بعد فوزه بجائزة الشيخ “حمد”.. السوري صالح علماني المترجم الساحر

بعد فوزه بجائزة الشيخ “حمد”.. السوري صالح علماني المترجم الساحر

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

ملامحه الهادئة وصوته الخفيض، تواضعه الجم الذي يزداد مع التقدم في العمر والسنين، جعلت المترجم السوري صالح علماني، المولود في مدينة حمص السورية، عام 1949، يهجر مهنة الطب، دراسته الأولى، ليعيش كما يصف نفسه، على استحياء، ليترجم متخذًا من عنوان السيرة الذاتية للكاتب الكولومبي الكبير غابرييل غارسيا ماركيز، والذي قام بترجمتها في تسعينيات القرن الماضي بعنوان “عشت لأروي”، نوعًا من المداعبة والتقليد المحمود للكاتب العالمي.

بفوز صالح علماني، منذ أيام، بـ”جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي”، عن فئة الترجمة من الإسبانية إلى العربية، عن كتابه “عشر نساء”، للكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو، الصادر عن دار “حمد بن خليفة” للنشر، خلال حفل تكريم أقيم في”سان ريجيس” في الدوحة، يكون قد أتم هذا المترجم المخضرم بناء جسر ثقافي هام، وعمل لسنوات طويلة لتوطيد التواصل والتعايش بين اللغتين العربية والإسبانية، التي يكتب بها الأدب اللاتيني وتعزيز تبادل الفكر والمعرفة بينهما.

بداية ولوج علماني إلى عالم الترجمة الساحر، حينما توجه إلى إسبانيا لدراسة الطب، حاملًا حقيبة من دواوين الشعر: صلاح عبدالصبور، وبدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، ومحمود درويش، وكان قد صدر ديوانه الأول “آخر الليل” ودواوين أخرى لشعراء تلك المرحلة من عام 1968، ولكن للأسف على الرغم من نجاحه في السنة الأولى طب، ساءت الظروف المالية لتحمل تكاليف دراسة الطب، فانتقل إلى دراسة الصحافة، ليترك في نهاية الأمر الدراسة، ويعمل  في أماكن عدة في إسبانيا.

في ذلك الوقت، أهداه أحد الأصدقاء الإسبان رواية “مائة عام من العزلة”، والتي صدرت عام 1967، ليقوم بترجمته المدوية لتلك الرواية الأشهر للكاتب الكولومبي ماركيز، والتي حصد بسببها جائزة نوبل للآداب، لتتوالى ترجمات علماني لاحقا ويحتل مكانة هامة في الترجمة.

وعن أهم مشكلة تواجه علماني أثناء الترجمة، هي اختلاف اللهجات الأمريكية اللاتينية، برغم تحدثهم اللغة الإسبانية، والتي تختلف اللهجة فيها من بلد إلى آخر، لذلك فإن دراسته الطب وعيشه في إسبانيا واحتكاكه بشعوب اللغة الإسبانية وأحوال معيشتهم وحكاياتهم وخرافاتهم وآلامهم وموسيقاهم، واطلاعه على تاريخ أمريكا اللاتينية، كل ذلك ساعده كثيرًا في فهم هذه الاختلافات النابعة على حد تعبيره، من تركيبة هذه القارة وشعوبها المتعددة الأعراق، والتي تميل إلى “الحياة شبه الفوضوية وعدم الصرامة”.

ويعترف المترجم الكبير، في جلسة حوارية ضمن فعاليات “مهرجان مسقط”، أن للترجمة فضل كبير عليه، أكثر مما له عليها، حيث إنه لم يختر الإسبانية لغة لينقلها إلى العربية، بل هي التي اختارته -على حد تعبيره- أثناء دراسته الطب، مشيرًا إلى أن الظروف لعبت دورًا مهمًا وساعدته كمترجم مع صعود تيار الرواية اللاتينية وبروزها عالميًا في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، وهو مدين في شهرته لهؤلاء الكتّاب الذين ترجم لهم.

واستطرد قائلًا: “إن هذا الفضل توّج أخيرًا بأن مُنح الإقامة في إسبانيا مع عائلته بعد نزوحه من سوريا، إثر مطالبة 5 من أبرز كتّاب أمريكا اللاتينية الذين ترجم لهم، حكومة إسبانيا بأن تمنحه الإقامة تكريمًا لمنجزه في نقل إبداعات اللغة الإسبانية إلى العربية”.

وكان صالح علماني، يعيش وضعًا صعبًا بسبب المأساة السورية، لكن مكالمة هاتفية وردته كي يتوجه للإقامة في إسبانيا جعلته يبكي، كما يصف تلك اللحظات العصيبة في حياة أسرته، مضيفًا أنه مدين بهذا للترجمة ولأصدقائه الكتّاب، ومعترفًا أن هذا شيء أخجله حقًا، لأن الناس ما زالت تتذكر أن هناك مترجمًا.

وتعد الكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو، والتي فاز المترجم الكبير صالح علماني، بجائزة “حمد للترجمة والتفاهم الدولي” عن ترجمته لروايتها “عشر نساء”، من أهم كاتبات القارة الأمريكية الجنوبية.

وهذه ليست المرة الأولى التي يفوز فيها المترجم السوري صالح علماني، تقديرًا لدوره في ترجمة ونقل ملامح وإبداعات الثقافة اللاتينية وحضارتها، فقد فاز من قبل بجائزة “جيرار دي كريمونا” للترجمة العام الماضي، وهي سنوية مخصصة لمساهمة مهمة من شخص أو مؤسسة من الضفة الشمالية ومن الضفة الجنوبية للمتوسط في ميدان الترجمة، وتحمل اسم جيرار دي كريمونا (1114 – 1187) الذي درس العلوم العربية في القرن الثاني عشر، وترجم أكثر من 70 كتابًا إلى اللغة اللاتينية، في الوقت الذي رد فيه علماني الجميل، بأن ترجم مائة كتاب من اللغات اللاتينية إلى العربية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع