم نيوز‬‎

الذهب الأبيض في مصر.. روح توشك أن تصعد للسماء‎

الذهب الأبيض في مصر.. روح توشك أن تصعد للسماء‎

القاهرة – ”القطن“، زراعة بيضاء، مدّت يدها منذ نحو قرنين لمصر، فشغلت في البداية نحو ثلثي مساحة أرضها الزراعية و75% من اقتصاد البلاد، حتى وصفها المصريون آنذاك بـ“الذهب الأبيض“، إلا أنّ مشاهد نهاية قيمتها وتراجعها بدأت تظهر وتحذيرات من هنا وهناك أخذت تتنقل على ألسنة مزارعين وخبراء تخوّفاً من فناء هذه الزراعة، إن لم تدعمها الحكومة المصرية بشكل كامل ومستمر.

من السادسة صباحاً إلى 12 ظهراً، تبدأ وتنتهي رحلة المزارع عادل أبو شعيشع (42 سنة) وعدد من الأيدي العاملة في قريته بمحافظة الدقهلية (دلتا النيل/ شمال) لحصاد محصول القطن الذي يتم عادة في شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/ تشرين أول .

قفاز في اليدّ لكل عامل وعاملة، يلاحق الذهب الأبيض قطفاً من غصونه المنتشرة مثل أشعة الشمس في أرض أبو شعيشع، الذي يضع في ذهنه ”ألا يزرع محصول العام القادم إن استمر غياب دور الحكومة في دعمه“،  كما يقول للأناضول.

بذرة القطن الأبيض كلون سحب السماء، تُرمى واحدة وراء الأخرى، في دلاء أسفل أقدام العاملة المجهدة، وبعد وقت ليس بقصير، يحمل أبو شعيشع دلواً ممتلئاً بالقطن؛ وينطلق به إلى ساحة خالية بجوار تلك الأرض الممتلئة بالذهب الأبيض.

على مدار اليوم، تبدأ مرحلة تجميع القطن بالتوازي مع الجني الذي يعادل نحو 155 كليو جرام للفدان الواحد (أكثر من 3 آلاف متر مربع) في أحسن الأحوال، وتنتهي بمرحلة البيع للتجار.

”في إبريل/نيسان تبدأ زراعة القطن بمصر، وهي زراعة مجهدة تتطلب مستحضرات ومبيدات، نأتي ببعضها من السوق السوداء لعدم كفاية ما نحصل عليه من الجمعيات الزراعية“. يتحدث أبو شعيشع، وسط غياب الاحتفاء الرسمي بذهبه الأبيض، الذي كانت مصر تتغنى بقيمته عند وقت حصاده وتقيم الأفراح والأعياد لهذه المناسبة.

وأضاف: ”3500 جنيه (نحو 400 دولار) ندفع لعمالة جني المحصول، بجانب صرف أموال كثيرة على مدار 6 أشهر في السماد والمبيدات وغيرهما، وننتظر أن نرى ما تحدثت عنه الجمعيات الزراعية الحكومية، من وصول سعر قنطار القطن في الوجه البحري (شمال) 1400 جنيه (نحو 175دولار) وفي وجه قبلي (جنوب) 1200 جنيها (نحو 150 دولار)“.

يتذكر الفلاح المصري أبو شعيشع، وهو يجلس على أرضه، خلفه قطنه الأبيض، غياب دور الحكومة في دعم محصول القطن مع تنامي دور التجار، قائلاً: ”الحكومة قديماً كانت بتعمل أماكن تخزين، الآن التجار بتتحكم في السوق“.

قديما في الخمسينات والستينات من القرن الماضي بمصر، كان بنك التسليف (حكومي) مسؤولاً عن القطن؛ حيث كان يجمعه بعد الجني في شون (أماكن تخزين) خاصة، ثم يتم تسليم المزارعين ثمن القطن بعد يومين.

وبنبرة حزينة، تابع أبو شعيشع: ”تستهلك الزرعة طوال السنة منا تكلفة عالية، ولم يكن هناك دور للحكومة“.

