بعد تقاعس إيران.. الدور الخليجي الريادي يتعزز في العراق عبر ”الإعمار“

بعد تقاعس إيران.. الدور الخليجي الريادي يتعزز في العراق عبر ”الإعمار“

المصدر: قحطان العبوش – إرم نيوز

دفعت النتائج التي خلص إليها مؤتمر إعادة إعمار العراق، الذي استضافته الكويت الأسبوع الماضي، كثيرًا من المراقبين والمحللين للتنبؤ بمستقبل إيجابي مغاير لسنوات الحروب التي عاشها العراق منذ عام 2003 وانحسار التغلغل الإيراني في البلاد والذي تفاقم منذ الغزو الأمريكي.

وتدافعت دول الجوار الخليجي العربي في المؤتمر الذي نظمته الكويت بمشاركة دولية كبيرة، لمساندة حكومة بغداد والتعهد بإنفاق مليارات الدولارات لإعادة إعمار ما دمرته الحرب الأخيرة ضد تنظيم ”داعش“، إذ وصل مجموع الأموال التي تعهدت جميع الدول والشركات في المؤتمر بإنفاقها إلى 30 مليار دولار.

تقشف إيراني

وعزز غياب إيران عن قائمة الدول التي تعهدت بمساعدة العراق ماليًا عبر منح وقروض واستثمارات، من تلك التنبؤات التي يقول أصحابها إن مؤتمر الكويت يعد إيذانًا ببدء أفول التواجد الإيراني القوي في العراق وبروز تواجد عربي خليجي أقوى مدعوم شعبيًا من العراقيين، الذين أرهقتهم الحروب والطائفية والتدخلات الخارجية والميليشيات المسلحة ونهب ثروات البلاد، التي تقف خلفها إيران عبر إضعاف مؤسسات الدولة ضمن مشروعها التوسعي في المنطقة.

إيران الملتهبة

وتشهد إيران احتجاجات شعبية واسعة خلّفت قتلى وجرحى منذ كانون الأول/ديسمبر الماضي على خلفيات اقتصادية وفقر وبطالة وانتقاد لإنفاق طهران مبالغ طائلة في مشاركتها بالحرب الأهلية في سورية وتدخلاتها في اليمن والعراق، وكان من شأن إعلان وزير خارجيتها محمد جواد ظريف عن مساهمة مالية لإعادة إعمار العراق أن يثير غضبًا داخليًا ويؤجج الاحتجاجات التي تكافح طهران لاحتوائها.

النفس الطائفي

وقال وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، أنور قرقاش، معلقًا على غياب إيران عن قائمة المساهمين بإعادة إعمار العراق ”الانتقادات الواسعة حول إحجام إيران عن المساهمة في إعادة إعمار العراق في محلها، طالما ارتبط الأنموذج الإيراني بنَفسِه الطائفي وبالبحث عن النفوذ والتوسع عبر استغلال الفتن والأزمات“.

وسعت دول الخليج العربي بعد المؤتمر للتركيز على الغياب الإيراني عن المشاركة في إعادة الإعمار، بهدف استقطاب مزيد من القاعدة الشعبية العراقية التي تسعى طهران للمحافظة على ولائها لها على أساس طائفي بالتزامن مع تواجد عربي متزايد في الساحة العراقية.

دعوات

وقال عضوان الأحمري، وهو إعلامي سعودي وثيق الصلة بدائرة صنع القرار في بلاده ”أتمنى من الفضائيات العربية التي تدعي الحياد، مناقشة تجاهل إيران لإعمار العراق وعدم تبرعها إطلاقًا في مؤتمر الإعمار. وهذا يثبت ما نقوله دائمًا، السعودية تعمر وإيران تدمر. لكن من يعقل ذلك؟ يجب توجيه هذه القضية إعلاميًا للشعوب التي استباحت إيران أراضيها، بأوهام الدفاع عن المراقد، أو استولت على أموال الضعفاء منهم بحجة وجوب طاعة الولي الفقيه“.

ولا يتوقف الحديث عن المؤتمر وغياب إيران عنه بالفعل، سواء في وسائل الإعلام العربية أو في الأوساط السياسية والاقتصادية في العراق ودول الجوار الإقليمي في مؤشر على تداعيات نتائج المؤتمر الكبيرة على مستقبل البلد.

تمويل السلام بدلًا من الإرهاب

وقال وزير الثقافة والإعلام السعودي، عواد العواد، معلقًا على نتائج المؤتمر “ في مؤتمر المانحين لإعمار العراق الذي عقد في الكويت تسابقت الدول ومنها المملكة للمساهمة في الإعمار، وغابت إيران عن دعم إعمار العراق. وهنا يظهر للعالم الفرق بين من يدعم السلام والنهضة والاستقرار وبين النظام الإيراني الذي خصص أمواله للعنف والإرهاب والدمار“.

