بعد عام من رفع العقوبات الأمريكية.. اقتصاد السودان على شفا الانهيار

بعد عام من رفع العقوبات الأمريكية.....

معدل التضخم فوق 60% ونقص في الغذاء والوقود في الآونة الأخيرة والبشير أقال الحكومة بسبب الأزمة

المصدر: رويترز

على مدى 22 عامًا ظل محمد محمود يودع إيرادات عمله في المحاماة في بنك قرب مكتبه في الخرطوم، لكن الخوف من أن يمنعه خفض سقف عمليات السحب من البنوك عن سحب نقوده، جعله يحتفظ بها في خزانة بمكتبه في الوقت الحالي.

وفرضت السلطات السودانية قيودًا على السيولة المتاحة للبنوك التجارية، من بين إجراءات تهدف لكبح التضخم ومعالجة الأزمة الاقتصادية التي قد تعرقل خطة الرئيس عمر البشير للبقاء في السلطة بعد أن أمضى فيها نحو ثلاثة عقود.

وعلى الرغم من أن البنوك لم تعلن قيودًا محددة على سحب النقود، فإن مبالغ السحب هبطت في بعض الحالات خلال الأسابيع الأخيرة إلى 500 جنيه سوداني (17.12 دولار) يوميًا.

وقال محمود: ”حتى إن لم يكن المكتب آمنًا من السرقة والحريق، فهذا أفضل من إيداعها في بنك“.

وفي الأسبوع الماضي، بعد 11 شهرًا من رفع العقوبات التجارية علي السودان التي فرضتها الولايات المتحدة قبل عشرين عامًا، أقال البشير الحكومة في خطوة قال إنها ”ضرورية لمعالجة حالة الضيق والإحباط التي واجهتها البلاد خلال الفترة الماضية“ وقلص عدد الوزارات بنحو الثلث لخفض التكاليف.

وتجاوز معدل التضخم في السودان 60 في المئة، وهو من أعلى المعدلات في العالم، بينما يشتري الجنيه السوداني أقل من نصف ما كان يشتريه من الدولار قبل عام في السوق السوداء التي حلت محل النظام المصرفي الرسمي. ‭‭ ‬‬

ويعاني السودان من نقص في الوقود والغذاء من آن لآخر، كما تم إلغاء دعم الخبز في يناير/كانون الثاني ليتضاعف سعره، وهو ما دفع المئات إلى التظاهر في الشوارع.

ويعاني الاقتصاد من نقص العملة الصعبة منذ انفصال جنوب السودان في العام 2011 آخذًا معه نصيب الأسد من النفط الذي كان سلعة التصدير الرئيسية من قبل، وعلى الرغم من ازدهار أنشطة تعدين الذهب منذ ذلك الحين، يقر مسؤولون بأن معظم كميات المعدن الأصفر يجري تهريبها من البلاد.

وفي ديسمبر/كانون الأول، قال صندوق النقد الدولي إن احتياطيات البنك المركزي بلغت نحو 1.1 مليار، أو ما يكفي واردات سبعة أسابيع، وهو نحو نصف مدة الثلاثة أشهر التي تُعتَبر كافية في العادة.

ويقول خبراء اقتصاد إن استمرار واشنطن في تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب، مثله مثل إيران وكوريا الشمالية وسوريا، يُبعد المستثمرين الأجانب والبنوك.

ومن المتوقع أن تجري مراجعة لإدراج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، لكن وجود السودان على القائمة لا يعطيه الحق في الحصول على قروض وتمويل هو في أمس الحاجة إليه من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وقال سام بودلي سكوت مسؤول الاستراتيجية في دال الغذائية، وهي أكبر منتج للغذاء في السودان: ”كانت ثمة لحظة تفاؤل جميلة في نهاية العام الماضي حين زالت العقوبات واعتقدنا أن الجميع سيتهافت علينا من حيث الرغبة في الاستثمار“.

وتابع: ”للأسف رجحت كفة الضغوط الاقتصادية المحلية والخارجية وما تبعها من تحديات أمام مزايا إنهاء العقوبات“.

