logo
ثقافة

وليد الصراف: الشعر مدينة مزدحمة والناقد شرطي المرور

وليد الصراف: الشعر مدينة مزدحمة والناقد شرطي المرور
31 مارس 2023، 6:42 م

يشبّه الشاعر العراقي وليد الصراف الشعر العربي بمدينة مزدحمة لا إشارات مرور في شوارعها، تتصادم فيها العربات ولا تضفي إلى إبداع، في ظل غياب النقد الحقيقي الذي هو الشرطي، وبوسعه أن ينظم ويقيّم الحركة الشعرية أمام ازدياد كبير لعدد الشعراء، حسب وصفه.

ويشير الصراف، المناصر لقصيدة التفعيلة، في حوار مع "إرم نيوز"، إلى أن النثر لا يمكنه أن يصبح شعرا، حيث يصعب عليه منافسة البحر الشعري في ظل الإرث العربي الكبير في هذا المجال، لافتا أن الحداثة باتت اليوم بمثابة سلطة تضع العصي في عجلات تطور الشعر العربي.

ووليد الصراف شاعر وطبيب عراقي، نال العديد من الجوائز، ولُقب بـ"شاعر الشباب في العراق"، ومن أعماله "ذاكرة الملك المخلوع"، "قصص للنسيان"، "رسالة من قابيل"، "تاسع أهل الكهف"، "ظلال من الشجرة التي اقتلعت"، وغيرها.



"تاسع أهل الكهف" هو ديوانك الشعري الجديد يتضمن قصائد أغلبها ينتمي إلى القصيدة العمودية.. ما الذي يستهويك في هذا النوع من القصائد؟ وما الذي أردت البوح به في هذا الديوان؟

نعم، أكثره قصائد عمودية ولكن أول قصيدة فيه تفعيلة.. أنا كسول في نشر نتاجي، والأمر الطبيعي أن يعدّ الشاعر ديوانا جديدا حين يكتب من القصائد الجديدة ما يصلح أن يضعها في ديوان جديد، ولكنني أحس بالخوف عندما أجلس إلى مسوداتي وبعضها عمره أكبر من عمر أولادي وكتبته عندما كنت طالبا ولم أفكر حتى أن أعيد كتابته في ورق أبيض..

حين يحضر الشعر يتوقف الزمن، فيمكن أن أضع في ديوان جديد قصيدة قديمة جدا.. لو سألتني ماذا أردت لقلت لك حقا إنني لا أعرف.. إن كل قصيدة حمام زاجل المفروض أنه طار بما كان في أعماقي لحظتها إلى الآخرين، ولكنني قيدته في قفص مسودته قبل أن يطير. فهل سيجد العنوان بعد هذه السنين الطويلة؟ بعد أن حالت ألوان وتلاشت ظلال وخفتت أصوات وسقطت ممالك وتوقفت قلوب؟

هذا ما كنت أخشاه وأنا أنظر في هذا التل من المسوّدات وأختار منها مترددا ما أضعه في الديوان.



عودت القارئ على الصورة الرصينة والمفردة العالية في قصائدك.. هل تعتقد أن الشكل الفني والمضمون يميزان أسلوبك الشعري؟

لا أعرف إن كان أسلوبي مميزا. وإن كان فإنني لا أعرف ما يميزه.. كل الذي أعرفه أن عليّ أن لا أشبه أحدا. وكي أكون كذلك فلا بد أن أعرف ملامح الكبار جميعا، منذ المهلهل حتى الجواهري، وأن أحاول أن أختلف عنهم دون أن أتكلف هذا الاختلاف.

تؤكد تمسكك بالعَروض الخليلي وإنك لا تعرف وجوداً للقصيدة خارج العروض.. هل فعلا القصيدة سمكة إذا خرجت من البحر الشعري ماتت، كما ذكرت سابقا؟

نعم هي كذلك، والتفعيلة أعتبرها البحر السابع عشر الذي ضرب السياب عصاه فانشق. أما أن يصبح النثر شعرا في أمة لها كل هذا الإرث فهذا أمر صعب أن ينافس النثر قوة أمواج البحر الشعري وأن يصل بالشعور الإنساني إلى ساحل الشعر دون موج وريح الإيقاع الخارجي..