ولم تمنع الاقتصادات الخليجية التي تعيش فترة تقشف فرضها تهاوي أسعار النفط في العامين الماضيين، قادة السعودية والإمارات والكويت وقطر من تخصيص مليارات الدولارات على شكل منح وقروض ميسرة واستثمارات لإعادة إعمار العراق.

وقال الكاتب والصحافي السعودي البارز، مشاري الذايدي معلقًا على السخاء العربي في مؤتمر الكويت ”الحاضر الأبرز في هذا الدعم والإسناد كان العرب، الكويت والسعودية والإمارات وحتى قطر، مع دول غربية وشرقية ومنظمات دولية. الغائب الأوضح عن هذا الاحتشاد من أجل العراق، كان الجمهورية الإيرانية، رغم حضور ممثلها المبتسم وزير الخارجية الدكتور جواد ظريف، لم يُعلن عن أي فلس قدمته إيران في مؤتمر الكويت للعراق“.

ويواجه العراق بعد المؤتمر صعوبة في البدء باستلام أموال الدول المانحة في المؤتمر، فغالبيتها أموال استثمارية في مشاريع، وتحجم تلك الدول والشركات المشاركة في المؤتمر عن الدخول في مشاريع إعادة الإعمار في ظل ظروف البلد الحالية.

هاجس الفساد

ويقول المحللون الاقتصاديون إن النتائج الفعلية لمؤتمر الكويت لن تظهر على الأرض مالم تبدأ حكومة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي باتخاذ إجراءات جدية لمكافحة الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، وفرض سيطرتها الأمنية على البلاد في ظل وجود ميليشيات مسلحة يوالي قادتها الحكومة العراقية وطهران في آن.

وأشار الكاتب والإعلامي السعودي البارز، عبدالرحمن الراشد، لأهمية الاستقرار الأمني ومكافحة الفساد في إعادة إعمار العراق عندما قال متسائلًا بمقال كتبه عقب مؤتمر الكويت ونشرته صحيفة الشرق الأوسط  ”كيف يمكن للعراقيين بناء بلدهم، والميليشيات الدينية المسلحة تتحكم فيه مع الحرس الثوري الإيراني؟!“.

وأضاف الراشد موضحًا ”الدولة الوحيدة التي غابت عن مساعدة العراقيين هي إيران! وهي أكثر دولة مسؤولة عن خرابه، ومسؤولة عن إفشال سلطته المركزية. فالنظام في طهران قام بتفكيك مؤسسات الدولة العراقية من أجل السيطرة عليها.. ولولا تدخل الحرس الثوري الإيراني لعاش العراقيون في وضع أفضل تحت مؤسسات بلدهم السياسية وبدعم من المجتمع الدولي. وكان قد نجح في الاستفادة من بتروله ومياهه وشبابه في بناء دولة عظيمة.

ويحظى العبادي بدعم خليجي وعربي وأممي في رئاسته لحكومة العراق، ومن شأن الدعم الذي تلقاه في مؤتمر الكويت أن يسرع من خطته وإجراءات حكومته لمكافحة الفساد وفرض الأمن الذي سيكبح من سيطرة الميليشيات التي تمثل الوجه الأكبر للنفوذ الإيراني في العراق.

وبدا العبادي واثقًا من قدرته على الوفاء بالتزامات واشتراطات المانحين عندما أعلن في مؤتمر صحافي من بغداد عقب مؤتمر الكويت عن تحديد موعد جلسات التعاقد مع الشركات التي تعهدت بالاستثمار في العراق في شهر آذار/مارس المقبل.

ويجمع غالبية من شارك في مؤتمر الكويت أن ظهور أي نتائج فعلية له داخل العراق ستعني بشكل من الأشكال تراجع النفوذ الإيراني فيه لصالح الوجود العربي الخليجي والدولي الذي يبحث عن سلطة دولة قوية تؤمن الاستقرار للشركات التي تستثمر ملياراتها في مشاريع عملاقة بالبلاد.

ويعد مؤتمر الكويت خطوة متقدمة في توثيق علاقة العراق بجيرانه الخليجيين العرب بعد خطوات أقدم بدأتها السعودية بقوة وحققت تقدمًا لافتًا خلال الأشهر الأخيرة التي شهدت تعيين سفير سعودي لدى بغداد وافتتاح قنصلية لها في مدينة البصرة الجنوبية ذات الغالبية الشيعية وسط ترحيب محلي أثار قلق طهران.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com