"شياطين الدومينو" .. منى مرعي تحلل تقلبات الوضع في لبنان

"شياطين الدومينو" .. منى مرعي تحلل تقلبات الوضع في لبنان

تعري القاصة اللبنانية منى مرعي تفاصيل غائرة من واقع الإنسان اللبناني، وتقلبات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، في لبنان، على مدار أربعة عقود سابقة، تخللها النزاع الأهلي والحروب مع إسرائيل، ناقلة المشاعر الإنسانية في مجموعتها القصصية "شياطين الدومينو" الصادرة عن دار النهضة العربية 2022.

وفي مجموعتها، تكتب القاصة مرعي عن الحروب في لبنان، وتسببها في تهجير الناس من بيوتهم، مبينة لحظات التيه التي ترسخ في الذاكرة جراء ذلك، مدى العمر.

كما تناقش لعبة الاحتمالات التي تضع مصير الإنسان على السطح، بحيث لا يعرف أيّ منا، لحظة النهاية مع هذا العالم، وتعزز الكاتبة من خلال سردها استمرار مراوحة الفرد، ما بين الأمان والخطر.

وتبين مرعي مشاعر الخوف والهلع، التي تصيب الإنسان لحظات القصف على المنازل خلال الحرب، فلا يرتج المبنى، بل الوجود الإنساني بكامله، كما تظهر أشكال المعاناة اليومية في حياة اللبنانيين، حيث انقطاع الكهرباء لوقت طويل.

ضائع

وتبحث مرعي، في جانب آخر، عن الأشياء الضائعة، إذ تتساقط الذكريات والطقوس والمقتنيات من المرء بتقدم العمر، والتنقل والابتعاد عن أماكن بعينها.

وتسترجع الكاتبة عادات الطفولة، وأثاث الغرفة الأولى، واللحظات التي كان يشعر المرء من خلالها بالشغف تجاه العالم، ذلك الشعور الأول تجاه التجربة وتفاصيلها.

اختباء

وتحاول القاصة أن تنبش في جذور المشاعر الإنسانية، من خلال قصة "تخفٍّ" التي تسرد فيها حدث اختفاء الطفلة سارة خلال تجمع الأهل على مائدة الطعام وانشغالهم بترتيب الأطباق، وتستعيد بصوت القاصة لعبة الاختفاء التي مارستها في الطفولة بهدف الاختباء عن العالم لحظة الغصب.

تناقش الكاتبة لعبة الاحتمالات التي تضع مصير الإنسان على السطح، بحيث لا يعرف أي منا، لحظة النهاية مع هذا العالم.

وتحاول القاصة إسقاط هذه اللعبة على الواقع الذي يعيشه المرء حتى في كبره، إذ يميل في الكثير من الأوقات إلى تكرار اللعبة والاختفاء الأبدي عن العالم، وفي هذا التواري تقديم للأشياء على الجسد، حال فقدان الاهتمام من الآخرين، أو التعرض للخذلان منهم، وفيه أيضاً، طرح للسؤال الكبير: من يهتم لأمري؟

وتعد لحظات الاختفاء هذه، من أطول لحظات العمر، حيث يكون التعلق بالوقت أكثر مما يجب، في انتظار أن يلتفت أحدهم، ويفتقد وجودنا.

إن الاختباء في الكبر ليس بهدف اللعب مع الصابون، وإنما إثبات أننا لسنا فقاعة صابون في العالم، يتم تفجيرها بلمسة، أو بإهمال وجودها، هذه اللعبة هي محدد لِقيمتنا عند الآخرين، ولمعرفة مصيرنا معهم فيما بعد.

من نص القصة:

"لا أدري المدة التي غفوتها. كل ما أذكره أن فترة التواري الانتقامية تلك كان وقعها أزلياً في كل تفاصيلها: أزلية الانتظار، الترقب، أن ينتبه أحد لاختفائي، النوم الذي باغت انتظاري وأحالني إلى أحلام لم أعد أذكر منها شيئاً. على أنني متأكدة من أن حلمي المنسي هذا، كان مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بحادثة نهر والدتي، أو هذا ما أود أن يترسخ في ذهني. تلك المرحلة ما بين اليقظة والنوم، كانت أقسى وأشد المراحل أزلية".

مبالغة

وتستخد الكاتبة خلال قصصها، اللهجة العامية، خلال حوارات الشخصيات، حيث تبرز اللهجة اللبنانية، واللهجة الفلسطينية، بالإضافة للسرد من خلال اللغة الفصحى، وهو ما يمنح القصة بيئة خاصة، إذ إن الكاتبة تعمد للرنين الصوتي الخاص بالكلمات، من خلال التقاط اللهجة الخاصة بالشخصيات، وهو ما يمنح القصص بعداً مشهدياً بصرياً، ويجعل الصورة أقرب من ذهن القارئ.

تستخدم الكاتبة الكثير من الكلمات الإنجليزية في السرد، وخلال الحوارات، بل في عناوين القصص، وقد طال هذا الجانب بعض المبالغة في الاستخدام من قبل الكاتبة.

كما وتستخدم الكاتبة الكثير من الكلمات الإنجليزية في السرد، وخلال الحوارات، بل في عناوين القصص، وقد طال هذا الجانب بعض المبالغة في الاستخدام من قبل الكاتبة.

بعد بصري

كما وتعمد القاصة إلى أدوات صوتية تشكلها عبر تكرار الحروف في كلمة ما، أو تكرار الكلمات، لتمنح السرد بعداً صوتياً مضاعفاً، وتركز على مشاعر محددة خلال نقل المشاهد داخل القصة.

وتمنح الكاتبة شكلاً بصرياً لرسم وترتيب الكلمات خلال السرد، بهدف نقل إيحاء ما، أو مشاعر مُعينة، فلم يكن الموضوع هو قمة القوس القصصي، ولا اللغة السلسة المتقنة، ولا طريقة تقديم النص، بكل مجموع ذلك كله.

عقائد

وتتناول القصص بعض القناعات الدينية حول المسيحية وطريق الخلق الإنساني، وقصة السيدة مريم، والنبي يسوع، وكذلك تعرج الكاتبة لفكرة التقمص الراسخة في العقيدة الدرزية.

وذكرت الكاتبة التخوفات والصراعات التي يواجهها المرء بداية وعيه، في ظل طوائف مختلفة يتشكل منها المجتمع اللبناني، وحول هذا تصنع مرعي الجدل بين الشخصيات بطريقة عفوية، تهدف للتلميح لا التعمق، وكذلك تصنع للمادة السردية بيئة اجتماعية وشخصية أكثر اقتراباً من الواقع اللبناني.

ملجأ

وفي قصة "راديو كاسيت" تسترجع الكاتبة ذكريات الطفولة مع الأغاني المسجلة على الشريط المغناطيسي، والذي شاع في العالم العربي حتى نهاية القرن الماضي.

ويكون الكاسيت محطة التقاء للذاكرة مع الأغاني الثورية، ولحظات الحرب، ومن ثم الحروب الأهلية في لبنان.

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com