الاحتفاظ بالقيمة

وعلى الجانب الآخر من سوق الذهب في الخرطوم، يستند تجار عملة في السوق السوداء على السيارات ويلوحون بأوراق مالية لجذب عملاء، وزادت أعداد هؤلاء على الرغم من الحملة التي تشنها الحكومة مع خروج الأموال من النظام المصرفي وزيادة الطلب على العملة الصعبة.

وقال أحد التجار: ”في العام الماضي، كان هناك ثلاثة تجار أو نحو ذلك يبيعون العملة في السوق السوداء في الشارع، ولكن الآن تجد بين 10 و20 في الوقت ذاته“.

وخفض البنك المركزي سعر صرف العملة من 6.7 جنيه للدولار إلى 30 جنيهًا في العام الماضي، لكن سعر السوق السوداء لا يزال أقل عند حوالي 42 جنيهًا للدولار.

ويقول متعاملون في العملة إن الطلب على الدولار زاد مع تحويل الناس نقودهم للحفاظ على قيمتها.

وقال زهير سعيد، الرئيس التنفيذي لمجموعة سعيد، وهي من أكبر مجموعات الشركات في السودان: ”ليس هناك ثقة في النظام السياسي والاقتصاد، ما حدا بكثيرين للاحتفاظ بالعملة الصعبة في منازلهم وفي حاشيات وخزائن، الآن حتى ربات البيوت حين يوفرن نقودًا يدخرنها بالدولار“.

وخارج متجر أمير محمد عثمان في الخرطوم تتكدس الخزائن على الرصيف على مرمى البصر من عملاء البنك المصطفين في الشارع ذاته، وارتفعت المبيعات إلى ثلاث أو أربع خزائن يوميًا من واحدة فقط في الشهر في وقت سابق، متخطية مبيعات الأثاث، وهو نشاطه المعتاد.

أقصى درجات الغضب

وتقول ”دال“ الغذائية، موزع ”كوكاكولا“ ومجموعة سعيد، أكبر منتج للبسكويت في السودان، إن مبيعات الوجبات الخفيفة التي ينتجاها تماسكت خلال فترة التراجع الاقتصادي إذ لجأ إليها الناس كبديل عن أغذية ليست في متناول أيديهم.

وقال سعيد: ”أصبحت وجبة منتصف النهار لكثيرين قطعة من البسكويت مع حليب أو شاي“.

وقال سكوت من ”دال“ إن إيرادات ”كوكاكولا“ استقرت، مضيفًا أن ”الناس يعتبرونها سلعة اقتصادية للحصول علي ما يحتاجونه من كربوهيدرات يقيمون بها صلبهم للاستمرار في الحياة“.

وعلى الرغم من الهدوء الذي يعم الشوارع منذ احتجاجات الخبز في يناير، فإن الأزمة تمثل مشكلة للبشير الذي أعلن حزبه الحاكم الشهر الماضي أنه سيرشحه لخوض الانتخابات في عام 2020، ما سيتطلب تعديل الدستور.

وقال الرئيس، الذي تولى السلطة في أعقاب انقلاب عسكري العام 1989، في خطاب الأسبوع الجاري أن الإنفاق الحكومي سيكون عند أقل مستوى ممكن.

وربما تكبح الاحتجاجات ذكريات العام 2013، حيث تشير التقديرات إلى أن قوات الأمن قتلت نحو 185 شخصًا حين نزل الآلاف إلى الشوارع للاحتجاج على رفع أسعار الوقود.

لكن الصحفي والمعلق فيصل صالح يقول إن الناس بدأوا يشعرون أنه لم يعد هناك ما يخسروه.

وعلق على ذلك قائلًا: ”هذه أسوأ أزمة اقتصادية واجهناها على الإطلاق، أخشى أننا أمام انهيار الاقتصاد بشكل كامل… استبد الغضب بالناس، ويمكن أن تتوقع كل شيء في المستقبل، لا أعلم ماذا سيفعلون“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk[at]eremnews[dot]com