في رحلة ثانية لجمع ”الذهب الأبيض“، وهو الاسم الذي عُرف به القطن في عصر مجده، وتحديداً في قرية بمحافظة المنوفية (شمال)، تشابهت مخاوف مزارع ثان تلاحقه هواجس وداع مرير لمحصول القطن.

 المزارع حمدي الباجوري (ستيني)، يروي حكايته مع الذهب الأبيض، قائلاً: ”استأجرت هذا الفدان منذ 35 عاماً كنت أزرعه بالقطن والقمح، والآن أقوم بزراعة ربع المساحة بالقطن والباقي بالذرة كغذاء للمواشي“.

وأضاف: ”بمشيئة الله العام القادم لن أزرع القطن مرة أخرى وسأستبدله بأي محصول آخر؛ فلا يوجد متابعة من الجمعيات الزراعية ولا يوجد إرشاد زراعي يتابع الإنتاج“.

وبحثاً عن دعم مستمر من الحكومة، مضى يقول: ”أصبحت الأرض عبئاً على الفلاح ولابدّ من عودة دعم الدولة للفلاح بتوفير المبيدات والرعاية الجيدة والتسويق الفوري للمحصول“.

 إمام الجمسي، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، يعود بالذاكرة إلى بعد عام 1805 حيث كان يزرع المصريون القطن أيام الحاكم محمد علي وحتى قبل ثورة 1952، وكان يمثل القطن ثلثي المساحة المزروعة ويمثل 75% من اقتصاد مصر ككلّ، والمصدر الرئيسي للعملة الصعبة، ونسبة العمالة كانت فيه عالية جداً، والتصنيع المصري كان قائماً عليه، وكان هو المحرّك الرئيس للمجتمع الحضري والريفي.

ومتطرّقاً إلى تاريخ تراجع زراعة القطن بمصر، أضاف الجمسي في حديث للأناضول: ”بعد 1952، لم يكن الاهتمام بالقطن وحده، وفي 1981 وصلت مساحة القطن المزروعة مليوناً وربع مليون فدان، لكن بدأ الانخفاض التدريجي لها منذ 1991 حتى عام 2000 حيث وصلت إلى 655 ألف فدان، وتواصل الانخفاض في عام 2008/2009 حتى وصلت إلى 280 ألف فدان، والآن بين 300 – 250 ألف فدان“.

وتابع: ”كنا ننتج عام 1891 من القطن 568 ألف طن، ووصل في 2009 إلى 106 ألف طن“.

وحول تسمية الذهب الأبيض للقطن في مصر، قال الجمسي: ”ارتبط اسم الذهب الأبيض بالقطن في مصر فقط، حيث كان يمثل كلّ شيء للمصريين، كان موسماً سنوياً ينتظره المزارعون قبل هذا التراجع الأخير لمّا بدأت الحكومة بتحرير الزراعة، وقالت كلّ مزارع يصنع ما يشاء ويتاجر كيفما شاء“.

وحول توجّه فلاحين مصريين لعدم زراعة القطن لعدم دعم الحكومة، أوضح الجمسي أنّ ”الوزير المصري السابق أحمد جويلي قال في ندوة سابقة عن القطن: ”إن لم تسر الحكومة بطريقة جيدة مع هذه الزراعة، فسنرى القطن في المتحف الزراعي المصري“.

وأضاف: ”لابد من تدعيم الحكومة للمحصول باستمرار، مثلما تفعل دول العالم“.

وتابع: ”التعامل مع القطن الذي يزرع 30% منه الآن في محافظة كفر الشيخ (شمال) لابد أن يكون مختلفاً عن أي محصول آخر، إنه يستخرج منه قطناً للتنصيع والتصدير وتستعمل بذرته في إنتاج الزيت فضلاً عن قطن التنجيد (يستخدم في تصنيع وسادات ومراتب الأسرة بمصر) وعشرات الصناعات الأخرى وإذا انخفض إنتاجه سنضطر لاستيراد قطن سيء وزيت وخلافه وهذا أمر مضرّ بالاقتصاد“.

وأشار إلى أنّ ”الذهب الأبيض بمصر روح توشك أن تصعد للسماء، وهذه عبارة دقيقة جداً لحال قطن مصر“، منبهاً إلى أنّ هناك قرار وزاري بتدعيم القطن بـ300 مليون جنيه.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com