ربما استطاع البعض كالماغوط في بعض ما كتب أن يصطاد غزالة الشعر من منطقة خارج حدود الخليل كما سبق أن قلت. ولكن ماذا عن هؤلاء الآلاف الذين يتوهمون ويملؤون الساحة بصخبهم وفوضاهم؟ إنه زمن عجيب.



لا تخفي تأثرك بالتراث والكتب التاريخية، وفي نفس الوقت تدعو للحداثة والتجديد.. هل نجح برأيك الشعر المعاصر في تحقيق هذه المعادلة؟

أنا لا أرى أن التراث هو التاريخ؛ التراث هو الجزء الحي من التاريخ الذي يتنفس بيننا الآن، ولا فرق عندي بين ما يتنفس وقد ولد قبل قرون ويتنفس وقد ولد أمس، كلاهما حيّ وأولى أن أتعامل معه مما يولد ميتا اليوم..

أما الكتب التاريخية، فأنا ابن أمة لها تاريخ طويل لا بد أن أعرفه وأقف على المنعطفات المهمة فيه، وأفتح نفقا بينها وبين انفعالي الشخصي، وإلا فإنني لا أصلح أن أعبّر عن الأمة بل لا أصلح أن أكون فردا ينتمي إليها..

أما التجديد فليس شاعرا مَن يراقب نفسه ويتوخى التجديد وهو يكتب.. إرادة التجديد تكمن في العقل الباطن للشاعر ولا تمارس عليها إرادة شخصية..

أما الحداثة فكلمة ربما فتنتني قليلا في صباي، أما اليوم فأراها سلطة تضع العصي في عجلات تطور الشعر العربي العظيم الذي كان في كل عصوره عظيما بدونها.

للغزل حصة كبيرة في قصائدك.. هل هو مستوحى من الشعر الجاهلي الذي تطرب إليه كثيرا ولا تخفي شغفك به؟

لا علاقة لشعري بالعصر الجاهلي ولا لأي عصر آخر بما فيها العصور الحديثة.. أحيانا مفرداتي التي بعضها من التراث توحي أنني شاعر كلاسيكي لمن لا يعرفون الشعر. أنا ابن عصري تماما، ولكن على طريقتي وليس على طريقة من يتوهمون أن لغة الشعر هي لغة الصحافة أو لغة الألغاز والمعميات أو استعارة القاموس الشعري العام للعصر أو ما يوسوس شيطان الحداثة ويمليه على أنصاف الشعراء.



كيف تقيّم مسار الشعر العربي اليوم في ظل غياب الناقد الحقيقي حسب تعبيرك؟

الشعر مدينة مزدحمة لا إشارات مرور في شوارعها تتصادم فيها العربات ولا يفضي سبيل من سبلها إلى إبداع. لماذا؟ لأنها تخلو من شرطي مرور ينظم السير..

الناقد هو شرطي المرور الذي يعرف المداخل والمخارج والقوانين ويعطي لكل حق حقه.. هو الصائغ الذي يملك الميزان الدقيق ويميز في نظرة سريعة أحيانا الذهب من النحاس ويعرف من أي عيار، وحين يزيد الشعراء تصبح الحاجة إليه أشد..

في النصف الأول من القرن العشرين وربما في النصف الثاني أيضا كان هناك القليل من النقاد الذين يعرفون الشعر وأهله ويعرّفون الناس به وبهم ويصدّقهم الجميع.. اليوم نحن بلا نقد لذا كثر الادعاء والدجل والشعوذة وشاعت مفاهيم خاطئة وأوهام وطغى الكم على النوع.. إنها الفترة المظلمة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة ©️ 2024 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC